المثقف السوري

بين صوت الوطنية وسوط السلطة

المهندس الطاهر إبراهيم

بين وقت وآخر تنهض إحدى وسائل الإعلام لتجري مسحا أو تجميعا ،سمها ما شئت، لآراء مفكرين أو مثقفين حول قضية معينة، وغالبا ما تكون هذه الخطوة مبادرة من محرر في هذه الوسيلة الإعلامية أو تلك -صحيفة مثلا- تخطر بباله فينطلق متابعا لها، وتتشجع تلك الصحيفة فتفتح صفحاتها لهذه المبادرة، وتستكتب مثقفين ومفكرين وربما سياسيين.

 ونحن نعتقد أن فكرة من هذا النوع جديرة بالثناء عليها، رغم ما يشوبها من عيوب، من مثل الانتقائية ،التي لا يضبطها منهج، وعدم المتابعة للفكرة إلى النهاية، التي لابد منها لاستثمار ذلك الجهد الطيب، فينتج عن ذلك توقف التجربة عند الاستكتاب فقط، من دون الوصول إلى نتيجة،تكون خلاصة لمجمل المقالات التي تم عرضها على صفحات الجريدة صاحبة الفكرة.

وأشير هنا إلى ما بادرت إليه صحيفة "النهار" البيروتية، عندما فتحت صفحات "قضايا النهار" لتسجيل آراء المثقفين اللبنانيين حول الواقع السوري الحالي، ثم أعقبت ذلك بفتح الباب للمثقفين السوريين للتعليق على ما ورد في آراء إخوانهم اللبنانيين. وقد تحول الأمر ،عند أكثرهم، إلى بيان آرائهم مباشرة في ما آل إليه الأمر في ما سمي إصلاحا أو تغييرا أو تطويرا.   

ولقد تفاوتت المواقف عند المثقفين السوريين الذين أدلوا بوجهات نظرهم، كل حسب الزاوية التي نظر من خلالها إلى الموضوع.

فالبعض نظر من زاوية ما يجري في سورية، هل هو إصلاح أم تطوير أم تغيير؟ فإذا  وصل إلى تحديد واحدة من هذه الثلاثة انتقل إلى تحديد اتجاه هذا الإصلاح أو التطوير أو التغيير هل هو نحو الأحسن أم إلى أين؟

والبعض الآخر نظر إلى ما يجري في سورية من خلال التعليق على ما ورد في آراء المثقفين اللبنانيين وهل أصاب هذا المثقف اللبناني أوذاك في رأيه هذا أم أخطأ؟ ( الأساتذة محمد الحاج صالح ومنذر خدام وياسين الحاج صالح، أنموذجا).

والبعض الآخر وجدها فرصة كي يعاتب المثقفين اللبنانيين –والعتاب لا يكون إلا بين الحبايب- على إهمالهم شأن إخوانهم المثقفين السوريين الذين قضوا في المعتقل السوري زمنا ليس بالقصير، وهو يعتبر أن بيروت نافذة دمشق ( الأستاذ محمد سيد رصاص)،التي كان من الممكن لها أن تنقل متاعب السوريين ،إعلاميا، إلى العالم الخارجي. ومع ذلك فهو يشكر للأخوة اللبنانيين مقاراباتهم - وإن جاءت متأخرة- للشأن السوري على تناولهم لهذا الشأن. وكأن الأستاذ "رصاص"، يذكّر أشقاءه اللبنانيين بأن الأمر لم يكن هكذا فيما سبق، حيث كان البلدان جسما واحدا ضد المستعمر الفرنسي، واستمر ذلك حتى أواخر العهد الديموقراطي عندما توحدت سورية مع مصر في عام 1958.

وهناك صنف آخر من المثقفين السوريين وجدها فرصة لكي يعبر عن مدى الإحباط الذي يسود الشارع السوري،ويأس هذا الشارع من أن يرى إصلاحا لما آلت إليه الأمور،لدرجة أن المواطنين السوريين "لم يشعروا بأي تغيير أو تطوير أوإصلاح"، وقد جاء ذلك في المقالة التي كتبها الدكتور عمار قربي،تحت عنوان "السلطة لم تحسم موقفها من الإصلاح" .وإن كنا نعتقد بأن السلطة السورية غير مترددة إطلاقا في هذا الموضوع.فهي قد حسمت أمرها ابتداء منذ استلم حزب البعث السلطة، وليس لديها أي نية في الإصلاح، وما نراه من بعض التجميلات التي يبادر إليها النظام السوري بين فترة وأخرى، إنما هو نوع الأصباغ التي لا تخفي قبح الممارسة السياسية، بل هي ذر للرماد في العيون، خصوصا وأن هذا النظام قد عزل كامل الشعب السوري عن المشاركة في حكم نفسه، بعد أن فصّل حزب البعث الدستور الحالي على مقاسه، ونص في المادة "8" منه أن " حزب البعث قائد للدولة والمجتمع" .

