جدل الإسلام والحداثة في التجربة التركية (*) (1)

  بقلم :الدكتور عبدالله تركماني

تستحق التجربة التركية المعاصرة الدراسة والتأمل، خاصة في العالم العربي الذي تتطلع شعوبه ونخبه إلى أنموذج يجمع بين الإسلام والحداثة . ويتزامن ذلك مع احتياج الكثيرين لتفهم طبيعة الإسلام السياسي في تركيا وحدود حضور الإسلام في الحياة الخاصة والعامة للأتراك، والمبادئ والتأثيرات الحقيقية للأتاتوركية ومستقبل الإسلام السياسي والعلمانية في تركيا .

وفي الواقع يستفز المشهد التركي مفهوم الجدل التاريخي بين الإسلام والحداثة، حيث برزت تركيا العثمانية في القرن التاسع عشر باعتبارها ساحة هامة لمحاولات التحديث الرئيسية في العالم الإسلامي، ثم مرورها بالتجربة الأكثر راديكالية للعلمنة خلال الحقبة الأتاتوركية في القرن العشرين . كما امتازت بكونها أول دولة شرق أوسطية تعاطت بإيجابية مع رياح التغيّرات الجوهرية التي أصابت بنية النظام السياسي العالمي في مطلع التسعينات من القرن العشرين .

ومنذ بضعة سنوات تقدم تركيا إسلاما سياسيا آخر غير إسلام الجمود والانغلاق، إنه إسلام متعايش مع العصر، منفتح على العالم، معترف بالحداثة، حريص على الهوية الإسلامية بلا تعصب وبلا إكراه وفرض، وبلا اغتيال للعقل، وبلا تكفير للمجتمع وللعالم، وإدخال الظروف والمتغيّرات المحلية والدولية في حساباته ورؤاه السياسية . بتعبير آخر، هو واقعي وعملي، يرى العالم كما هو، ويتعامل مع ظلمه وعدله بلا حساسية وبلا يأس غاضب، وبلا غريزة الانتقام والإلحاح الجنوني على إرهابه وتدميره، انطلاقا من الشعور بالدونية وبالعجز عن مجاراته في قوته وعلمه وحضارته، مما جعل تركيا ميدان اختبار لفكرة جدل الإسلام والديموقراطية .

فهل ثمة سمة راسخة في الإسلام تعوّق التفاهم والتسوية بين الإسلام والحداثة ؟ ما هي تلك السمة التي لا يمكن تغييرها أو التصالح معها في الإسلام ؟ وإذا افترضنا أنّ ذلك صحيح، ما الذي يجعل الإسلام غير متناسب مع ثقافة الحداثة ؟ أإسلام متصالح مع الديموقراطية تحت عباءة العلمانية أم علمانية متصالحة مع الدين مثل العلمانية الأمريكية، وليست معادية له كما علمانية أتاتورك ؟ . وهل تحوّل تجربة حزب " العدالة والتنمية " تركيا إلى أنموذج للعالم الإسلامي ? .

ومهما يكن من أمر فإنّ الحالة التركية أعادت إلى الأذهان من جديد مسألة المصالحة بين الإسلام والحداثة، باعتبارها مسألة مطروحة على عالمنا العربي .

مظاهر تجربة الحداثة التركية المعاصرة ومآلاتها

تعتبر تركيا دائرة التقاء أساسية للحضارتين الغربية والشرقية، مما أتاح لها وفرض عليها في الوقت نفسه، الكثير من المزايا والالتزامات . وقد جمعت تاريخيا بين الحضارتين الهيلينية والإسلامية، وفي حال تحولها نحو تحسين وتطوير ديموقراطيتها، قد تستطيع زيادة فرص التحديث والدمقرطة في العالم الإسلامي، لأنها دولة كبيرة وتشغل حيزا استراتيجيا مهما يطل على رقعٍ استراتيجية هامة، مثل : أوروبا والبلقان واليونان والبحر الأبيض المتوسط والعالم العربي من جهة، وروسيا وآسيا الوسطى ومنطقة القوقاز من جهة ثانية .

