عن خطاب بوش:

مراجعة عرجاء للسياسة الأمريكية في المنطقة

ماجد كيالي

جاء خطاب الرئيس بوش، يوم 6/11، والذي خصّصه للحديث عن ضرورة التغيير السياسي ونشر الديمقراطية في العالم العربي، في إطار مراجعة الإدارة الأمريكية لسياستها إزاء العالم العربي والإسلامي، بعد الاحباطات أو التعثرات التي شهدتها في أكثر من مجال، لا سيما بما يتعلق بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، وبما يتعلق باستقرار أوضاعها في العراق، وأيضا، بما يتعلق بقدرتها على حشد التأييد العالمي حول سياساتها وإضفاء الشرعية عليها، وجلب الاعتراف بها كقوة عظمى وحيدة.

وجدير بالذكر أنه على خلفية هذه الإخفاقات تزايدت موجة الانتقادات، الموجّهة للسياسات التي تنتهجها إدارة بوش، خصوصا أن الأمر لم يعد يقتصر على القوى اليسارية أو القوى المحسوبة على خط معاداة الولايات المتحدة، بل إن هذه الانتقادات باتت تصدر عن أوساط يمينية وأوساط قريبة من الولايات المتحدة.

والأمر ذاته ينطبق على الداخل الأمريكي إذ أن موجة الانتقاد لسياسة بوش باتت تتصاعد في وسائل الإعلام ومن قبل شخصيات عامة، ضمنها رؤساء سابقين ومستشارين للأمن القومي وأعضاء في الكونغرس ومعلقين صحفيين، من مثل كارتر وكلينتون وبريجنسكي ودجيرجيان وفريدمان.

وفحوى هذه الانتقادات أن سياسة إدارة بوش الخارجية، خصوصا المتمثلة بتجاهل أوروبا والاستهتار بالشرعية الدولية واعتماد مبدأ الحرب الوقائية وتجاهل العمل الجماعي الدولي واستفزاز العالم العربي، لا سيما بتغطية سياسات إسرائيل ضد الفلسطينيين، باتت تمثل خطرا على الولايات المتحدة، إذ أنها أضعفت مكانة الولايات المتحدة على الصعيد الدولي، وجعلت العالم أكثر خطورة وأقل استقرارا، وهذا ما يحصل في فلسطين والعراق وأفغانستان، وفي مجمل العالم العربي والإسلامي، خصوصا أن جماعات الإرهاب باتت أكثر نفوذا ونشاطاً.

ولتدارك هذا الخلل عكف بعض المهتمين والمحللين، وبعض مراكز الدراسات، على مراجعة السياسة الخارجية الأمريكية، في محاولة الإجابة على سؤال: "لماذا يكرهوننا"؟ وفي محاولة لتقديم التوصيات اللازمة لترشيد السياسة الخارجية.

فمثلا، وبحسب التقرير الصادر عن "مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي" (مقره نيويورك)، تحت عنوان:" استراتيجية لإعادة تنشيط الدبلوماسية العامة لأمريكية" (نشر في سبتمبر الماضي)، فإن أمريكا " تعاني من مشكلة خطيرة في صورتها الخارجية"، ولفت التقرير الانتباه إلى أن التعاطف مع أمريكا، الذي ظهر بعد حدث سبتمبر (2001) بدأ يتآكل، وفي المقابل فإن المعارضة للسياسيات الأمريكية تزداد. ويرى التقرير بأن الإدارة الأمريكية لم تحسن استخدام الدبلوماسية، ولم تدافع بشكل جيد عن القيم والسياسات الأمريكية، تجاه الرأي العام الأجنبي. وينتقد التقرير هذه الإدارة على تفردها بإدارة شؤون العالم وانسحابها من العمل الجماعي (رفض معاهدة كيوتو بشأن المناخ وإعاقة قيام المحكمة الجنائية الدولية).

وبما يخص العالم العربي فإن التقرير يعتبر بأن خلل السياسة الأمريكية يكمن في جانبين، أولهما، دعمها لأنظمة حكم غير ديمقراطية، وثانيهما، دعمها لإسرائيل عن غير حق ولا مبالاتها إزاء معاناة الفلسطينيين وإذلالهم. ويؤكد التقرير بأنه من الصعب على أميركا أن تحقق طموحاتها الطويلة الأجل بينما هي تخسر أصدقاؤها ونفوذها، وأن أمريكا لا تستطيع كسب المعارك والفوز بها بالقوة العسكرية وحدها، وأن على الولايات المتحدة أن تأخذ آراء الآخرين وسياساتهم ومنظوراتهم الثقافية في ا لحسبان وهي تصوغ وتوصل سياستها.

أما "المجموعة الاستشارية بشأن الدبلوماسية العامة للعالم العربي والإسلامي"، والتي يترأسها ادوارد دجيريجان مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأوسط (سفير سابق في تل أبيب ودمشق)، فبعد جولة قامت بها إلى دول المنطقة، التقت خلالها بمسؤولين رسميين وبممثلين لقطاعات المجتمع المدني، فقد توصلت إلى إصدار تقرير عنوانه:"تغيير العقول لكسب السلام". وقد ألقت هذه المجموعة بدورها اللوم، في تردي صورة أمريكيا الخارجية، على الدبلوماسية. ولكن هذا التقرير توصل أيضا إلى نتيجة مفادها أن " كثيرا من السخط الموجه لأمريكا نابع من صراعات واستياءات  حقيقية من سياساتنا بما فيها المتعلقة بالصراع الإسرائيلي ـ الفلسطيني والعراق".

