من سلسلة التعهر السياسي  إلى تأسيس الحريات العامة!

الدكتور عماد فوزي شُعيبي

لا يمكن وصف خطاب الرئيس الأمريكي جورج بوش بشأن تبشيره بثورة ديمقراطية عربية إلا باعتباره جزءاً من سلسلة تعهير المفاهيم السياسية الرفيعة.

 فبدءاً من تعهير المقاومة الذي أصبح إرهاباً إلى محاولة القضاء على الأمم المتحدة وإدارة الظهر للقانون الدولي والاعتداء على الشعوب والدول وممارسة الوصاية عليهم إلى الانحياز إلى إسرائيل؛ بحيث يصبح المحتل بوضعية دفاع عن النفس ،  إلى استصدار أسوأ قوانين طوارئ في تاريخ الدول بما فيها أسوأ الدول الدكتاتورية،  إلى تنصيب الولايات المتحدة الأمريكية نفسها قرصاناً يستطيع أن ينقض على الدول الصغيرة كما حدث في بناما قبل أن يصبح هذا جزءاً مما دعي باستراتيجية أمريكا لقرن أمريكي بالكامل، إلى ممارسة القهر على الشعوب ومنعها من الحصول على حقوقها في الثقافات المغايرة باسم العولمة وباسم تعميم الثقافة الأمريكية كثقافة كونية...

كل هذا يلقي بظلالٍ كثيفة على هذا الخطاب الذي كان مفارقاً أن يتحدث به من يخترق كل يوم حقوق الإنسان، وكان مفارقاً أكثر رغم نبرته التبشيرية التي تشبه قول أحد دعاته:"بأن الله قد أرسله لخدمة البشرية".

هذا  الوصف تجاوز كل وصف لأي زعيم من زعماء الدول الشمولية، وتزداد المفارقة أكثر عندما يصنف الدول إلى ديمقراطية فتصبح فيها دول كانت بالأمس متخلفة وينبوعاً للإرهاب وفقاً للتصوير الأمريكي قد قطعت خطوات باتجاه الإصلاح وتوفير قيادة حقيقية في المنطقة،  مما يضفي مرة أخرى على المشهد طابعه التراجيدي سياسياَ لأن الخطاب انتقائي بصورة تحرض على العبث وتجعله هزءاً في اعتبار الأكثرية الساحقة من الذين ينتهجون الدعوة إلى الديمقراطية نظرية في العمل السياسي، لأن هذه الدعوة لا تستقيم مع أي موقع ولا يقبلها عاقل في المنطقة خصوصاً وأن الرئيس جورج بوش قد اختار أسوأ مثال لديمقراطيته المزعومة عندما اعتبر أن الديمقراطية في العراق ستكون الحدث الديمقراطي في الثورة الديمقراطية العالمية التي تبدو كالثورة الدائمة التروتسكية متقولبة بصورة ليبرالية متأمركة .

 هذا هو  الخطاب ذاته الذي اعتمدته التوتالتيارية الماركسية عندما اعتبرت أن انتصار الثورة الاشتراكية سواء في روسيا أو في برلين أو في براغ أو في بكين أو في كوريا أو في كوبا هي المفاصل الكبرى في انتصار الثورة الأممية وتحقيق دكتاتورية البروليتارية.

هو المنطق الشمولي نفسه، واللغة الإيديولوجية المفرطة في تعصبها تأتينا هذه المرة من جورج بوش مستخدماً لغة اليمين الجديد التي ما فتئت كي تبرر مشروعها للقرن الأمريكي الجيد أن تركب مركب الديمقراطية، ليس لاعتبارات إنسانية إنما باعتبارها قيمة أمريكية يجب أن تُعمم.

وباختصار، فإن هذا الخطاب الذي سمعناه مبشراً بالحريات والديمقراطية هو خطاب في 90% منه  للاستهلاك الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية؛ التي تحولت فيها الحرب عن العراق من حرب للقضاء على أسلحة الدمار الشامل خشية وصولها إلى الإرهابيين ، إلى حملة على الدكتاتور العراقي بعد أن انكشفت كذبة وجود أسلحة الدمار الشامل،  إلى حرب على الإرهاب بعد أن انكشفت عدم قدرة الولايات المتحدة الأمريكية على أن تنعم بالهدوء للحظة واحدة إزاء المقاومة العراقية، وبعد أن خلقت هذه الإدارة الحمقاء أسوأ حالة إرهابية ضد الأمم المتحدة والصليب الأحمر الدولي،  مما خلق بؤرة إرهابية لم تعرفها العراق تاريخياً اختلطت ولسوء الحظ بالمقاومة المشرفة ولا يدانيها سواء إلا وصفها بأنها مقاومة من صدام وعملائه،  وكأن الشعب العراقي ليس ككل شعوب الأرض يدفع عن نفسه الاحتلال بالمقاومة التي تكفلها شرعة الأمم المتحدة وتقاليد الشعوب.

