وثيقة جنيف ... تحول هام ونقطة انعطاف

في إدارة الصراع العربي / الصهيوني

رجاء الناصر

تشكل وثيقة جنيف نقطة تحول أساسية في الصراع العربي  الصهيوني ، لا تقل بنتائجها عن قرار الاعتراف بدولة الكيان الصهيوني ، وإنهاء حالة الحرب معها ، وإذا كان الاعتراف بالكيان الصهيوني قد أسس لشرعنة الاحتلال واغتصاب فلسطين واعتبار القوة مصدراً للحقوق , فإن وثيقة جنيف أضافت بعداً جديداً عبر تخليها عن حق عودة الللاجئين الفلسطينيين إلى الأراضي التي طرودا منها , حيث أن المسألة تتجاوز مسألة الحقوق الفردية لأولئك المهجرين وعائلاتهم لتقود إلى مجموعة من المفاهيم والقيم في مقدمتها :

1)- إلغاء دور القرارات الدولية كمصدر للمشروعية في العلاقات الدولية , من خلال تجاوز القرار رقم 191 الصادر عن مجلس الأمن الدولي والقاضي بعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أراضيهم والتعويض عليهم بشكل عادل . وهذا الموقف ( يلغي إمكانية الاعتماد على الأمم المتحدة )

كهيئة دولية في النزاعات الإقليمية , وخصوصاً بالنسبة للقرارات المتعلقة بالكيان الصهيوني هذا الإلغاء والتجاهل لا تتوقف آثاره عند الواقع الراهن بل تمتد آثاره إلى المستقبل , حيث تبطل إمكانية الاعتماد  على الأمم المتحدة من أجل ضمان أي اتفاق مع الكيان الصهيوني , وتبقى تلك الاتفاقات خاضعة للمزاج والدارة المتبدلة لقادة العدو الصهيوني .

2)- تكريس المبدأ الذي يعتبر ( الأراضي العربية المحتلة بعد عام 1967 ) أراض متنازع عليها بين العرب والصهاينة . ونفي صفة الاحتلال عنها , بما يفرضه هذا المبدأ من تبعات متعددة , لا تتوقف عند تجاهل الشرعية الدولية . والتخلي عما ساندنا به الأشقاء والشعوب من مواقف داعمة لقفيتنا , وهو ما يبرر انصراف هؤلاء عنا والاهتمام بمصالحهم المباشرة والآتية بل تصل حدودها إلى اعتبار المقاومة ضد الوجود الصهيوني نوعاً من أعمال العنف غير المشروع , حيث أن المقاومة المشروعة هي تلك التي تقف في وجه الاحتلال , لا في مواجهة النزاعات التي يجب أن تحل بالوسائل السليمة .

3)- مصادرة إمكانية المطالبة بالحقوق العربية مستقبلاً , وإلغاء مقولة الصراع التاريخي والاستراتيجي بين العرب والصهاينة من خلال إزالة أهم ورقة في إمكانية خلق مصادرة قوة مستقبيلة داخل الكيان الصهيوني قادرة على توليد مفاعيل تساعد على مقاومته وإنهاء مشروعه السرطاني , حيث أن حق العودة بما يمثله من عودة ملايين اللاجئين إلى داخل الكيان الصهيوني سيساعد على تفجير الكيان من داخله وتغيير هويته السكانية وإلغاء الهوية اليهودية لهذا الكيان مما يعني على المدى الطويل وفي ظل حصار عربي تذويب الحملة الصهيونية في المنطقة .

على ضوء ما تحمله هذه ( المبادرة ) من تعطيل لدينا ميكية الصراع , ونفسه تطرح مجموعة من التساؤلات عن مشروعية هذه المبادرة , وهل يمكن اعتبارها مجرد وجهة نظر أواجهها داخل الساحة الفلسطينية .

