حين تعني عبارة حرية التعبير في بلد ما الريبة والشك والاتهام !!

( ورقة مقدمة إلى لقاء "الغرب وحرية التعبير في العالم العربي" المنعقد في باريس

بتاريخ 12/12/2003 بدعوة من اللجنة العربية لحقوق الانسان )

حكم البابا

      

 

        سأعترف منذ البداية بأن وجود صحفي سوري مقيم داخل بلده في لقاء يحوي عنوانه عبارة (حرية التعبير) أمر يدعو للدهشة ويثير الاستغراب ، فهاتان الكلمتان كما هو معلوم للقاصي والداني غريبتان عن الصحفي السوري ، سواء في حال كانت كل كلمة منهما منفصلة عن الأخرى  ، أو في حال اجتماعهما معاً ، ولكن الأكثر إثارة (للفزع هنا وليس للدهشة) أن تكون الجهة الداعية للقاء أو المنظّمة له هي (اللجنة العربية لحقوق الانسان) ، فعند ذلك سيكون جرم الصحفي السوري الذي سيسافر من دمشق إلى باريس لحضور اللقاء من الكبائر ، لأن كلمة حقوق الانسان تثير في دمشق نوعاً من الشعور بعدم الارتياح لمن يسمعها ، فيتململ في جلسته مباشرة ويتلفت حوله بحركة لا إرادية ، فما بالكم لمن ينطقها ؟! ورغم ذلك فعندما تلقيت الدعوة الموجهة من اللجنة العربية لحقوق الانسان لحضور هذا اللقاء تقدمت بطلب إلى مدير عام جريدة تشرين السورية التي أعمل بها محرراً صحفياً منذ عام 1986 ، للموافقة على إيفادي للمشاركة في اللقاء وتغطيته ، على الرغم من النصائح التي تلقيتها من أصدقائي الصحفيين بأن أكتم الدعوة وأسافر على شكل سائح ، لأن مجرد إعلاني للدعوة سيضيف مزيداً من إشارات الـــ(  X ) إلى اسمي في السجلات الأكثر أهمية بالنسبة للمواطن السوري وهي بالطبع السجلات الأمنية ، وكانت النتيجة كما توقع نصّاحي من الأصدقاء حاشية من مدير عام جريدة تشرين الدكتور خلف الجراد على طلبي المقدم إليه تقول بالحرف ( أن أمر الندوة لايخص المؤسسة مباشرة ) وعليه  فإن رأيه ( مع عدم الموافقة ) .  واعتقد أصدقائي الذين نصحوني بعدم اعتماد العلنية في سفري ، بأن قرار مدير عام الجريدة والذي توقعوه قبل صدوره سيصيبني بنوع من الاحباط ، لكنه دهشوا عندما وجدوني راضياً بالقرار ، وأكاد أقول أني سعيد به ، وعلي هنا أن أقدم كامل امتناني للدكتور خلف الجراد لعدة أسباب : أولها لأنه بقراره هذا يؤكد أن لاشيء تغيّر ، ولاشيء سيتغير _ في المدى المنظور _ في العقلية التي تسيطر على الاعلام والصحافة في سورية على الرغم من كل دعوات الاصلاح وشعاراته ، وهذا بالتالي سيجعلني في مأمن من الوقوع في أي مغالطة لواقع حرية التعبير في سورية عند حديثي عنها ، وثانيها لأن الدكتور الجراد في حاشيته التي كتبها على طلبي والتي ترى أن موضوع حرية التعبير لايخص جريدة تشرين مباشرة ، وأضيف أنا لا يخصها بشكل غير مباشر أيضاً ، وصّف الجريدة التي يديرها ، ولذلك لن أتهم بأي افتراء على ما أعتقد في حال تناولت موضوع غياب حرية التعبير في جريدة تشرين كمثال أعرف دقائقه وتفاصيله في ورقتي هذه ، مادام المدير العام يعترف خطياً بذلك ، أما ثالث الأسباب التي تجعلني ممتناً للدكتور الجراد فهو بمنحه لي _ عبر رفضه الآنف الذكر _ مدخلاً مناسباً لما أريد ذكره فيما يلي حول غياب حرية التعبير في الصحافة السورية .

       السادة المشاركين في هذا اللقاء ..

