الانفتاح السياسـي لا يهـدد الوحـدة الوطنيـة

أكرم البني

 

منذ اكثر من عام، كتب مثقفون سوريون في ملحق "النهار" مقالات عن ربيع دمشق، خَلَت جميعها، عن قصد او دون قصد، من الاشارة الى الوضع اللبناني وتأثيره على التطورات المحتملة في سوريا.

نشرت "النهار" اخيراً بالتتابع وجهات نظر مثقفين لبنانيين حول مشروع التغيير في سوريا، وجد بعضهم ان "منطق القطيعة" او "المكابرة" (فواز طرابلسي) او "ليس من عادة اللبنانيين التدخل في الشؤون السورية" (ايلي يوسف) او "لم يتجرأوا منذ سنين طويلة، على مجرد الاشارة لامر يتعلق بسوريا" (سعود المولى)، اسباباً تفسر قلة اهتمام المثقفين اللبنانيين بالوضع السوري.

وغاب عنهم شرط موضوعي فرض نفسه بقوة على المثقفين اللبنانيين والسوريين معاً، أقوى من مجرد عادة او جبن او مكابرة، يتعلق بالمناخ المرافق لنجاح سياسات النظام السوري في لبنان حيث فشل الآخرون، خاصة بعد الانسحاب الاسرائيلي من الجنوب، والذي بدا كأنه انتصار للنظام اكثر مما هو للمقاومة اللبنانية، ما جعل السياسة الخارجية السورية اشبه بالمقدس لا يجوز مسها، ربطاً مع شيوع عقلية، تعطي اولوية مطلقة "للمسألة الوطنية" على حساب فساد الوضع الداخلي واهترائه، كثّفتها في سوريا مقولة خالد بكداش الشهيرة: "لو اردنا ان ننطلق من الوضع الداخلي لكنا في المعارضة"!!

اليوم، تغيرت المناخات، بهت الانتصار اللبناني وانحسر موضوعياً النفوذ الاقليمي السوري امام هزائم فلسطين والعراق، بانت اهمية دور "الداخل" وضرورة التغيير وطفت على السطح ازمات المجتمع فاتحة الباب امام الجميع للمشاركة في البحث عن مخارج آمنة لتجاوزها.

نتفق مع القائلين "ان التغيير ليس مطلباً خارجياً" (سليمان تقي الدين) "وان ضغوط اميركا ليست ما فتح ملف الاصلاح" (جورج قرم) فدعوات الاصلاح الديموقراطي قديمة قدم ازمات المجتمع السوري وهي حاجة موضوعية لمعالجة ما نعانيه من امراض مزمنة بغض النظر عن اهداف اميركا وشعاراتها، لكن يبقى للعامل الخارجي دور مهم في بعث دعوات الاصلاح والتغيير اليوم، ليس بمعنى ما أحدثه الاحتلال الاميركي للعراق من جديد في توازن القوى، وليس ايضاً نتيجة ضغوط واشنطن على سوريا، وقد اتضح للجميع ان اشتراطاتها تجاه الداخل السوري ولبنان في ذيل اهتماماتها، بل بمعنى الافادة من الدرس العراقي والتسليم بهزيمة عقلية الوصاية الوطنية والنموذج الشمولي في قيادة المجتمع بما هو فشل اسلوب القوة والاقصاء لضمان السيطرة وتفعيل النفوذ الاقليمي، مما يشدد على الربط بخلاف "دعوة الفصل" (طلال العتريسي) بين ضرورة الاصلاح الداخلي ومواجهة التهديد الخارجي.

