سجن صيدنايا: مأساة إنسانية 
مئات المعتقلين السوريين الذين أرهقهم التعذيب في سجن تدمر الصحراوي على مدى عقدين، وأنهكتهم الأمراض الفتاكة، نقلوا أواخر صيف عام 2001 إلى سجن صيدنايا شمال العاصمة السورية دمشق.
ليس بمقدور أحد أن يجيب عن أسباب استمرار احتجاز سجناء الرأي هؤلاء بعد مدد طويلة من الاعتقال، كثيرون منهم مضى على اعتقالهم أكثر من عشرين عاماً. بينما تزداد أعداد المعتقلين على الدوام من خلال نقل محتجزين جدد غالبيتهم من الذين سووا أوضاعهم وعادوا إلى البلاد يحلمون بالاستقرار، لكنهم فوجئوا بنقلهم إلى سجن صيدنايا.
وقد ميّزت اللجنة السورية لحقوق الإنسان في هذا السجن المرعب، أسماء حوالي 450 من المعتقلين المحسوبين على جماعة "الإخوان المسلمين"، و60 ممن يُشتبه بأن لهم صلة بـ"حزب التحرير" الإسلامي، وأعداد أخرى احتجزوا لصلتهم بحزب البعث/ جناح العراق (المنافس للحزب الحاكم في دمشق) أو رابطة العمل الشيوعي، أو غيرهم، بحيث يناهز العدد 600 معتقل رأي في سجن صيدنايا وحده.

احتجاز بعد انتهاء مدد المحكوميات:
كثير من المعتقلين القدامى أنهوا فترات محكومياتهم غير المنصفة أصلاً، والتي تمت أمام محاكم ميدانية قضت عليهم بدقائق معدودة بالسجن لمدد طويلة.
يقول أحد المحكومين لمدة عشرين عاماً "مثلتُ أمام القاضي سليمان الخطيب، فقال لي ما اسمك؟ قلت له: فلان. قال: اسمك جميل يستحق أن تسجن عليه عشرين عاما. انتهت المحكمة".
وقال سجين آخر: "سألني القاضي سليمان الخطيب: ما صلتك بفلان؟ قلت خالي؟ قال: من أجل خالك لن تخرج من عندنا إلا على قفاك. انتهت المحاكمة".
وكانت اللجنة السورية لحقوق الإنسان أصدرت نداء في 7/9/2002 للإفراج عن ثلاثة طيارين اعتقلوا عشرين عاماً، وبعد انتهاء مدة محكوميتهم أعادت مخابرات القوى الجوية اعتقالهم وتحفظت عليهم في سجن مطار المزة العسكري.
وأخضع المعتقلون الثلاثة، وهم محمد رفيق الحمامي، ومحمود كيكي، ومحمد بشار العشي، من جديد لأنواع شتى من الضغوط النفسية والجسدية والتعذيب. والمعتقلون الثلاثة يعانون من أمراض نقص التروية والضغط والقلب. أما الحالة الإنسانية لمحمد رفيق حمامي فقد تجاهلتها السلطات رغم قساوتها واستمرت في اعتقاله..
للسيد حمامي ثلاثة أولاد أصبحوا في سن الشباب، لكنهم جميعاً يعانون من إعاقات شديدة تشلهم عن الحركة والرؤية، بحيث لم تستطع أمهم، زوجة الطيار المعتقل، الاستمرار على هذه الحالة التي لا تطاق بعد عشرين عاماً من الانتظار دون أمل، فطلبت الانفصال عن زوجها، والأولاد الثلاثة حالياً في كفالة أقاربهم. وهذه الحالة الإنسانية المؤلمة غير خافية عن اللواء حسن خليل رئيس المخابرات العسكرية، ولا عن رئيس استخبارات القوى الجوية، لكن المشكلة تكمن في مسؤولين على رأس أجهزة الأمن السورية، لا صلة لهم بالإنسانية، ويريدون الإمعان في تعذيب المعتقلين وإرهاقهم نفسياً وجسدياً.
وتورد اللجنة السورية لحقوق الإنسان قصة فؤاد نعسان إسماعيل، الذي اعتقل بتهمة صداقته مع شخص يعتقد أنه من الإخوان المسلمين. يقول زميل له في مهجع السجن: تقرر إخلاء سبيل فؤاد - وكان يدعى الفنان نظرا لتألقه في الرسم والنحت - عام 2000 من سجن تدمر، بعدما صنع تمثالين لحافظ وبشار الأسد. وأبلغ أن ساعة الإفراج عنه قد حانت، لذلك ودعناه وتمنينا له السلامة. لكن خيبة أملنا كانت كبيرة عندما التقينا به مرة أخرى في سجن صيدنايا عام 2001 بعدما نقلنا جميعاً إليه من سجن تدمر. وكانت شعوره بالإحباط أكبر من خيبة أملنا". ولا يزال فؤاد إسماعيل من قرية كفر عويد (محافظة إدلب) في السجن حتى الآن.
وعلمت اللجنة السورية أن الصيدلي محمد أيمن الملقي (من أهالي دمشق) لا يزال معتقلا في السجن بعد 15 عاماً على انتهاء مدة محكوميته عام 1988.
أما نصوح البكري، الذي اعتقل إثر زيارة عادية له من السعودية، حيث كان يقيم ويعمل، فقد حكم عليه بالسجن لمدة عام، لكنه وبعد ست سنوات من اعتقاله لم يفرج عنه، مع أنه يعيش برئة واحدة، وكان أجريت له قبيل اعتقاله عملية في القلب.
ولم يفرج عن مصطفى الرنة، من محافظة إدلب، على الرغم من انقضاء محكوميته منذ عشر سنوات. ويعاني رياض حمصي من مرض نفسي خطير وانتهت محكوميته منذ مدة ولكن لم يفرج عنه. ولم يفرج عن الأخوين سليمان ومصطفى الشطي من أهالي مدينة الرقة رغم انتهاء مدة محكوميتهما، فيما يعاني مصطفى من الإصابة بالشلل التام.
أما عمار محمد عدنان لاذقاني، المولود خارج سورية، فقد جاء عام 1997 ليسلم على والده (العقيد عدنان لاذقاني)، الذي أفرج عنه بعد سجن دام عشرين عاماً، فما كان من السلطات الأمنية إلا أن اعتقلته وحكمت عليه بالسجن لمدة عام وأودعته سجن صيدنايا، ولم يفرج عنه رغم انقضاء خمس سنوات على اعتقاله.
وانتهت فترة محكومية عبد الرحمن حساني (بلدة صوران قضاء حماة) البالغة عشرين عاماً منذ عدة أشهر، إلا أنه لم يفرج عنه. وانتهت فترة محكومية عصام محمد العمر (بلدة الدانة قضاء إدلب) منذ عام 1999، وعلى الرغم من حالته الصحية الحرجة ومعاناته من أمراض الحساسية والانفصام ووجود كسر في ظهره وانزلاق في فقرات الظهر، إلا أنه لم يفرج عنه لأن خاله هو الكاتب والأديب البارز إبراهيم عاصي، الذي يعتقد أنه كان أحد ضحايا مجزرة سجن تدمر الشهيرة التي نفذتها السلطات السورية بحق السجناء في حزيران/ يونيو 1980.
 