ولايمكن فهم التجربة التركية المعاصرة بدون استحضار ذاكرة التاريخ السياسي لثمانين سنة قبل اليوم، عندما قامت في تركيا ثورة الجنرال مصطفى كمال أتاتورك، التي شكلت قطيعة مع ماضيها الإسلامي . لذلك لم تكن ثورته على الدين إلا تمردا سطحيا، لأنها كانت فوقية، أي انقلابا من أعلى . فلقد اقتصر مصطفى كمال على تغيير الأشكال عندما استعصى عليه تغيير العمق، هكذا قامت الحكومة بسلسلة من الإصلاحات بهدف ترسيخ العلمانية . ولم تقتصر الإصلاحات على التغيير في النظام السياسي، بل أنها أعادت كذلك صوغ المجتمع واجتاحت العالم الخاص للافراد . إذ لم يتطابق النظام العلماني في تركيا مع تيار الحداثة الذي شهده الغرب، الذي كانت العلمانية، باعتبارها أحد مكوّنات الحداثة، مدخله إلى إقامة تجارب ديمقراطية متحررة ضمنت للإنسان حرية الاعتقاد ومعها حرية الاختيار في تحديد التوجهات السياسية والاقتصادية .  وبذلك فإنّ العلمانية التركية لم تفترق كثيرا عن الأنظمة الديكتاتورية التي ظهرت في ألمانيا وإيطاليا وأسبانيا بين الحربين العالميتين، حيث يدخل ضمن تقاليدها إسناد مهمة استثنائية للجيش كحارس للنظام، وتمتد لتشمل التحكم بالنظام السياسي .

وخلال ثمانين عاما نشأت أجيال تربت على تلك الثقافة‏،‏ والتقت على قيمها مؤسسات ضخمة ومصالح هائلة وارتباطات يتعذر الإحاطة بحدودها أو تشعباتها‏،‏ وتحوّل هؤلاء جمعيا إلى مراكز قوى سياسية واقتصادية وعسكرية‏،‏ تقمع بشدة أية بادرة تشتم فيها رائحة الخروج على النص الكمالي . ليس ذلك فحسب‏،‏ وإنما تولى هؤلاء تحديد ضوابط اللعبة السياسية وقواعدها‏،‏ وأصبح " مجلس الأمن القومي " الذي يشارك فيه رئيس الأركان وقادة أسلحة الجيش مع عدد من كبار المسؤولين المدنيين‏،‏ في مقدمتهم رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء‏،‏ هو المرجعية الحقيقية التي تحدد شروط اللعبة السياسية وسقفها‏،‏ كما تحدد رؤيتهم للعلمانية ‏.‏

لقد قام الجيش بانقلاب في عام 1960 ضد الرئيس عدنان مندريس وأعدمه لأنه ساهم في الإحياء الإسلامي في الخمسينيات، وقام بانقلاب آخر في عام 1971 لقمع تصاعد الحضور الإسلامى في العملية السياسية، وفي عام 1980 قام الجيش بالانقلاب الثالث بسبب المهرجان الذي أقامه حزب الأمة الوطنى في مدينة " قونية " تحت شعار تحرير القدس .

وكما هي عادة الديكتاتوريات، لم تشأ الكمالية أن تظهر في مظهر حكم توتاليتاري مستبد، فارتدت صنوفا من الأزياء التي تشد أنظار الناس : رطانة شعبوية، وخطاب عام عن الحرية والتعددية والتسامح والنهضة والديموقراطية . ومع هذه الصفات أمكن الانتقال بسهولة إلى زعم صفات أخرى من قبيل دولة القانون وحقوق الإنسان والحريات والتعددية السياسية والحداثة واقتصاد السوق .