       لا أعرف بالضبط مدى علاقة سورية بموضوع لقائكم المعنون ( الغرب وحرية التعبير في العالم العربي ) ، فعلى الرغم من أن الغرب بمؤسساته ومنظماته الأهلية والحكومية المعنية بحرية التعبير ، لم يكن يترك انتهاكاً ضد حرية التعبير في أية بقعة من بقاع الأرض إلا ويدينه أو يشير إليه على الأقل ، إلاّ أنه كان يتناسى موضوع حرية التعبير في سورية، ولهذا لم يعوّل الصحفيون والكتاب السوريون على هذا الغرب في يوم من الأيام ، على الرغم من قرارات منع الكتابة التي كانت تصدر شفهياً وبالجملة لأعداد غير قليلة من الكتاب والصحفيين السوريين ، والتي لم تكن تقف عند حدود المنع من الكتابة ، بل وتتعداها إلى منع ذكر الاسم في أية وسيلة إعلامية سورية ، فضلاً عن الاجراءات العقابية المختلفة ، والمضايقة بلقمة العيش ، وبإمكاني أن أعدد عشرات الأسماء التي منعت من الكتابة ، فمن منا لايذكر قصص مثل منع الصحفي والشاعر ممدوح عدوان من الكتابة عدة مرات ، ونقله من محرر في جريدة الثورة أواخر سبعينيات القرن الماضي بأوامر من وزير الاعلام الأسبق أحمد اسكندر أحمد إلى عمل مكتبي في وزارة الاعلام ، وسحب جواز سفره ومنعه من السفر ، ومراقبته من خلال دورية أمنية تطارده كظله في تسعينيات القرن الماضي بأوامر من وزير الاعلام الأسبق محمد سلمان ، ومنع الشاعر نزيه أبو عفش من الكتابة ونقله من التدريس بحجة كونه خطراً على الجيل الجديد إلى وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل ، ومنع الكاتب ميشيل كيلو بحكم أبدي من الكتابة إلى حد تهديد المنظمة الحزبية في جريدة الثورة عام 2001 بعدم طباعة الجريدة فيما لو نشر اسمه فيها عندما أراد المرحوم محمود سلامة استقطاب الكتاب السوريين بجميع أطيافهم أيام كان مديراً عاماً لجريدة الثورة ، إضافة إلى أوامر منع من الكتابة لأسماء مثل عادل محمود وأحمد دحبور ومحمد الماغوط وزكريا تامر وسعد الله ونوس وشوقي بغدادي وسهيل ابراهيم وخيري الذهبي ، وكاتب هذه السطور الذي نقل إلى قسم الأرشيف أكثر من مرة ونفي إلى مكتب الجريدة في حلب واستدعي للتحقيق الأمني ، وقد لايتسع المجال هنا لأعدد أسماء الكثيرين من الكتاب السوريين الذين منعوا من الكتابة أو اتخذت بحقهم اجراءات عقابية ، أو الصحفيين السوريين الذين تمنع مقالاتهم بالعشرات في الصحف السورية ، أو الكتاب والشعراء العرب الذين كان مجرد ذكر اسمهم يعتبر تهمة ، فقد كان أدباء ومفكرون من وزن نجيب محفوظ ومحمود درويش وصادق جلال العظم وأدونيس وزكريا تامر ونزار قباني على اللائحة السوداء للإعلام السوري خلال فترات ماضية وبتهم مختلفة ، فقد أعطى وزير الاعلام السوري محمد سلمان أوامره بعدم الكتابة عن نزار قباني عند رحيله ، بسبب ما أشيع آنذاك عن كلام قالته ابنته عندما جاء ممثل للسفارة السورية في بريطانيا لتعزيتها ، ومنع المدير العام السابق لجريدة تشرين محمد خير الوادي الكتابة عن ديوان لمحمود درويش لأنه من جماعة اتفاق أوسلو وعن كتاب لأدونيس لأنه من دعاة التطبيع حسب رأيه ، كما منع المدير العام الأسبق لجريدة تشرين عميد خولي الكتابة عن رواية لنجيب محفوظ لأنه من جماعة كامب ديفيد الخونه ، وأجد من المفيد أن أذكر هنا حادثة طريفة كنت شاهدها لدلالتها الواضحة ، فقد دعيت عام 1999 إلى معرض القاهرة الدولي للكتاب الحادي والثلاثين ، وكان برفقتي على الطائرة الدكتور عبد الكريم عبد الصمد رئيس القسم الثقافي في جريدة تشرين السورية ، للمشاركة كممثل لسورية في مؤتمر "كتاب في جريدة" الذي يعقد على هامش المعرض ، وكان يسألني عن أسماء الكتاب السوريين المناسبين لنشر كتبهم ضمن خطة كتاب في جريدة خلال عام ، وعندما ذكرت له أسماء مثل محمد الماغوط ونزار قباني وأدونيس وزكريا تامر ، أجابني بأن هؤلاء غير مرغوبين من الجهات الرسمية ، ولم يسجل أسماءهم في قائمة كتابه المرشحين ، لكن الطريف في الحادثة ( وهو مؤلم أكثر من كونه طريفاً ) أن الأعضاء العرب المشاركين في المؤتمر هم الذين طرحوا أسماء هؤلاء الكتاب السوريين الأربعة لاصدار كتبهم ضمن خطتهم وأقروها ، والأكثر إيلاماً أن ممثل سورية هو الذي أبدى تحفظه تجاه هذه الأسماء !

