بل إن ذلك من واجب سورية قبل أن يكون من حقها

 

الطاهر إبراهيم

  

في خريف عام 1967 ،بعد الهزيمة المنكرة التي منيت بها الجيوش العربية، وبعد ضياع أراض عربية أخرى أضيفت إلى الأراضي الفلسطينية التي احتلت في عام 1948، قال وزير خارجية إحدى الدول العربية الثلاث التي خسرت جزءا من أراضيها، لوزير خارجية فرنسا –على هامش مناقشات الأمم المتحدة التي كانت منغمسة في إيجاد قرار أممي حول العدوان الإسرائيلي-: إن من حق الدول العربية أن تسعى لاسترداد أراضيها التي احتلتها إسرائيل في حرب حزيران. وكم كانت دهشة الوزير العربي من نظيره الفرنسي الذي كانت حكومته بقيادة الجنرال "ديغول" تسعى جاهدة لإلزام إسرائيل بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها، عندما أجابه الوزير الفرنسي :لا ليس ذلك من حقكم. قبل أن يستدرك: نعم إن استرداد الأراضي التي خسرتموها ليس من حقكم فقط، بل إنه من الواجب الملقى على عاتقكم.

تذكرت هذه القصة التي ،ليست من نسج الخيال، وأنا أتابع تصريح الناطقة باسم وزير الخارجية السوري، السيدة "بشرى كنفاني"، التي قالت: إن من حق سورية أن ترد على العدوان الإسرائيلي. ووجدتني أردد كلمات الوزير الفرنسي. نعم إنه من الواجب الملقى على عاتق جميع السوريين وخصوصا نظام حزب البعث الحاكم، الذي ساهم في كل الإخفاقات التي أصابت الجيش السوري أمام العدو الإسرائيلي، لأن الحق شيء يحب الإنسان أن يمارسه وهو راغب فيه، والواجب أمر ينبغي أن يقوم به الإنسان ولو كان كارها له راغبا عنه.

وأنا لا أكتم القارئ رأيي، -وأعتقد أن معظم السوريين يشاركوني هذا الرأي- وهو أن حزب البعث عودنا على مدار أربعين سنة، على إطلاق الشعارات البراقة، التي توحي لسامعها بأن هذا الحزب يعد العدة، وكأنه مصبح الإسرائيليين أو ممسيهم،أما واقع الحال فإن جبهة الجولان لم تطلق منها رصاصة واحدة تجاه الأراضي المحتلة منذ حزيران عام 1974، بعد توقيع معاهدة فض الاشتباك بين سورية وإسرائيل التي كان عرابها اليهودي "هنري كيسنجر".

في سبعينيات القرن العشرين وثمانينياته وتسعينياته، ساد الحدود الإسرائيلية السورية اتفاق "جنتلمان" غير مكتوب بين الطرفين، تضبط فيه سورية المنظمات الفلسطينية الموجودة في دمشق، ويقتصر النشاط السوري على الحرب "بالوكالة" في الأراضي اللبنانية، خصوصا بعد المذبحة الجوية في عام 1982،التي سقط فيها لسورية أكثر من ستين طائرة فوق الأراضي اللبنانية.

وبالرغم من أن إسرائيل لم تكن راضية تمام الرضى على هذا الاتفاق المذكور، الذي قيد يديها عن مهاجمة المواقع السورية التي كانت مظنة وجود نشاطات تسلحية متطورة، وذلك لأن أمريكا رعت ذلك الاتفاق، مقابل أمور مطلوبة من سورية معروفة، وأمور بقيت طي الكتمان. غير أن موت الرئيس السوري حافظ الأسد وانسحاب إسرائيل من جنوب لبنان أعاد خلط الأوراق من جديد.

أغلب الظن أن نظام حزب البعث ما يزال يعيش أوهام الماضي، من أن أمريكا ما زالت بحاجة إلى هذا النظام لنفس الأسباب القديمة التي عددها اللواء "بهجت سليمان" في مقاله الذي نشرته له جريدة "السفير" اللبناني في 15 أيار الماضي، وأن الأمور مهما تفاقمت فإن أمريكا لن تسمح لها بالصعود إلى مرحلة المواجهة الكاملة التي تتجاوز "التكتيكي" إلى "الإستراتيجي" .

بل إن أي تصعيد إسرائيلي، لن يتجاوز ما يسمى بالكلام العامي "فركة أذن"، ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه، حتى ولو اقتضى الأمر السكوت عن مكاسب يحققها شارون عل الأرض طالما أن نظام حزب البعث سوف يبقى هو الحاكم في سورية.  

ونستعجل فنقول إن من أهم مظاهر "وهم" النظام البعثي، أن هذا النظام مازال يدير ظهره للشعب السوري غير مكترث به وكأنه "كم مهمل" لا يحتاج إليه إلا لدفع الضرائب. أما أن يفكر هذا النظام ،ولو لمرة واحدة، بأن الحكم الذي لا يدعمه الشعب، فإن ظهره مكشوف ووجهه أمام العدو الذي لا يرحم، فذلك لم يدخله هذا النظام ضمن حساباته، اطمئنانا بأن أمريكا لا بد وأن تنزع الفتيل ولو بآخر لحظة، ولكن من يضمن له ذلك؟.

الكل يتكلم الآن عن أن شارون قد يفكر في الهروب إلى الأمام فيفتح جبهة سورية بعد أن فشل في ترويض الشعب الفلسطيني، خصوصا وأنه حذق لعبة الابتزاز التي يلعبها مع "بوش"، وهو على أبواب استحقاق انتخابي.

وبوش نفسه بسبب إخفاقاته في العراق، وتكشّف خداعه للشعب الأمريكي حول أسلحة العراق المزعومة فإنه قد يحاول الهروب إلى الأمام. وقد لا تجد عصابة المحافظين الجدد في البنتاغون،-التي يلقى على عاتقها الورطة التي أوقعت بوش فيها- أمامها إلا مزيدا من التصعيد، وقد تلتقي هذه العصابة مع شارون في منتصف الطريق.

فهل يفيق البعث السوري من أوهامه،ويفتح الأبواب والنوافذ المغلقة أمام الشعب السوري،  قبل فوات الأوان؟

 

* سوري مقيم في السعودية  عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام