المواطن السوري

لا يريد طيارة ولا دبابة بل يريد وطنا

الطاهر إبراهيم*

كنا في مقالتنا السابقة التي نشرها (مركز الشرق العربي ) تحت عنوان "سورية، الوطن .. المواطن..  نظام الحكم.." قد بينا فيها حال سورية الوطن، كيف كانت قبل، وأين صارت الآن تحت حكم حزب البعث، على مدى أربعين عاما.

وأود في بداية مقالي هذا أن أعرج على واقع المواطن السوري، لنرى كيف أصبح حاله في ظل نظام حكم حزب البعث، وبعد ذلك أحاول أن أرسم صورة النظام السوري في وضعه الحالي ،من خلال الطريقة الخطأ التي يتصدى بها الرفاق أعضاء الحرس ،الجدد منهم والقدامى, لمواجهة ضغط الإملاءات الأمريكية على سورية. 

ولقد عجبت وعجب غيري من السوريين مما رواه "إبراهيم حميدي"،مراسل جريدة الحياة اللندنية في دمشق،عن داعية حقوق الإنسان،الدكتور "هيثم مناع" –والعهدة على الراوي-ما قاله له مسؤول سوري رفيع المستوى، بأن "النظام السوري مستعد لإرسال طائرة إلى كل معارض سوري يرفض العودة على ظهر دبابة أمريكية".

 وإننا نؤكد هنا، بأن المواطن السوري المشرد في أقطار الأرض، لن يقبل أن يكون عونا لأمريكا على وطنه، مهما بلغت الخصومة بينه وبين نظام الحكم. ولكنه في نفس الوقت لن يصل به الوهم أن يصدق هذا الزعم، لماذا؟ لأن النظام السوري قد بخل على هذا المواطن –الذي هُجر قسرا عن وطنه-بما هو أقل من ذلك بكثير!بعد أن مرعليه أكثر من ربع قرن ذاق فيها الأمرين، بفعل سياسة الترويع التي اتبعتها أجهزة أمن النظام مع المعارضين له، داخل سورية وخارجها.فكيف يصدق المواطن السوري زعم هذا المسؤول"رفيع المستوى" بأن طائرة تنتظره للعودة به إلى الوطن، وهو قد عاش أكثر من ربع قرن  يلهث وراء جواز سفر، يؤمن له ولأولاده الاستقرار النفسي، مدفوعا على أبواب قنصليات "النظام" في شرق الأرض وغربها، بعد أن أغلقها في وجهه المندوب المخابراتي المزروع في كل قنصلية.

 ومع كل ما تقدم فإن المواطن المهجر قسريا،سيكون مستعدا للعودة إلى وطنه سورية، ليس على متن طائرة، بل حتى مشيا على الأقدام، إذا تأكد له أن من سيكون في استقباله هم أهله وأحباؤه لا عناصر أجهزة المخابرات، وأن لا تتم هذه العودة من خلال البوابة الأمنية التي تصر عليها تلك الأجهزة إمعانا منها في قهر هذا المواطن وإذلاله.

ومع أن رموز النظام البعثي يزعمون ،ليلا ونهارا، بأنهم مستعدون لتقديم الخدمات التي لا ينال منها المواطن السوري إلا "قبض الريح". فإن هذا المواطن، مع أنه يعيش في وطنه، فهو يغبط أخاه المهجر القسري،مع أن كليهما في "الهم سوري"،فذاك على الأقل يتمتع بنعمة البعد عن شر عناصر أجهزة المخابرات.

وأقصى ما يطمح إليه هذا المواطن (داخل سورية وخارجها)الذي أوردنا جزءا صغيرا من معاناته، أن يتركه هذا النظام وشأنه،طالما أن قدره كتب عليه أن يعيش في ظل هكذا نظام.

وحتى لا نضيع في متاهات ما كان يجب على النظام أن يفعله تجاه الوطن ،الذي أصبح منقوصا كما بينا في المقالة السابقة، وتجاه المواطن، وبينما هو قائم بالفعل حاليا، سنسلط الضوء على اللحظة الراهنة التي تمر فيها سورية.

ولا يخفى على أحد، أن نظام حكم حزب البعث، وخلال أربعة عقود متتالية، أغلق كل النوافذ والأبواب في وجه أي تطلع نحو الحرية والديموقراطية. فقد كان هذا النظام يكتم أي صوت يرتفع مطالبا بفتح أبواب سورية المغلقة. فبعد أن لقن النظام أجهزة إعلامه مقولته الشهيرة، التي نادى بها من أول يوم "لاصوت يعلو على صوت المعركة" فقد أصم النظام أذنيه، عن سماع أي صوت إلا صوت رموزه ومنظريه، الذين اعتبروا الهزائم نصرا، طالما لم تؤد إلى تغيير نظام حكمهم.

ولا نبالغ إذا قلنا أن هذا الانغلاق لا يختلف كثيرا عن الستار الحديدي الذي كان مضروبا حول شعوب الكتلة الشرقية التي كانت تدور في فلك الاتحاد السوفياتي أثناء فترة الحرب الباردة. بل إن شعوب تلك الكتلة كانت تحظى بعطف دول المعسكر الغربي وعلى رأسها أمريكا، أما في سورية، فإن النظام هو الذي كان يحظى برعاية وعطف أمريكا، بعد أن استطاع أن يسكت أي صوت يمكن أن يصرخ في وجه النفوذ الأمريكي. 

ومن جهة أخرى استطاع هذا النظام أن يشرذم المعارضة السورية، وخصوصا الإسلامية منها، بعد أن استعمل معها أقسى أنواع البطش والتنكيل من قتل بالجملة، (مجزرة سجن "تدمر"  ومجزرة مقبرة "هنانو" في حلب ومجزرة "حماة")، أواعتقال بالجملة أيضا لعشرات الآلاف ممن كان النظام يشك في ولائهم لحكمه، حيث أخضعوا لأقسى أنواع التعذيب، ونفذ في كثير منهم الإعدامات الجماعية التي تمت في سجن تدمر (يراجع بهذا الخصوص شهادة الأستاذ هيثم المالح في برنامج بلا حدود في قناة الجزيرة في 5 حزيران 2002).أما من نجا من المعارضين فقد اضطر الآلاف منهم إلى الهجرة خوفا من الاعتقال والتعذيب، وربما القتل كما حصل مع أقرباء المطلوبين، حيث كانوا يقادون من بيوتهم إلى الشوارع ثم ينفذ فيهم حكم الإعدام رميا بالرصاص ثم تلقى أجسادهم في الشوارع. ولقد كان شعار الذين غادروا الوطن: "أنج سعد فقد هلك سعيد".

المعارضة السورية أين تقف

وإذا كانت المعارضة السورية الناضجة ترفض أي تهديد تلوّح به أمريكا ضد سورية، فإن هذا الرفض ليس وقوفا إلى جانب نظام الحكم بل موقفا مبدئيا تقفه هذه المعارضة مع وطنها، بعد أن حال نظام حزب البعث بينها وبين انخراطها في الدفاع عن بلدها سورية.

 وقد لخص هذا الشعور،الأستاذ "رياض الترك"في مقابلته–التي نشرتها نشرة "الرأي"، التي يصدرها حزب الأستاذ الترك، في 15/08/2003- مع إذاعة "سوا" الأمريكية، في رده على سؤال المحرر، وقد استعار الأستاذ الترك حال العراق، الذي لا يختلف عن سورية:

سؤال: الضغط الذي يمارسه الأميركيون، مهما كان سببه، هل باستطاعة السوريين أن يستفيدوا من هذا الضغط الخارجي على النظام؟