الغريب ان لا يجد طلال العتريسي اية ضرورة "للاتعاظ من التجربة العراقية"، ويقلل من قيمة الاصلاح الديموقراطي واهميته في مواجهة الاخطار الداهمة، فيبالغ "في قدرة اميركا على خوض عمل عسكري اذا استدعته مصالحها" وانه "لا يردعها حجم التقدم في الاصلاح الداخلي او حجم التوافق بين الشعب والسلطة"، مغفلاً حقيقة اشار اليها الكثير من المراقبين بأن ما وصل اليه المجتمع العراقي من فساد وقمع دموي وتفكك كان أحد أهم العوامل المشجعة على العدوان واستسهال الحل العسكري!! ونضيف ان البيت الداخلي الصحيح والمعافى ديموقراطياً هو خير ما يكف أذى بوش ويعطل عدوانية شارون، وان القمع هو ما صنع الهزائم والانكسارات وحطم روح المقاومة والكفاح عند الشعوب، فالانسان الخانع العاجز عن انتقاد قادته وحكامه ومحاسبتهم هو أعجز عن محاربة اعداء وطنه.

لقد برهنت الكارثة العراقية بالملموس، ان قوة الاوطان لا تقاس بقوة سلطاتها عسكرياً وقدرتها الامنية على بث الرعب والهلع في نفوس المواطنين، بل من حجم الانفتاح على الناس والثقة بدورهم والاستقواء بحالة من التفاعل بين الشعب وسلطة، تستمد شرعيتها من صورة الحكم الديموقراطي الرشيد والعادل، إن في علاقتها مع المجتمع او في صياغة دورها الاقليمي.

يجب التنبه ان خيار الحرب بات مدمراً، وان هامش "مناورة ايام زمان" لانظمة البلدان الصغيرة في ظل النظام العالمي الثنائي القطبية بات أضيق كثيراً في نظام احادي منفلت من عقاله. من الخطر بالتالي قياس نجاح السياسة السورية بعقلية الحرب الباردة واساليبها، السياسة التي كسبت جولات معروفة (حرب الجبل والضاحية، إسقاط اتفاق 17 أيار)، وتطبيقها على حالنا الراهنة دون اعتبار لتوازن القوى الجديد وطوق الحصار شبه المحكم الذي أحاط بالساحة السورية. فاللعب بأوراق "القوة" والرهان على اشغال العدو عسكرياً، في العراق او فلسطين او لبنان، قد يفضي الى عكس النتائج المتوخاة ويدفع الصراع الى ذروة قاتلة او الى مجازفة غير محسوبة النتائج!! في المقابل لا تزال الفرصة سانحة لتجاوز ذهنية الماضي واساليبه وتحديداً الية السيطرة التي قامت تاريخياً على إخضاع الداخل وتطويعه امنياً لحساب السياسة الخارجية، وما ترتب على ذلك من قمع وخنق للحريات وتكريس لحالة الطوارئ والاحكام العرفية وتسويغ للدور السوري في لبنان واساليبه العسكرية والامنية، وذلك بالمبادرة الى دفع عملية الاصلاح السياسي الديموقراطي بقوة الى الامام كممر لا غنى عنه ليس لنصرة المهمات القومية والوطنية فقط، وانمـا ايضاً من اجل التصدي لمهمات التنمية والبناء بما يقلص حجم الهوة الاقتصادية والتكنولوجية مع الخـارج ويحسن موقع المجتمع وامكانات المنافسة لديه.

فليس من قيمة نوعية "لاصلاح اقتصادي بالانفتاح على الغرب" (ألبر داغر) او "لوعي اولوية القضية الاقتصادية وممارسة المجتمع كل اساليب العلم والتكنولوجيا" (جورج قرم) او "ضرب الفساد المستشري في السلطة" (سعود المولى) او معالجة تردي الاوضاع الاقتصادية وشلل الادارة او ترهلها، اذا غاب الوجه السياسي الديموقراطي للاصلاح، واذا لم ننظر الى هذه الظواهر كنتائج ومخلفات متنوعة لداء رئيس، تكثفه سيطرة شمولية مستديمة أدت الى تكبيل الانسان وقضت على روح المبادرة لديه وخنقت حيوية المجتمع ودوره في المراقبة والمحاسبة وفي التصدي للاخطار المحدقة.

لا رهان على نجاح أية اصلاحات متفرقة ادارية او اقتصادية او غيرها اذا لم تكن مسبوقة باجراءات سياسية تحرر الانسان من القهر والوصاية وتفضي الى بناء حياة سياسية، وان بصورة متدرجة وتراكمية، تقوم على قواعد من التعددية والمشاركة.

