عقلانيات وإرادات

فضيحة في البيت الأبيض :

هل بدأ العدّ التنازلي لشيني غيت ؟

 

د. عماد فوزي شُعيبي

 

 

في وقت بدت فيه زيارة الرئيس الأمريكي جورج بوش للعراق بمثابة تدشين للسنة الانتخابية الرئاسية ، تبدو أوضاع الإدارة الأمريكية ليست في أفضل صورها خصوصاً مع توافر عدة دلائل على ما يشبه ووتر غيت جديدة في الإدارة ولكن بطلها هذه المرة ليس الرئيس إنما نائبه ديك تشيني.

ويستطيع تيار المرشح الرئاسي لا روش أن يفتخر بأن ينسب لنفسه مسألتين من أهم المعارك السياسية النوعية في عهد الرئيس جورج بوش ؛ أولها أن له الفضل في فضح وتعرية تيار المحافظين الجدد والتصدي له معرفياً وسياسياً ، والثاني أنه قد ساهم جدّياً في فضح ما يسمونه اليوم "تشيني غيت" .

ففي بحث كتبه كل من جيفري ستاينبيرج وحسين العسكري وكلاهما من مؤيدي تيار لاروش السياسي والفلسفي كسف الاثنان عن أن الإعلان الذي أذيع في كل أركان الإعلام الأمريكي في 14  من تشرين الثاني/ نوفمبر عن أن الروابط بين صدام حسين وتنظيم القاعدة قد "تم إثباتها بشكل كامل ونهائي" ، بواسطة مذكرة مقدمة من النائب الثاني لوزير الدفاع دوغلاس فايث إلى لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ، قد ارتد على أصحابه خلال ثلاثة أيام فقط، إذ أنكرت وزارة الدفاع نفسها هذا الادعاء في بيان نشر على الانترنيت يوم 17  من الشهر نفسه ، وانهالت موجة من المطالب الرسمية بالتحقيق في هوية الذين سربوا هذه الوثيقة السرية إلى وسائل إعلام المحافظين الجدد التي كانت تنتظرها بلهفة. كما تزامن ذلك مع صعود احتمال إحياء تحقيقات لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ وهي التحقيقات التي أغلقت قسرا في 7 نوفمبر "لإنقاذ رقبة تشيني"، ثم تسارع حدة فضيحة "تشيني غيت" نفسها بعد الكشف عن ما يبدو أنها عمليات  لسرقة وثائق حساسة من مكاتب الجناح المناهض لتشيني في مجلس الشيوخ.

        هذه العملية قد ذكرت  بما وقع في فضيحة "واترغيت" عندما قامت مجموعة من عملاء مخابرات سابقين باقتحام مكاتب الحزب الديمقراطي في واشنطن متنكرين بهوية سباكين لغرض سرقة وثائق خاصة بالحزب وإيصالها إلى جهات معينة في إدارة نيكسون الجمهورية وقد اصطلح على هذه المجموعة اسم "وحدة السباكين".    

كان هذا الارتداد كما رآه الكاتبان  جزءا مما وصفه المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة ليندون لاروش باعتباره "انطلاق المرحلة الساخنة" لحملته الانتخابية،ولإجبار تشيني على التنحي من منصبه. إذ كان لاروش قد ذكر في مقابلة إذاعية مع الإذاعة العامة الوطنية (ناشيونال بابليك راديو) في سانت لويس في 18 نوفمبر أن "تشيني هو الشخص الذي علينا التخلص منه لأنه ليس بمقدورنا خوض سياسة الحرب النووية الوقائية، والتي ستفرض على الولايات المتحدة الأمريكية كسياسة رسمية إذا لم نخرجه (أي تشيني) قبل بدء الانتخابات المقبلة."

 

ويذكر أتباع لا روش أنه و في الـ  17 من تشرين الثاني / نوفمبر تقدمت وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي أيه) بطلب رسمي إلى وزارة العدل لإجراء تحقيق في تسريب وثيقة فايث السرية إلى وسائل الإعلام المحافظة الجديدة. ومن المتوقع أن تقوم كل من وكالة الأمن القومي (ان اس أيه) ووكالة الاستخبارات العسكرية (دي آي أيه) بتقديم طلبات تحقيق مشابهة في الأيام المقبلة. وكانت تلك الوثيقة قد تم تسريبها إلى صحيفة "ويكلي ستاندارد" الموالية  للمحافظين الجدد وتم تردادها عبر قناة "فوكس" التلفزيونية وجريدة "نيويورك بوست" المملوكتين لروبرت مردوخ.   