ثم لماذا يتم ربط العراق بسورية في ذلك الخطاب أليس من أجل إنهاء كل نزوع عروبي في المنطقة.

من سوء حظ هذه الشعوب أن وعدها بالقيم الكبرى جاء من أسوأ مصدر إيديولوجي عالمي: فمرة  بالمساواة الاجتماعية،  التي  جاءت من مشروع إيديولوجي كان النظام الشمولي(التوتالتياري السوفيتي) هو مرجعيته ،  فلم يكن تلك القدوة الحسنة.  فرحل ورحلت معه أحلام الشعوب بالعدالة الاجتماعية،  ومرة أخرى المشهد المأساوي يتكرر مع أحلام الشعوب بالحرية والديمقراطية لتأتيها البشرى من أسوأ إدارة أمريكية وأسوأ تيار إيديولوجي عرفته الولايات المتحدة الأمريكية وهو تيار اليمين الجديد.

فالخطاب لا يختلف كثيراً عن البحث الذي قدمه اليمين الجديد تحت عنوان قرن أمريكي جديد. فيه نفس المفاهيم والطروحات والبعد التبشيري الذي خلق نموذج اليمين لدى تيار هو بالأصل تيار يساري بعضه كان تروتسكياً.

نعم، من حق الشعوب أن تعيش الحريات، ومن واجبها أن تنشئ نماذجها في الديمقراطية التي ليست هي الديمقراطية الأمريكية(البوشية)؛ فالديمقراطية ديمقراطيات.

ولهذا نعتقد أن على الأنظمة السياسية أن تبدأ بتوسيع الحريات العامة، وبعضها قد قام بهذا فعلاً، فالحريات العامة لا تشكل خطراً على الأوطان والأنظمة.

أما الديمقراطية فهي شأن ثانٍ. وهي تحتاج إلى بحث البنى الاجتماعية السياسية وما يمكن أن يصدر عنها من مؤسسات للديمقراطية بحيث يكون تجسيداً لبنى المواطنية وليست استدعاءً للنماذج ما قبل القومية وما قبل الدولة، أي بحيث لا تكون ديمقراطيات طوائف وعشائر وحكماً  للهبيشة الذين يستطيعون أن يدفعوا أكثر كي يصادروا أصوات الناخبين، فشرط الديمقراطية المُبرم أن يكون للناخب صوته الذي لا يشترى بسبب الجهل والجوع.

ثم من هذا الساذج الذي يتوهم أنهم جادون في صنع الديموقراطية بالطريقة التي تجعلهم في مواجهة أكثرية متشددة إن لم تكن متخلفة .

ولهذا، وحتى لا يعبثون بمصائر الشعوب تحت أمنياته القصوى نقول:

مرحباً بالحريات العامة التي تفتح تحت عباءة سيادة القانون والمواطنية واحترام حقوق الإنسان،  وهذا جزء من مشروعنا في سورية بدليل أننا خطونا الخطوات الأولى باتجاهها ، فالناس تتكلم وتجهر بالقول وتنقد وتطرح البدائل تحت المظلة الرئاسية ، صحيح أننا لم نصل إلى منتهى الطموح لكننا نسير دائماً في الاتجاه الصحيح وقد عيّناه قبل خطاب بوش بكثير لأننا نُدرك أن هذا هو خيارنا لدخول العصر وللتطوير .

نعم نحتاج إلى المزيد من التراكم في تجربة الحريات العامة التي يجب أن يواكبها الإصلاح القضائي والإداري، وإرساء قواعد الحوار وتأسيس مناخ عام يحترم حقوق الإنسان ، لأن الأخيرة ليست قرار دولة وسلوكها فهي قبل ذلك/ ومعه مسؤوليات تقع على عاتق المجموع والمجتمع ، فإذا كان السائد لدى الناس عدم الالتفات إلى الحقوق لن تكون هنالك توظيفات سليمة لإطلاق جملة حقوق الإنسان ، وهذا لا يعني التوقف إنما يعني البدء وتوظيف كل الإمكانات لنشر تلك الثقافة.

   وأما الديمقراطية فيجب أن تكون... ديمقراطيات تاريخانية أي بتدريج تاريخ مبرمج ومدروس، يحافظ على ميراث الشعوب ويُمأسس الدول ويتطورها  ولا يطيح بها على مذبح أوهام الديموقراطية، وهذا لا يعني التهرب من هذا الخيار إنما يعني التعامل معه بمسؤولية

د. عماد فوزي شُعيبي

ishueibi@scs-net.org