عن معادلة التسوية والديمقراطية

محاولة في تفسير الخطاب الأمريكي الجديد

ماجد كيالي

لم يأت الرئيس بوش بجديد، في خطابه يوم 6/11، بما يتعلق برؤية إدارته لكيفية حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وإن كان هذه الخطاب شكّل خطوة أخرى باتجاه تكريس التحول في سياسة الولايات المتحدة إزاء المنطقة، بتجديد العزم على التغيير السياسي فيها؛ بعد أن كانت تركّز على صون استقرارها.

وعلى العموم فلطالما دأب قادة أمريكا (وإسرائيل) على التهرّب من جذور هذا الصراع، وإحالة العداء ضد إسرائيل والصراع معها إلى غياب الديمقراطية في العالم العربي، ومحاولة بعض الحكام تأكيد شرعيتهم وتغطية إخفاقاتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالعامل الخارجي، ولا سيما بالصراع ضد إسرائيل.

وطبيعي أن هذه المقولات لقيت رواجاً في الخطابات الأمريكية (والإسرائيلية) بعد حدث 11 أيلول (2001)، حيث تم تبرير الاعتداء على مبنيي التجارة العالمي والبنتاغون، بتنامي مشاعر اليأس والإحباط وازدياد نزعات التطرف في العالم العربي، بنتيجة افتقاده للديمقراطية وانسداد آفاق التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي فيه، وتفاقم مشكلات البطالة والفقر وتخلف مناهج التعليم.

وهكذا تجاهلت هذه الخطابات تفسير معاداة سياسات الولايات المتحدة، في العالم العربي والإسلامي، بدعم الإدارات الأمريكية لإسرائيل، بل إنها عملت على وضع إسرائيل في خندق واحد مع الولايات المتحدة في "الحرب على الإرهاب".

ولا شك بأن ازدياد نفوذ "المحافظين الجدد" في إدارة بوش، أسبغ على هذه المقولات نوعا من الشرعية وحولها إلى سياسة رسمية، بعد أن جرى تضمينها في "استراتيجية الأمن القومي"، التي اعتمدتها تلك الإدارة ( في أيلول 2002).

وكما هو معلوم فإن "حزب" المحافظين الجدد، يعتقد بأن للولايات المتحدة دور "رسولي" ينبغي أن تقوم به، لتغيير العالم وفرض قيمها فيه، وأن عليها في سبيل ذلك أن تستغل القوة التي تمتلكها، خصوصا أنها باتت تستمد الشرعية، في ذلك، من الإرهاب الذي تعرضت له في أيلول.

ويدعو هذا التيار الإدارة الأمريكية إلى عدم تركيز الضغط على إسرائيل وتركها لتدبر شؤونها مع دول المنطقة، وتعزيز مكانتها كذخر استراتجي للسياسة الأمريكية، وفي المقابل فإن هذا التيار يحرّض إدارة بوش لاستكمال ما عملته في العراق (وفق نظرية "الدومينو")، عبر التدخّل الفعال، بمختلف الوسائل، لوضع حد لأنظمة الفساد والاستبداد، لأن وجودها (برأيه) يؤدي إلى تنامي الفجوات الاجتماعية وانتشار الأفكار المتطرفة، وبالتالي فهو يعزز نفوذ الجماعات الإرهابية في المجتمعات العربية والإسلامية.

وبناء على هذه الادعاءات بدأت الإدارة الأمريكية تتبنى دعوات "إعادة هيكلة" العالم العربي و"نشر الديمقراطية" والاقتصاد الحر وتغيير الأنظمة التعليمية السائدة فيه، على أساس أن ذلك جزءا من الحرب ضد الإرهاب وعلى أنه سيسهل، أيضا، عملية إيجاد حل للصراع العربي ـ الإسرائيلي.