وفي كل الأحوال فإن انتقادات كلينتون وكارتر وفريدمان وغيرهم تصب كلها في طاحونة عدم فهم أمريكا لمشاعر العالم العربي والإسلامي، وعدم فهمها لثقافته، ودعمها اللامحدود لإسرائيل وتجاهلها لمعاناة الفلسطينيين. وحتى أن بول فولفويتز نائب وزير الدفاع الأمريكي المحسوب من صقور الإدارة الأمريكية، اعترف مؤخرا بأن "الصراع الإسرائيلي الفلسطيني عامل رئيسي في علاقتنا مع العالم الإسلامي كما انه واحد من أكبر العقبات في طريق السلام في تلك المنطقة".

المهم أن معظم هذه التقارير والتحليلات التي حاولت تفسير تفشي مشاعر العداء للولايات المتحدة في العالم العربي والإسلامي، لم تعد تركز، كما في السابق، على الفبركات المتعلقة بالصراع الحضاري واختلاف منظومة القيم أو الادعاءات التي تفسر ذلك بالحسد الذي يكنه الناس لنمط الحياة القائم على الحرية والرفاهية والتكنولوجيا! وهي المقولات التي روجها بعض المنظرين المرتبطين بتيار المحافظين الجدد والتيار الأمريكي ـ المتصهين، وبعض المحللين الإسرائيليين، والذين حاولوا من خلالها توظيف حدث 11 سبتمبر لتعزيز مركز إسرائيل في السياسة الأمريكية، وإظهار إسرائيل بوصفها "ضحية" للإرهاب! مثلها مثل أمريكا، لإطلاق يدها في البطش بالفلسطينيين، وصرف الإدارة الأمريكية عن الاهتمام بعملية التسوية.

وهكذا فإن ما يلفت الانتباه أن المراجعة الانتقادية لسياسة إدارة بوش ركزت على سببين أساسيين لانتشار مشاعر العداء لأمريكا في العالم العربي والإسلامي، أولها، يتمثل بدعمها للأنظمة الاستبدادية، وثانيهما يتمثل بدعمها لإسرائيل واستهتارها بمعاناة الفلسطينيين؛ حيث اندمجت مشاعر العداء لإسرائيل بمشاعر العداء لأمريكا، التي تدعمها وتغطي سياساتها.

والمفارقة في هذا الإطار أن مواقف وممارسات حكومة شارون لا تسهل على الإدارة الأمريكية، لا على المستوى الدولي ولا على المستوى المحلي، بسياساتها المستهترة بالشرعية الدولية وبتقويضها لعملية التسوية، وبإمعانها في عمليات القتل والتدمير بالشعب الفلسطيني، واستمرارها في أعمال الاستيطان وإقامة النقاط الاستيطانية العشوائية وبناء جدار الفصل العنصري. ويقول ب. ميخائيل: "إسرائيل بنزقها الثيواستعماري تعرض جنود الولايات المتحدة في العراق للخطر، وتعمق العداء الإسلامي ضد الولايات المتحدة كلها. ".(يديعوت  أحرونوت4/11).

أما المشكلة في خطاب بوش الجديد والقديم، في آن، فهي أنه لم يأخذ بهذه النصائح والتقارير وفضل التركيز على جانب دون جانب آخر، وهكذا ركز في خطابه على نشر الديمقراطية في العالم العربي، معتبرا غيابها أسّ المشاكل وعدم الاستقرار ومنبع التطرف والإرهاب، في حين أنه تجاهل تماما مفاعيل الصراع العربي ـ الإسرائيلي. ويؤكد ذلك إصرار إدارة بوش على تجاهل المظالم التي ألحقتها إسرائيل ولا زالت بالشعب الفلسطيني، وتجاهل تأثيرات هذه المظالم على عدم الاستقرار في المنطقة، كما أنه أكد مجددا، على خطابه الذي ألقاه يوم 24/6/2002، بشأن ربط حق تقرير المصير للفلسطينيين وحقهم بإقامة دولتهم بإصلاح أحوالهم وتغيير قيادتهم!

وعلى العموم فلطالما دأب قادة أمريكا على التهرّب من جذور الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وإحالة العداء ضد إسرائيل والصراع معها إلى غياب الديمقراطية في العالم العربي، ومحاولة بعض الحكام تأكيد شرعيتهم وتغطية إخفاقاتهم الاقتصادية والاجتماعية والسياسية بالعامل الخارجي، ولا سيما بالصراع ضد إسرائيل.

ولكن الجديد في هذه المرة أن بوش ذهب بعيدا في خطابه بمحاولته تسجيل بدعة أو سابقة فريدة في الشرعية الدولية، مفادها أن الدول الديمقراطية يحق لها احتكار السلاح النووي، وحتى استخدامه بدعوى الدفاع عن النفس، وأن الدول الديمقراطية يحق لها أن تحتل أراضي الغير، وأنه يحق لها الاعتداء على الدول الأخرى بدعوى "الحرب الوقائية"، وأن هذه الدول تستطيع أن تمارس الاضطهاد والتمييز العنصري ضد شعب أخر، دفاعا عن القيم الديمقراطية. وباختصار يحاول بوش أن يقول، في خطابه، أنه يحق لإسرائيل ما يحق لأمريكا! وهذا هو أخطر ما في الأمر وهو ما ينبغي الانتباه إليه وتدارك مفاعيله، حتى لا ننخدع بمعسول كلام هذه المراجعة العرجاء للسياسة الأمريكية.