ألم يؤكد انتعاش الفساد وانتشاره بصورة أشد خطورة، قصور الاساليب الفوقية في مكافحته والحد من اثاره المدمرة؟ وهل يمكن التطلع الى انتصار معايير الشرف والنزاهة على الروح الوصولية والانتهازية، اذا لم تطلق يد الصحافة ودورها في تعرية كل مظاهر الفساد وملاحقة صوره مهما بدت صغيرة وتافهة؟ واي معنى للحديث عن تصحيح الاخطاء ومظاهر الخلل الادارية المتراكمة اذا لم يسد مناخ من الحرية والشفافية وفصل السلطات، واذا لم تقر تعددية سياسية كفيلة بخلق اجواء من المنافسة الصحية لاختيار البرنامج الافضل والانسان الأكفأ؟

ثم كيف لنا بغير الانفتاح الديموقراطي "إظهار قوى المجتمع للتعبير عن مصالحها" (سليمان تقي الدين) وتثقيل قوى الاصلاح والاستقواء بالارادة الشعبية لردع المقاومة الشرسة التي تبديها قوى سياسية واجتماعية منتفعة من الوضع الراهن وتجاهد لاستمراره، قوى نظمت صفوفها جيداً وتغلغلت في نسيج النظام السياسي وفي الكثير من مراكز القوى الاقتصادية والاجتماعية لتقاوم اي تغير او اصلاح يهدد مصالحها وامتيازاتها؟

لا خوف بالتالي "ان يؤدي المزيد من الانفتاح السياسي والديموقراطي الى زعزعة الحكم" (جورج قرم) ولا خطر "ان يؤدي التغيير الى تفكك في الوحدة الوطنية، او إضعاف ركائز الدولة" (سليمان تقي الدين)، فالانفتاح السياسي هو المناخ الصحي لبناء وحدة وطنية من طراز جديد، وحدة طواعية مبنية على أسس الحرية والديموقراطية والتنوع الفكري والسياسي، لحمتها الاندماج الواعي لقوى المجتمع وفئاته المختلفة في مواجهة تحديات البناء الداخلي والاخطار الخارجية. لا وحدة ملساء، مفسدة، يسوسها الرأي الواحد ولغة القسر والاكراه.

فشعور الانسان بالحرية والثقة بجدوى انتمائه لوطنه، هما صمام أمان التماسك الداخلي والقاعدة السليمة لتفاعل كل القوى الاجتماعية والسياسية ولاستنهاضها واستقطابها تالياً في مواجهة اعدائها. ولا يختلف اثنان على ان إغلاق ساحة العمل السياسي وخنـق الحريات العامـة شكّـلا تربـة خصبـة لنمـو ظواهـر اللامبالاة والسـلبية عنـد الـناس، واستـجّـرا من دوامة اللاجدوى واليأس، مظاهر التعصب والتطرف والاندفاعات المرضية للاستقواء بـ"الخارج"، كما كانت حال بعض القوى السياسية العراقية وغيرها!!

إن الحاجة للتغير الديموقراطي في سوريا هي حاجة لبنانية ايضاً، فالتحرر السوري من العقلية والاساليب القديمة هو تحرر للبنان ايضاً، يوفر فرصة ثمينة للبلدين لبناء صيغة ديموقراطية تجسد تلاحمهما المصيري ووحدة المصالح العميقة، مما يستدعي، سورياً ولبنانياً، العمل المشترك من اجل فرض سياسة اصلاح ديموقراطي نشطة تزيح جانباً منطق الوصاية وطرائق السيطرة الشمولية، وتشيع الحريات وتطلق طاقات المجتمع، وايضاً تسحب البساط من تحت اقدام المتربصين شراً بالبلدين (قانون محاسبة سوريا) وتستخلص قوة الحضور الاقليمي من قوة المثل الديموقراطي ونموذج الوطن الصحيح المعافى.