وفي ضوء ما سبق مع الاستطراد قليلا نسجل بعض الملاحظات:

أولا: في الوقت الذي نجد كاتبا سوريا يرد متعاليا–عندما طلب منه المساهمة في هذا الحوار- بأنه لا يجد الوقت للمشاركة في هذا الحوار لانشغاله بالهم الأكبر الذي تعيشه الأمة في ظل الظروف الحالية الحرجة، وكأن هذه الكوكبة الكبيرة من فضلاء المثقفين السوريين -التي رضيت أن تساهم في بلورة مواقفها من قضايا الأمة على وجه العموم والحالة السورية على وجه الخصوص- خالية البال من هذا الهم، علما أن معظم من ساهم في هذا الحوار، قد عاش هذا الهم ،لا في براويز القنوات الفضائية يدافع عن وجهة نظر النظام ،بل عاش هذا الهم وهو في غياهب السجون يدفع ثمن مواقفه المبدئية بعد أن رفض المساومة عليها، بينما كان مثقفون آخرون تغدق عليهم العطايا ثمنا لفكرهم الذي أصبح يباع ويشترى. أقول في هذا الوقت الذي أشرت إليه آنفا، ومع كل التقدير لمن ساهم وكتب ،فقد كان واضحا للكل أن الغائب الأكبر عن هذه المقاربة "النهارية"، هو الكاتب الإسلامي ، لأنه ،وعلى ما يظهر، فإن الدعوة لم توجه لواحد منهم، وفيهم الشاعر والكاتب والمفكر والناقد. ومعظم هؤلاء الكتاب الإسلاميين يسودهم شعور بأن لا مكان لهم على صفحات النهار،بعد أن وجدوا أبوابها موصدة أمامهم في مناسبات سابقة. وهذا يدعونا للاستطراد قليلا، فالكتابة فن نبيل يعبر عن مشاعر الناس في أفراحهم وأتراحهم، وإن الإسلاميين في سورية يستحقون أن يفسح لهم في المجال للتعبير عن جبال الآلام التي رزحوا تحتها على مدى ربع قرن من الزمن، شأنهم في ذلك شأن الكثيرين من المثقفين وخصوصا الذين أتيح لهم المشاركة في هذه المقاربات.

ثانيا: أود أن أشير هنا إلى التغييب المتعمد ،من قبل النظام السوري الحالي، لصورة سورية التراثية، خصوصا في فترة الاستقلال وما قبلها، وكأن حزب البعث يريد من الأجيال الناشئة أن لاتعرف شيئا عن تاريخ وطنها النضالي، وكأن هذا الحزب يقول لهذه الأجيال أن تاريخ سورية الحديث يبدأ فقط يوم قامت الحركة التصحيحية عام 1970 .

 وحتى تتضح الصورة أكثر أضرب مثالا على التشويه المتعمد الذي يجريه حزب البعث على ذاكرة المواطن السوري:

 المسلسل التلفزيوني "الداية" الذي تبثه الفضائية السورية وغيرها في شهر رمضان، الذي يصور مدينة دمشق أثناء الحرب العالمية الثانية. فقد ظهرت في أحد مشاهده صورة للعلم السوري الذي اعتمدته حكومة الاستقلال،ما لفت انتباه ولدي الصغير إلىأن ألوان هذا العلم تختلف عن ألوان علم سورية الحالي،ما دعاني إلى أن أسرد أمامه ما كان محفوظا في الذاكرة منذ كنا طلابا في المرحلة الابتدائية "يتكون علم سورية من : الأخضر في الأعلى ويرمز إلى دولة الخلفاء الراشدين، والأبيض في الوسط ويرمز إلى دولة الأمويين، والأسود في الأسفل ويرمز إلى دولة العباسيين، أما النجوم الثلاث الحمر فترمز إلى دماء الثوار السوريين الذين سقطوا شهداء دفاعا عن استقلال سورية" فهل ما زال الأساتذة المثقفون السوريون يذكرون تلك الجمل التي أوردتها آنفا؟

أردت بهذه الملاحظة، أن أقول أن ما هو ملقى على عاتق المثقف السوري على وجه الخصوص، هو أكثر بكثير من المطالبة بالحرية ودولة القانون، إنه ،أيضا، الدفاع عن الشخصية السورية التي صورها لنا آباؤنا،من خلال التضحيات الكثيرة التي قدموها، وبعض هؤلاء لا يزال على قيد الحياة مشردا في المنافي، بعد أن طمس اسمه من تاريخ سورية الحديث، بعد أن كان حيا في نفوس معاصريه .وبعضهم مات في المنفى، ولم يجد أهله له قبرا في وطنه يدفن فيه. وقد سجل لنا التاريخ أن النظام الحالي رفض عودة جثمان الرئيس الراحل المرحوم شكري القوتلي -الذي ارتبط اسمه باستقلال سورية لأنه كان أول رئيس لسورية المستقلة- ليدفن في وطنه، ثم سمح بدخوله بعد أن نبه بعضهم أولي القرار أن هذا الرفض قد يسبب فضيحة عالمية، لما يتمتع به المرحوم من سمعة دولية مرموقة. وكانت جنازته استفتاء حقيقيا –لا كاستفتاء الأربع تسعات- عندما خرجت الملايين،بشكل عفوي ومن دون حشد أو تحشيد ، من دمشق ومن باقي المحافظات لتشييع جثمان القوتلي إلى مثواه الأخير. ومرة أخرى نشير إلى أن نظام حكم حزب البعث يرفض بشدة أن يعرف النشء السوري شخصية بطولية غير صورة الرئيس الراحل حافظ الأسد. 