احتجاز رهائن:
يحتجز يحيى وجيه علواني، من مدينة حماة، منذ عام 1979 بسبب شقيقه، الذي اعتقلته وأعدمته السلطات السورية في أوائل الثمانينيات. ومن الجدير ذكره أن يحيى مصاب بمرض نفسي أفقده توازنه.
ويحتجز عامر نصر كوجان من أهالي مدينة حماة منذ عام 1980 رهينة عن أخوته الذين اعتقلوا وقتلوا في سجن تدمر. وألقي القبض على مدحت منير طيفور وحكم عليه بالسجن ثلاثة عشر عاماً لأن شقيقه قيادي في جماعة الإخوان المسلمين، ومع أن مدحت كان يعمل في السعودية وعاد إلى سورية في زيارة عادية، إلا أنه اعتقل لدى وصوله الحدود البرية السورية ونقل إلى سجن تدمر ثم إلى سجن صيدنايا، ومدحت يعاني من مرض نفسي بدون أن يلقى أدنى عناية شأنه شأن بقية المعتقلين في هذا السجن الرهيب.
أما محمد إحسان المراد فمعتقل منذ عام 1988 لقرابته من اثنين من علماء حماة، وهما الشيخ سعيد علي مراد، والشيخ محمد علي المراد، وأفاد معتقلون سابقون أنه تعرض للتعذيب الشديد بسبب قرابته من مفتي مدينة حماة الذي اعتقلته السلطة وقتلته عام 1982. أما محمد خير طحان، فمعتقل منذ قرابة ربع قرن رهينة لمجرد تعاطفه مع أخيه المعتقل محمد علي طحان. ومحمد محمد حاتم الطبشي (من مدينة حماة) اعتقل رهينة عن والده أثناء زيارة عادية له إلى سورية قبل بضع سنوات ولا يزال في السجن دون أن يقترف ذنباً، سوى كون أبيه معارضاً للنظام.
واعتقل أحمد ماهر بركات شقيق المعتقل صبحي بعدما نقلت عناصر أمنية خبر وفاة أخيه في السجن وتقاضوا على ذلك مبلغاً من المال، فبادر إلى تسجيل شقيقه في سجل المتوفين وعمل على تسوية الحالة المدنية للأسرة على اعتبار أخيه متوفى، ثم علم أن شقيقه لا يزال على قيد الحياة فاستأذن لزيارته، فما كان من رئيس الاستخبارات العسكرية اللواء حسن خليل إلا أن ألقى عليه القبض ونقله إلى سجن صيدنايا.
والطالب عبادة أكرم الحريري (من مدينة درعا) مقيم مع أسرته في السعودية، وحضر إلى سورية بقصد الدراسة، لكنه اعتقل وأودع في سجن صيدنايا لأن والده من الإخوان المسلمين، ويعاني عبادة من مرض نقص التروية، وتقول أحدث التقارير إنه معتقل في جناح "ج. يسار" في السجن المذكور.