 جواب: " رغم أننا نرفض الاحتلال الأميركي من حيث المبدأ، ونطالب بخروج الجيش الأميركي من العراق ليسنح المجال للشعب العراقي أن يدير شأنه بحرية، وترجع العراق دولة في البلد مش فوضى... رغم كل ذلك، الاحتلال الأميركي أزاح نظام استبدادي، لا شك وإذا اعتبرنا أن النظام الاستبدادي أعاد المجتمع العراقي إلى الناقص - إذا أردنا أن نستعمل الرياضيات، يعني من ناقص لا نهاية إلى زائد لا نهاية وفي النصف الصفر - فالنظام الاستبدادي كان دفع المجتمع إلى الناقص يعني تحت الصفر. الآن، في هذه العملية أعادوه إلى الصفر... (انتهى الاقتباس من المقابلة مع الترك).فالأستاذ الترك يعتبر الحكم الاستبدادي أسوأ من الاحتلال الأمريكي لولا "الأجندة" الخطيرة التي وضعتها إدارة "بوش" عندما ذهبت لاحتلال العراق.

إن المعارضة السورية المخلصة بكافة فصائلها،تدرك أن تغيير نظام الحكم في سورية على الطريقة الأمريكية،إنما هو دمار لسورية،ومن لا يصدق فهذا العراق شاهد على هذه المقولة، لأن أمريكا تعمل لحسابها لا لحساب الشعوب المقهورة. وقد كانت المعارضة، حتى وقت قريب، تراهن على صحوة الروح الوطنية لدى رموز النظام، قبل أن تدركه صحوة الموت على يد أمريكا وعندها لات ساعة مندم. فهل جاء الوقت الذي تشعر فيه هذه المعارضة باليأس من حصول هكذا صحوة؟. إن الأستاذ "الترك" يرى أن نظام بغداد الاستبدادي قد دفع المجتمع العراقي إلى ما دون الحضارة، وهو يعتبر أن كلي النظامين العراقي والسوري استبداديين، ولكن هناك اختلاف في نسبة الاستبداد. يقول الترك في المقابلة مع "سوا": ".. يعني إذا كان صدام حسين ذبح بمئات الألوف نحن عندنا ذبحوا بعشرات الألوف. إذا كان، هناك منع، سحق المعارضة بحيث ما بقي في العراق معارضة كليا، في سوريا، استطاعت المعارضة أن تحافظ على وجودها، على ضعفها. ولكن نحن موجودين في الداخل...". 

لقد مدت المعارضة السورية يدها إلى العهد الحالي في نظام الحكم في أكثر من مناسبة، بدءا من تهديدات حكومة شارون المتكررة وانتهاء بإقرار الكونغرس الأمريكي قانون "محاسبة بسورية"، ورفضت هذه المعارضة كل الإغراءت الأمريكية لكي تنخرط فيما تسعى إليه إدارة بوش من تهديد لسورية. صحيح أن العهد الجديد قد أوقف الحملات الإعلامية التي كانت مستعرة في ثمانينيات القرن العشرين وتسعينياته ضد هذه المعارضة ، ولكن الصحيح أيضا أن هذه المعارضة لم تلق أي رد إيجابي من نظام الحكم رغم كل المبادرات التي قامت بها هذه المعارضة -وخصوصا جماعة الإخوان المسلمين- لتضييق شقة الخلاف مع نظام الحكم .

يستوقف المراقب السياسي جواب الرئيس بشار الأسد لمحرر "نيويورك تايمز" في مقابلته الأخيرة عندما سأله المحرر إن كانت المعارضة السورية تأمل أن يحصل في سورية ما حصل في العراق؟ فأجابه : "سأقدم لك وجهة نظر المعارضة السورية الموجودة في كل مكان، سواء كان داخل سورية أو خارجها. هم لا يؤيدون النظام السوري، ولا الدستور ولا الحكومة، ولكنهم ضد ما يقوله الأمريكيون بخصوص نشر الديمقراطية في العراق. أقصد أنهم ضد تصدير الديمقراطية بالقوة أو بأي وسيلة اخرى. هذا هو رأيهم، وهو في غاية الوضوح ويمكنك العثور عليه في التلفزيون والصحف. يمكنك سؤالهم". ويحق لهذا المراقب أن يعجب من هذا القول الذي هو شهادة حسن سلوك رأس النظام بحق المعارضة ،التي لم تلق من هذا النظام إلا التضييق والاضطهاد.      