        وثيقة فايث هذه، وباعتراف بيان وزارة الدفاع نفسها لم تحتوِ على أية أدلة قاطعة أو حتى قريبة من إثبات أية علاقة لصدام بالقاعدة. وكان  فايث قد قدم هذه الوثيقة للجنة الاستخبارات في الكونجرس في أكتوبر بعد أن طالبته في جلسة استماع حول التحقيقات عن المعلومات الاستخبارية التي قادت إلى حرب العراق بأن يسند ادعاءاته وادعاءات الإدارة حول العلاقة بين صدام والقاعدة. لذلك عمد فايث إلى تجميع معلومات عامة وتقارير لا تتجاوز التأملات  السياسية كانت محفوظة في مؤسسات الاستخبارات الأمريكية المختلفة كمعلومات سرية وجمعها وقدمها للجنة باعتبارها "الدليل". كان متوقعا أن اللجنة لن تأخذ هذه المعلومات مأخذ الجد، لذلك تم تسريبها إلى إعلام المحافظين الجدد لتسجيل نقطة سياسية. لكنها سرعان إلى فضيحة أقرب إلى ووتر غيت.

وعليه يكشف الكاتبان أن  رئيس لجنة الاستخبارات في مجلس الشيوخ بات روبرتس (جمهوري من كانساس) ونائبه جون دي روكفيلار (ديمقراطي من فرجينيا الغربية)  قد قاما بمطالبة وزارة العدل الأمريكية  بفتح تحقيق حول تسريب وثيقة فايث، و تحقيق آخر في شأن سرقة مذكرة تخص الموظفين الديمقراطيين من مكاتب اللجنة. فسرقة وتسريب هذه الوثيقة من مكاتب الديمقراطيين قد استخدمت من قبل رئيس الأغلبية في مجلس الشيوخ السيناتور "بيل فريست" (جمهوري من تينيسي) كذريعة لقراره في 7 نوفمبر إغلاق تحقيقات لجنة الاستخبارات حول قيام شخصيات قيادية في إدارة بوش بسوء استغلال المعلومات الاستخبارية أثناء فترة التحضير لحرب العراق. وكانت هذه الوثيقة قد وصلت ليد مقدم برامج الراديو شون هانيتي المحافظ المتشدد وروجت لنشرها قناة فوكس التلفزيونية باعتبارها "دليلا" على قيام الديمقراطيين بلعب "سياسات حزبية" عن طريق التحقيقات التي بدأت تتركز أكثر فأكثر حول نائب الرئيس ديك تشيني الذي يراه تيار لا روش كما يراه الرئيس جورج بوش الأب من أخطر الشخصيات التي تشكل جسراً لعبور أفكار اليمين الجديد المستودعة اليوم في البنتاغون في وضعية "استراحة المحارب" بعد أن كانت قد أنجزت الاستراتيجية الأمريكية الجديدة ، ووضعتها على المحك بدخول الحرب على العراق ، ثم عادت فانكفأت بعد عودة الملف السياسي إلى وزارة الخارجية. إذ  يرى بوش الأب  تشيني عبئا على عملية إعادة انتخاب ابنه بوش، وهو نفسه الذي لم يكن راضياً عن تحالفه مع هذا التيار الذي كان في عهده لكن الأب وضع حداً له بامتياز ، وكثيراً ما ردد وعائلته : "إن الفشل السياسي الذريع في مختلف المجالات يمكن تعقب مصدره إلى محور تشيني و لويس لبي ودوجلاس فايث.

ومع تقديم عضو مجلس الشيوخ ريتشارد دوربين (ديمقراطي من إلينوي) وهو عضو أيضا في لجنة الاستخبارات طلبه إلى وزارة العدل لإجراء تحقيق يركز على عملية سرقة سلسلة مذكرات تعود لموظفين ديمقراطيين في لجنة الشؤون القضائية لمجلس الشيوخ، يكون فصل جديد من الصراع الأكبر في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية السياسي و الانتخابي قد بدأ ولكن ليس بتصاعد هادئ إنما بانفجار  في محاولة لإثبات أن نائب الرئيس خدع الرئيس بوش والكونجرس والشعب الأمريكي والمجتمع الدولي من أجل  أن يعطي المحافظين الجدد حرب العراق التي كانت بمثابة اختبار بالقوة لنظريتهم حول الاستراتيجية الأمنية الجديدة لقرن أمريكي .    

والتاريخ يبدو للكاتبين  وكأنه يكرر نفسه مع  فضيحة واترغيت التي بدأت بعملية تسلل فاشلة إلى مقر اللجنة القومية الديمقراطية في عام 1972، هنا  بدأت الفضيحة الجديدة بسلسلة من عمليات التسلل والسطو داخل مكتبين مؤمنين في مجلس الشيوخ، وسلسلة من عمليات تسريب لوثائق سرية ولهوية عميل سري واحد للمخابرات المركزية على الأقل.

د. عماد فوزي شُعيبي

ishueibi@scs-net.org