على طريق المواجهة                                                                           رجاء الناصر

تحية إلى حزب الله

يستحق حزب الله – اللبناني أن يسجل له باعتزاز وتقدير ، ليس فقط إدارته لعمليات المقاومة وفعلها ، وإنما أيضا لممارسته السياسة باعتبارها جزءاً مكملاً للمقاومة المسلحة ، حيث تصب السياسة والنضال معاً في مصلحة إدارة الصراع بمواجهة العدو وتحقيق الانتصار عليه .

في عام 1996 استطاع حزب الله آن يخرج من عدوان " عناقيد الغضب " بتفاهم نيسان عبر مفاوضات غير مباشرة ، وباعتراف جميع المراقبين ، فإن " تفاهم نيسان " اعتبر انتصاراً سياسياً لحزب الله ، فقد تم فيه إخراج المدنيين من دائرة الاستهداف من القصف المتبادل بين الطرفين مع احتفاظ حزب الله بحقه في المقاومة ، وتنفيذ عملياته ضد قوات الاحتلال في الأراضي اللبنانية المحتلة ، وأجبر العدو مراراً على مبادلة أسراه وأشلاء قتلاه بمعتقلين لدى قوات العدو .

تلك السياسة الناجحة والتي كشفت الكثير من عيوب السياسات العربية الرسمية ، قيل من قبل الكثيرين من القيادات العربية الرسمية أنها لم تعد ممكنة أو مستحيلة بعد أحداث أيلول عام 2001 وما تلاها من اجتياح أفغانستان والعراق ، وتحول السياسة الأمريكية إلى شريك كامل للكيان الصهيوني في عدوانه على الأمة العربية وما استطاع حزب الله بمقاومته و" بسياسته " أن يحققه مستفيداً من معادلات إقليمية قبل هذا التاريخ لم يعد من الممكن تمريره ولم يعد تجربة يمكن أن تحتذي أو يستفاد منها ! ..

لكن حزب الله فاجأ هؤلاء جميعاً بأنه تمكن رغم كل هذه المتغيرات من أن يستمر في تسجيل الانتصارات والدروس معاً . وهنا يمكن لنا أن نقف عند حديثين برز فيهما حزب الله في أرقى تجليات المقاوم والمفاوض .

الحدث الأول : تعرضه للجرافة " الإسرائيلية " التي تجاوزت الحدود اللبنانية ببضعة أمتار هي اقل من أن تلحظ عن بعد . حيث لم تتعدى الخمسة أمتار وهو الحادث الذي أدى إلى مقتل جندي صهيوني وجرح آخر ، قيل في لحظتها أن حزب الله أستجر إلى المهلكة " فإسرائيل " ستهدّ الأرض وتنال من لبنان وسورية ، لكن قادة حزب الله قالوا برباط جأش أنهم مستعدون للمعركة ، فالمسالة ليست تجاوز أمتار ، بل هي ترتبط مباشرة بمنطق القبول بالواقع الذي تفرضه " إسرائيل " أو رفض هذا الواقع ،ومنع تكريسه ، ورغم توالي التهديدات الأمريكية والصهيونية ورغم حالة فزع بعض السياسة ، فإن حزب الله كسب المعركة ، وخرج منها منتصراً فارضاً حضوره ، ورافضاً محاولات بعض السياسيين المساومة على رأسه .

الحدث الثاني : موضوع مبادلة الأسرى والمعتقلين ، فقد تمكن حزب الله عبر مفاوضات شاقة وغير مباشرة أن يفرض شروطه على العدو ، واضطر شارون الذي ناور كثيراً قبل " معركة الجرافة " أن يقبل بشروط حزب الله ، والتي تمثلت بـ :

1-      الإفراج عن جميع الأسرى اللبنانيين مهما كان عددهم .

2-      الإفراج عن أسرى عرب من جنسيات مختلفة فلسطينيين وأردنيين وسوريين ومغاربه وليبيين .

إن حزب الله من خلال اشتراطه الإفراج عن أسرى عرب من غير اللبنانيين أراد أن يؤكد على استمرارية رؤية المقاومة بأن الصراع ضد الصهيونية إنما هو صراع عربي ، وليس صراعاً لبنانياً وسورياً وفلسطينياً وأردنياً .. وهي المسألة التي غابت عن رؤية الأنظمة العربية .

إن المقاومة لا تعني عدم ممارسة السياسة كما يتصور البعض ولكنها السياسة التي تخدم الهدف الرئيسي للصراع أي التحرير والاستقلال لا السياسة التي تفرط بالحقوق والتنازل عن المسلمات الوطنية .