أولاً : من المؤكد أن هذه المبادرة لقيت معارضة واضحة من قوى أساسية في المجتمع الفلسطيني داخل الضفة وقطاع غزة شملت حركات المقاومة بما فيها تيارات أساسية في حركة فتح , أي أنها لا تملك تأييد الأغلبية في الشارع الفلسطيني الداخلية , وإنما هي نتاج للسلطة المحلية , التي وافقت عليها وأرسلت ممثلين عنها لدعمها .

ثانياً : أن السلطة الفلسطينية لا تحظى من الناحية القانونية بحق تمثيل الفلسطيني في خارج فلسطين الذي لم يشاركوا أصلاً في اختيارها ( بعيداً عن مشروعية الاختيار الذي جرى في ظل الاحتلال ) . وبالتالي لا تملك تفويضاً يؤهلها للحديث عنهم , وخصوصاً أن الأغلبية الساحقة من هؤلاء أعلنت مواقف رافضة للمبادرة بما فيها التيارات المحسوبة على حركة فتح .

ثالثاً : أن حق العودة حق جماعي وفردي , وبالتالي لا تملك أية سلطة التخلي عنه لأنه يمس الحقوق المشروعة للأفراد والمكرسة بالمواثيق الدولية .

رابعاً : ومن منطق تفاوضي بحت تظهر المبادرة مجموعة من الأخطاء الكبيرة والقائلة , منها 1- أن القيادة الفلسطينية أبدت تأييدها للمبادرة وموافقتها الصمتية عليها , على عكس القيادة الصهيونية الرسمية , وهو ما يضع المفاوض الفلسطيني الرسمي في موقف ضعيف حيث هو ملزم بما اعتبره حلول وسط بينما سيجعل المفاوض الصهيوني هذه التوافقة هي سقف المطالبة العربية , لتكون مدخلاً لحلول وسط جديدة تقل عنها , وهو أسلوب اتبع بشكل نمطي في جميع المفاوضات الفلسطينية ( الإسرائيلية )

2- تم تصوير أن مبادرة جنيف ( من قبل الجانب الفلسطيني ) بأنها لم تتنازل عن حق العودة في محاولة لخداع الشارع الفلسطيني وأن جل ما فعلته هو وضع هذا الحق لمفاوضات تتم بين الطرفين وتحظى باتفاقهما .

3- تم تصوير المبادرة أنها قدمت حلاً وسطاً حيث قام الجانب الصهيوني بالتنازل عن القدس مقابل التنازل عن حق العودة , وهو تصوير خاطئ , حيث أن الجانب الصهيوني لم يتنازل عن القدس , ولم يعتبرها عاصمة موحدة لدولتين , وإنما تنازل الجانب الفلسطيني عن أحياء واسعة من القدس الشرقية مثل حي المغاربة وحائط البراق وحي اللاتين وتم توزيع السيادة ( بشكل مشترك ) على ما تبقى من أحياء القدس الشرقية , بينما بقيت القدس الغريبة بالكامل تحت السيارة الصهيونية.

4- تضمنت المبادرة الموافقة على ضم " المستعمرات الصهيونية الكبرى " إلى الكيان الصهيوني , وسلخها عن أراضي الضفة الغربية .

5- لم تتحدث عن السور الانعزالي الذي يحول مناطق الضفة الغربية إلى سجن كبير للفلسطينيين .

6- لم تبت بمصير الأسرى الفلسطينيين وخصوصاً رجال المقاومة الذي تقول " إسرائيل " أن أياديهم ملطخة بدماء اليهود )

7- ولم تتحدث عن الطبيعة الدينية للكيان الصهيوني , والتي تتنافى مع تكوين الدول الوطنية الحديثة وتكرس مبدأ العنصرية البغيض .

لقد كان من الأجدى بالمفاوض الفلسطيني أن يجعل سقف تحركه السياسي في هذه المرحلة فرض تفاهم لإخراج المدينين من العنف على غرار تفاهم نيسان في لبنان الذي مهد فيما بعد الانسحاب إسرائيلي غير مشروط من الجنوب اللبناني , بدل الدخول في مفاوضات بظروف غير مواتية للجانب الفلسطيني .