وفي الواقع فقد نجحت هذه السياسة، إلى حد ما، في صرف أنظار العالم عن ما يتعرض له الفلسطينيون، جراء الممارسات الإرهابية والتدميرية الإسرائيلية، كما نجحت في إدخال أجندة الإصلاح أولاً (قبل التسوية) على الجهود الدولية الرامية لإيجاد حل للقضية الفلسطينية، إلى درجة أن هذه القضية انقلبت من قضية احتلال واستيطان وعدوان على الفلسطينيين، من قبل إسرائيل، إلى قضية إصلاح للسلطة الفلسطينية وقضية "إرهاب" يقع على عاتق هذه السلطة وقفه بمختلف الوسائل!

وما يهمنا هنا، في مناقشة الادعاءات الأمريكية، التأكيد على أن الخطاب لا يتوخّى من وراء هذه المقولات المفبركة الحض على الديمقراطية في البلدان العربية، حرصا على مصالح شعوبها أو حرصا على التطور السياسي والاجتماعي في هذه البلدان، وإنما هو يستهدف من وراء ذلك تحقيق عدة أغراض، لعل أهمها: 1) التهرب من الأسباب الحقيقية للصراع العربي ـ الإسرائيلي والإيحاء بأن أسباب الصراع في المنطقة لا تدور حول الأراضي العربية المحتلة، أو حول الحقوق المسلوبة من الشعب الفلسطيني، وإنما تدور حول طبيعة القيادة الفلسطينية! 2) التنصل من مسؤولية انهيار عملية التسوية بتحميل الأنظمة العربية والقيادة الفلسطينية تلك المسؤولية؛ 3) اعتبار أن ضعف الاستقرار في المنطقة لا ينبع من وجود إسرائيل، واحتلالاتها واعتداءاتها، وإنما ينبع من طبيعة الأنظمة العربية وطبيعة علاقاتها بشعوبها؛ 4) مداعبة الأوهام لدى بعض القطاعات في الساحة العربية، التي تعارض الأنظمة السائدة، من خلال الترويج إلى أن السلام مع إسرائيل سيقود حتما إلى حلول عهد من الديمقراطية والاستقرار والازدهار في المنطقة، على ما ادعى شمعون بيريز، قبل عقد من السنين، في كتابه المعروف "الشرق الأوسط الجديد".

والمفارقة هنا أن بوش الذي يتبجح بالديمقراطية يوجّه، بنفس الوقت، الأوامر للشعب الفلسطيني لانتخاب قيادة جديدة له، مهددا إياه بضياع حقوقه الشرعية إن فعل عكس ذلك! أي أن حق تقرير المصير، لدى بوش، بات مشروطا وليس حقا طبيعيا، ولا حقا كفلته المواثيق الدولية، بما في ذلك الدستور الأمريكي!

على ذلك فثمة ضرورة ومصلحة للمعنيين في الساحة العربية للشروع بإجراء قراءة موضوعية لتفحّص طبيعية التحول الجاري في السياسة الأمريكية، والآليات التي تعتمدها، للعمل على تلافي آثارها السلبية أو التخفيف من مخاطرها.

 ولا شك أن ذلك يفترض أساسا الشروع بإصلاح النظام العربي، وفق الاولويات والحاجات العربية، باعتبار أن ذلك يمثل حاجة عربية بغض النظر عن الخطابات أو الادعاءات الأمريكية.

 فالمجتمعات الديمقراطية هي أكثر قدرة على مواجهة التحديات الخارجية والداخلية، في مختلف المجالات. وما من شك في أن غياب أو ضعف مستوى الديمقراطية في البلدان العربية ساهم في إضعاف مقاومة المجتمعات العربية للتحدي الإسرائيلي (والأمريكي) بمختلف أشكاله السياسية والاقتصادية والعسكرية والثقافية والعلمية، وهو ما أدى إلى تحييد دور هذه المجتمعات في عملية الصراع مع إسرائيل، بحصره على مستوى الدول وفي ظل إدارتها، وبوسائلها.