      وإذا كان هذا التعامل هو القاعدة مع أسماء لها سمعتها العربية والدولية ، فكيف يكون التعامل مع صحفيين محليين ليست لهم تلك السمعة الكبيرة .. لو دخلنا في التفاصيل سأسرد مئات بل آلاف القصص التي تعتبر أمثلة نموذجية عن غياب حرية التعبير في الصحافة السورية ، ابتداءاً من المواضيع الكثيرة المحظر على الصحفي السوري الخوض فيها ، ومروراً بمنع الصحفي من التعقيب على رد لجهة رسمية تناولها بمقال ، أو حجب المعلومات عنه ، أو الاتصال برئيس التحرير المعني لايقاف موضوع يحقق به صحفي ما ، فيقوم رئيس التحرير بنجدة المتصل وينصره على الصحفي ، أو التدخل من قبل مسؤول النشر في مادة الصحفي ليس بالشطب فقط بل بإضافة أسطر إلى المادة قد تبدل توجهها ، إلى غياب كامل لدور اتحاد الصحفيين السوري ، الذي يتشكل مجلسه التنفيذي _ وهو السلطة صاحبة القرار فيه _ من رؤساء تحرير الصحف السورية أنفسهم ، لذلك لايجدي الصحفي السوري أن يرفع أي شكوى على إدارته إلى نقابته المهنية ، كون من سيحكم في مظلمته هم ظالميه أنفسهم ، ولذلك لم يسجل لاتحاد الصحفيين السوريين عبر تاريخه كله أنه أنصف صحفياً في وجه إدارته ، وهنا أود الاجابة على سؤال افتراضي قد يخطر في ذهن أي منكم وهو التالي : مادام الوضع على هذا النحو من السوء لماذا لم نسمع عن سجناء رأي من الصحفيين السوريين ؟ وجوابي لأن العقلية التي تدير الاعلام السوري ( وهو إعلام رسمي حكومي ) نقلت حراس السجون من الوقوف التقليدي على أبواب المهاجع والزنازين ، إلى الجلوس خلف مكاتب رؤساء ومدراء وأمناء التحرير ورؤساء الأقسام في الصحف السورية ، واعتمدوا العلاج الوقائي ضد فيروس حرية التعبير حتى لايصلوا إلى حالة العلاج السريري ، ولهذا فإن كل مسؤولي النشر في الصحافة السورية الذين استمروا وارتقوا السلم الوظيفي كانوا على علاقة ما بالأجهزة الأمنية ، بينما أقصي شبه المستقلين في أول فرصة أتيحت لمن هم غير مرتبطين به أن يقصيهم ، وعبر هؤلاء الحراس الذين ارتدوا أزياء مسؤولي النشر تم منع المقالات أوالحذف منها وإلغاء أي رأي يمكن أن يشكل خطراً ما _ حسب رؤيتهم _  سواء من الرأي أو حتى من تأويله ، وبهذه الطريقة تمت إدارة الصحافة السورية وألغيت حرية التعبير نهائياً ، إلا إذا اعتبرنا أن الفارق بين مقال يمدح قراراً حكومياً ما ، ومقال آخر يبالغ في مدح القرار يعتبر نوعاً من حرية التعبير .

      السادة المشاركين في هذا اللقاء ..