وإذا كانت الحركة الواعدة ،التي بشر بها خطاب القسم الرئاسي، قد حركت كوامن النفوس لدى أحزاب المعارضة وبعض المثقفين، وجعلت الجميع يضعون وراء ظهورهم المقولة المشهورة "الولد سر أبيه"،لأنهم أرادوا أن يُعطى للعهد الجديد الفرصة الزمنية ليضع أجندة خطاب القسم موضع التنفيذ. كما أنهم لا يريدون أن يأخذوا عمرا بجريرة زيد.

لقد مضت على ذكرى خطاب القسم الرئاسي مائة يوم، ثم مضت سنة، وثلاث سنوات ، ومرت الذكرى الثالثة للحركة التصحيحية في العهد الجديد، ومرت أعياد الفطر وأعياد الأضحى وعيد الأم وعيد الشجرة، و8 آذار، وذكريات أخرى كثيرة، ولم يسجل المؤشر الوطني أي ارتفاع بعد القفزة التي سجلها هذا المؤشر أثناء إلقاء خطاب القسم الرئاسي في 17 تموز من عام 2000. ليعود هذا المؤشر فيهبط شيئا فشيئا، حتى كادت تنعدم تلك القفزة في أقل من ستة أشهر.

يبقى أن نعيد إلى الذاكرة ما وعد به الرئيس بشار الأسد في مقابلته قناة "العربية" الفضائية التي نشرت نصها الكامل جريدة البعث الرسمية في 10حزيران الماضي عن المنفيين السوريين وهم يعدون بعشرات الآلاف.

جاء ذلك في رد الرئيس على سؤال محرر العربية: "هل تتوقعون مثلاً أن تتم العودة في القريب العاجل؟.‏ هذه الأمور تأخذ وقتاً طويلاً..". حيث أجاب الرئيس: "لا، في القريب العاجل، ولن تأخذ وقتا..ً".‏ وانتظر المنفيون السوريون وانتظر معهم أهلوهم في داخل سورية أكثر من ستة أشهر، يرقبون مجيء "القريب العاجل"، حتى غدا حالهم كحال المثل "في الوعد يا كمون". وقد كانت المفارقة المؤلمة، أنه بعد المقابلة مباشرة تم صدور المرسوم التشريعى رقم /22/ للعام /2003/ القاضي بمنح عفو عام عن المسجونين، وقد استثني منه المعتقلون السياسيون!. 

إن مصلحة الوطن تتطلب أن يستدرك نظام الحكم في سورية الأمر قبل فواته، بل و"قبل أن تقع الفاس في الراس"،وأن لا يترك الحبل على غاربه لأجهزة الأمن للتنكيل بالمواطنين ، والأمثلة كثيرة على ذلك، وإلا سوف يؤدي ذلك بنظام الحكم إلى ما لا تحمد عقباه. وإلا فإنه ،في نهاية المطاف، قد لا يجد من يذرف الدموع عليه، ولن يجد من يترحم عليه من جموع الشعب وتيارات المعارضة إذاما سقط هذا النظام أو أسقط.وقد يعتبر النظام أن هذه الكلمات الأخيرة قاسية وشديدة،بل ويتهم من يقول ذلك بالعمالة لأمريكا.وينسى أن ما فعله بالشعب السوري على امتداد حكمه،لم يكن كلاما قاسيا، بل كان تدميرا لآدمية المواطن السوري، وحرمانا له من كل مقومات المواطن في وطنه. 

إن تنفيذ أمريكا لتهديداتها سوف يجلب الدمار على سورية: نظاما ومواطنين. وقد يظن بعض الرموز أن لهم العزاء بالأموال التي هربوها إلى البنوك الأوروبية، وقد نسوا أن رموز النظام العراقي قد فعلوا ذلك قبلهم فهل نفعهم ذلك؟ وأين أصبحوا؟

* عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام / مقيم في السعودية