ثالثا : لم يكن مطلوبا من أي مثقف شارك في هذا الحوار أن يضع رأسه على راحة كفه ويعلنها حربا على نظام الحكم. لكن في الوقت نفسه كان المطلوب من هذا المثقف أن لا يتحول مذيعا في التلفزيون والإذاعة الحكوميين، وأن يحترم عقل القارئ على أقل تقدير. وإلا فإننا نسأل عن أي انتخابات نقابية يتكلم الأستاذ "سمير الشيخ علي"؟. ألم يتم تأميم النقابات المهنية بقرار من رئيس الوزراء السوري بعد مذبحة هذه النقابات في 31 آذار 1980، عندما قامت أجهزة الأمن باعتقال جميع الإدارات المنتخبة لنقابات المهندسين والمحامين والأطباء والصيادلة في صبيحة ذلك اليوم لأنها دعت إلى الإضراب احتجاجا على الاستمرار في فرض قانون الطوارئ واعتقال المواطنين بدون محاكمة و..، وليبقى هؤلاء النقابيون اثني عشر عاما في السجون من دون محاكمة؟. ومنذ ذلك التاريخ يتم تعيين إدارات تلك النقابات من قبل السلطات السورية. ثم أين هي تلك الصحف والمجلات الخاصة التي يتكلم عنها الأستاذ سمير؟.ألم يأمر وزير الإعلام السابق – بعد أن ضاق صدره بما تكتب- بإغلاق مجلة "الدومري" بحجة، هي أوهن من بيت العنكبوت. 

رابعا:لايختلف اثنان حول الضغط الهائل والابتزاز اللذين تمارسهما إدارة بوش على نظام الحكم السوري منذ سقوط بغداد في 9 نيسان الماضي. وكأن هذه الإدارة قد نسيت المعونة المخابراتية التي قدمها لها هذا النظام، عندما سمح لأكثر من أربعين من عناصر (سي آي إي) الأمريكية بالتحري ،في مدينة حلب، عن أخبار "محمد عطا" القائد المزعوم لأحداث 11 أيلول.

وإذا كان النظام السوري لا يريد أن يعترف بخطورة التهديد الذي يمثله وجود أمريكا جارا شرقيا لسورية، وأن هذا الجار لا يقبل بأقل مما حصل عليه في العراق، فإن المثقفين السوريين ومعهم أحزاب المعارضة في داخل سورية وخارجها، يرون هذا الواقع رؤية الشمس في رائعة نهار الصيف، ويدركون أن المخرج الكريم لا يكون بالاستجابة لطلبات إدارة بوش، وإنما بتحصين الصف الداخلي وحشد كافة القوى على الساحة السورية دون إقصاء أحد أو إلغاء اتجاه ، كأقوى رد على الابتزاز الأمريكي الصهيوني. ولكن على ما يظهر فإن العقلية الأمنية التي تسيطر على صنع القرار في سورية ما تزال تفضل اعتماد أسلوب عرض ما عند سورية من أوراق يمكن أن تساوم عليها الإدارة الأمريكية، متناسية أن هذه الأوراق التي كانت مرغوبة في البازار الأمريكي يوما ما، ما عادت ذات قيمة لدى هذه الإدارة، إذا قيست بما هو مطلوب من سورية أمريكيا حاليا. علما أن الأوراق التي كان وما يزال نظام حكم حزب البعث يساوم عليها الإدارة الأمريكية، إنما هي من المحرمات الوطنية التي يحرم المساومة عليها،( مثل ورقة المنظمات الفلسطينية وورقة الإرهاب المزعوم وتحجيم الاتجاه الإسلامي.. وأوراق أخرى يحسن عدم ذكرها).

يبقى أن نقول أن النظام السوري لن يجد داعما له في ظل الأخطار المحدقة والتهديدات التي تطل بأعناقها، إلا هذا الشعب السوري ،الذي بقي معزولا عن معادلة الوطن السياسية، مهمشا على مدى أربعين عاما. ونظام حكم البعث يبحث عن منقذ لرأسه من مقصلة إدارة بوش، في شرق الأرض وغربها، تاركا خلف ظهره الشعب السوري،بكل ما يملك، وهو صاحب المصلحة الحقيقية في التصدي للعدوان الأمريكي الذي اغتال العراق الشقيق ويوشك أن يسدد حرابه نحو سورية في عدوان سيكون فيه الوطن السوري ،شعبا ونظاما، هو الخاسر الأكبر.

*عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام/ مقيم في السعودية

السابق