      أرجو أن لايفهم كلامي السابق على أنه إلغاء للروح العنيدة التي يتمتع بها الصحفيون السوريون ، أو جزء منهم، أولئك الذين مازالوا يحاولون توسيع هامش حرية التعبير ، ويواجهون يومياً قرارات المنع ، و يبتكرون الطرق التي تمكنهم من تمرير مايودون قوله ، أو على الأقل جزءاً كبيراً مما يودون قوله ، ويعاقبون أحياناً ، ويهددون كثيراً ، ويجد بعضهم متنفساً في الكتابة لصحف عربية خارج سورية إنما في الشأن السوري ، وخصوصاً في شأن حرية التعبير ، إلا أن كل المقالات التي تناولت حرية التعبير في سورية في الصحف العربية لم تستطع أن تصنع أي انفتاح إعلامي ، أو تبدل في العقلية المتشنجة التي تحكم الاعلام السوري ، فعلى الرغم من أن دعوات الاصلاح _ ومن بينه الاصلاح الاعلامي _ كانت شعار الثلاث سنوات الأخيرة ، ورغم منح بعض التراخيص لصحف ومجلات مستقلّة ، إلاّ أنها على أرض الواقع كانت من أسوأ الفترات التي عانى منها مجتمع الصحافة في سورية ، وهي الفترة التي تسلّم فيها السفير عدنان عمران منصب وزير الاعلام ، فبعد أن كان يتم في السابق اختيار المدراء العامين للصحف السورية من ضمن الكادر الصحفي من المرتبطين بالأجهزة الأمنية ، فرض على مؤسسات الإعلام في هذه المرحلة مدراء عامين من خارج الكادر الصحفي ، ليس لديهم أي مؤهل سوى ارتباطهم بالأجهزة ، فحولوا هذه المؤسسات إلى منابر لشتم المثقفين السوريين ودعاة إحياء المجتمع المدني وقوى الحراك الاجتماعي في سورية ، وأقرّ قانون المطبوعات الجديد الذي جعل من عقوبة السجن سيفاً مسلطاً على رأس الصحفي ، وضاق هامش حرية التعبير على صفحات الصحف السورية بشكل أربك الأداء الصحفي ، فصدر تعميم من وزير الاعلام عدنان عمران يحظر الكتابة عن أي نشاط ثقافي بدون الحصول على موافقة وزيرة الثقافة على مادة الصحفي ، وآخر يمنع على الصحفي السوري الكتابة في أي مطبوعة خارج جريدته دون الحصول على موافقة وزير الاعلام ، وأصدر مدير عام جريدة تشرين الدكتور خلف الجراد قراراً يمنع فيه الصحفيين من إجراء أي لقاء مع أي مسؤول إلا بعد الحصول على موافقته الخطية ، واستدعي عدد من الصحفيين للتحقيق الأمني بسبب مقالات كتبوها ، وفرضت رقابة مسبقة على الصحف المستقلة رغم مخالفة هذا الاجراء لقانون المطبوعات السوري ، وألغي ترخيص "الدومري" أول جريدة مستقلة في سورية بعد مضايقات كثيرة تعرضت لها والتي صدرت بعض أعدادها أحياناً بصفحات أو فقرات بيضاء داخل المقالات دلالة على تدخل الرقابة ، واتهم ناشرها الفنان على فرزات بالخيانة بصفحتين كاملتين نشرتا في جريدة تشرين التي منع عنه مديرها العام حق الرد ، وتم التضييق على مراسلي وسائل الاعلام العربية والعالمية فسحبت البطاقة الصحفية من بعضهم لفترات طويلة مثل مراسل جريدة الرأي العام الكويتية جانبلات شكاي ، ومراسلة هيئة الاذاعة البريطانية سلوى اسطواني ومراسل جريدة الزمان اللندنية المرحوم ثائر سلوم ، ورفض اعتماد بعضهم الآخر كمراسلي محطة الجزيرة الفضائية محمد العبد الله وليلى موعد ، وطرد من سورية مراسل وكالة الأنباء الفرنسية ماهر شميطلي كونه فرنسي الجنسية من أصل لبناني .

     السادة المشاركين في هذا اللقاء ..

     أعتقد أن كل مارويته لايثير دهشة أي صحفي سوري ، فلدى كل صحفي عندنا مئات القصص التي تملأ رفاً من المجلدات لو كتبها ، لكن الذي يثير دهشتي أنا وغيري من الصحفيين السوريين أن تصل يد الرقابة إلى حديث رئيس الجمهورية العربية السورية مع جريدة النيويورك تايمز الذي نشر بتاريخ 2/12/2003 في جريدة تشرين بـ(5705) كلمات ، في حين نشر نفس الحديث في نفس اليوم في جريدة الشرق الأوسط اللندنية بــ( 7850 ) كلمة ، أي باختصار ( 2145 ) كلمة ، ولدى تدقيقي نسختي الحديث تبين لي أن الأسئلة والاجابات المحذوفة في الصحافة السورية تتعلق بالشأن الداخلي السوري ، وسأترك لحضراتكم قراءة دلالات هذه الحادثة .

      السادة المشاركين في هذا اللقاء ..

     أرجو أن أكون من خلال هذا السرد السريع الذي قصرته على موضوع حرية التعبير في الصحافة السورية قد أثبت لكم بأن حاشية الدكتور خلف الجراد مدير عام جريدة تشرين على طلبي السفر للمشاركة في ندوتكم بأن موضوعها لايعني جريدته ينبغي أخذه على محمل الجد ، لأنه يعبر عن واقع ، ويشهد بحقيقة .

                          أشكركم على حسن إصغائكم ودمتم بخير ..

دمشق 4/12/2003