حالات صحية مأساوية:
قد يصعب التفريق بين حالة معتقل وآخر في سجن صيدنايا، فالجميع يعاني من أمراض القلب ونقص التروية، والعديدون يعانون بسبب التعذيب القاسي وطول فترة الاحتجاز من الأمراض النفسية والعقلية، والأمراض المنتشرة بين المعتقلين كثيرة ولكن ليس هناك من يهتم بإعطائهم حتى الدواء المسكن.
فالدكتور لؤي محمد الخاير (دير الزور)، أخصائي الأمراض النسائية من فرنسا، اعتقل عام 1983، وهو مصاب بالشلل نتيجة جلطة دماغية أصابته في السجن نتيجة التعذيب الشديد الذي تعرض له، وهو في حالة صحية حرجة. ويعاني الضابطان في الجيش العميد تيسير لطفي (حماة) والعميد صلاح حلاوة (دمشق) المعتقلان منذ عام 1982 من أمراض نقص التروية وارتفاع الضغط الشرياني والسكر والتهاب الأعصاب المزمن (الروماتيزم)، مع ذلك فلا يجدان أي نوع من الرعاية الصحية أو العلاج.
ويعاني ياسر جاموس (من بلدة تل منين قضاء دمشق) من الرعشة العصبية والألم المستمر في ساقه الوحيدة، إذ أن ساقه الأخرى مبتورة، وعلى الرغم من حالة العجز والألم التي يعاني منها، إلا أنه لا يجد حتى الأدوية المسكنة.
ويعاني عبد الباقي كلو (الميادين) من مرض نفسي بسبب استمرار اعتقاله في ظروف غاية في الصعوبة لمدة 23 عاماً نظراً لاستضافته اثنين من الطلاب المطلوبين لأجهزة المخابرات، عندما كان طالباً في كلية الهندسة بجامعة دمشق.
ولعل الوضع الصحي السيء لعبد الرحمن جبارو من أعقد وأصعب الأوضاع في سجن صيدنايا، لكنه لا يجد علاجاً أو رعاية. ويعاني مصطفى الشطي (الرقة) من الشلل التام في السجن. ويعاني عبد الرحمن مصدر (حماة) من مرض القلب والضغط، ولا يلقى علاجاً في السجن مع أن أهله وإخوته قتلوا جميعاً داخل منازلهم خلال مجزرة حماة (1982)، وقد قررت اللجنة الأمنية في السجن إخلاء سبيله عام 2001 لكنه لم يفرج عنه.

إن اللجنة السورية لحقوق الإنسان تدعو المفوضية العامة لحقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة لتشكيل وفد لتقصي الحقائق في هذا المعتقل والوقوف على أوضاع السجناء فيه.
كما تناشد المنظمات الإنسانية والحقوقية العربية والدولية، ودعاة حقوق الإنسان في العالم، التحرك العاجل لإبراز قضية المعتقلين في سجن صيدنايا، والعمل على استنقاذهم من بين مخالب الموت الذي يتهددهم في أي لحظة في هذا السجن المرعب، بعد أن قتلت السلطات الأمنية في سورية أو أعدمت قرابة 17000 معتقل في سجن تدمر الصحراوي سيء السمعة.
ماذا تريد السلطات الأمنية في سورية من معتقلين أنهك التعذيب والاعتقال والسجن أجسادهم وأبلاها؟!.
ماذا تريد من رهائن قضوا في سجونها المرعبة عشرات السنين؟!.
ولماذا يحتجز هؤلاء بعد انقضاء فترات محكومياتهم التي تعتبر غير قانونية أصلاً؟!.

إن اللجنة السورية لحقوق الإنسان تدعو الرئيس السوري بشار الأسد إلى الإفراج الفوري عن هؤلاء المعتقلين، وتحمله المسؤولية الكاملة عن كل الممارسات اللاإنسانية التي تمارس بحقهم.

اللجنة السورية لحقوق الإنسان
19/12/2003