لكن، هل نجحت الجمهورية الأتاتوركية في تحقيق مآربها ؟ وما الذي راكمته بعد ثمانين عاما على نشوئها ؟ لقد أنتجت الفقر والتضخم وانتشار البطالة والرشوة والفساد، وانعدام الحريات الفردية، وتفاقم المشكلة الكردية، وصعود الإسلاميين إلى سدة الحكم، وتعاظم مشكلة قبرص، والتحول إلى نموذج في العالم من حيث هيمنة العنف الرسمي والتعذيب ومصادرة الحريات وممارسة التمييز العنصري ضد الأكراد .

والروائي التركي ـ الكردي ياشار كمال، ضمير فقراء تركيا وأحرارها على حد سواء، يقول بالحرف : منذ 28 تشرين الأول/ أكتوبر 1923، أي منذ اليوم الأول لتأسيسها وحتى الآن، تحولت الجمهورية التركية إلى نظام لا يطاق من القمع والقسوة، وتمكنت من تمويه هذه الصورة عن طريق شتى أشكال الخداع (...) .

وهكذا، فإنّ نقطتي ضعف أساسيتين رافقتا التجربة التركية : الأولى، الدور الرئيسي والحاسم الذي لعبته مؤسسة الجيش في المفاصل الأساسية من الحياة السياسية، مما منع تركيا من الاعتماد على عقولها السياسية البراغماتية في حل مشكلاتها . والثانية، أولوية المصالح الأمنية التركية على مصالحها السياسية والاقتصادية في علاقاتها ومواقفها الداخلية والإقليمية والدولية .

فعند إعلان الجمهورية التركية في العام 1923، كان 80 % من الشعب التركي يعيشون حياة تقليدية في الريف، وكان فهم الإنسان والمجتمع والدولة والطبيعة والتاريخ مشبعا بالمفاهيم الإسلامية . وبرز الإسلام السياسي، منذ النصف الثاني من سبعينات القرن الماضي، في إطار اجتماعي محدد، إذ جاء ليستثمر مشاعر الإحباط لدى جزء من الشعب كان يشكل " تركيا الثانية " المهملة في المقاطعات الأقل نموا في الأناضول والمناطق المحيطة بالمدن . فما هي تداعيات تجربة الإسلام السياسي التركي على المستويات الداخلية والإقليمية والعالمية ؟ .

التداعيات على المستوى التركي

من الضروري أن نبحث عن مصادر العلاقة المميزة بين الدين والسياسة في تركيا، في خصوصية الإسلام التركي التوفيقي والمتأثر بأديان قارة آسيا، وأيضا في العالم البلقاني، ومن خلال الماضي العثماني، والديانة المسيحية . وعلى النحو نفسه، من غير الممكن طرح المسألة الدينية بعبارات التعارض الثنائية، أي بوضع العلمانيين من جهة، والإسلاميين من جهة أخرى، إذ ثمة سلوكات هجينة مؤلفة من الموقفين على حد سواء، من دون الحديث عن خصوصية الأتراك الذين تكيّف عدد كبير منهم مع الحداثة .

‏هذه السلوكات كانت حاضرة في إدراك قادة حزب " العدالة‏ والتنمية "،‏ الذين كانوا جزءا منها في بعض مراحلها‏،‏ وإذ تعلموا دروسها‏،‏ واستوعبوا شروط النجاح والاستمرار في الساحة السياسية‏،‏ فإنهم حرصوا على أن يقدموا صيغة تصالحية بين الإسلام والعلمانية والديمقراطية،‏ نجحت في استقطاب قطاع غير قليل من النخبة‏،‏ وقطاع كبير من الجماهير‏،‏ التي أعطتهم أصواتها وثقتها في الانتخابات‏ البرلمانية والبلدية .‏ وحين اعتبروا أنفسهم حزبا محافظا وديمقراطيا‏،‏ كان ذلك يعني مباشرة التزامهم باحترام القيم الأساسية في المجتمع التركي وفي مقدمتها الدين والعلمانية‏،‏ وحين فعلوا ذلك فإنهم استعادوا الركن المغيب في الهوية السياسية التركية‏،‏ وهو الإسلام الذي ذوبته العلمانية الكمالية في مشروعها المهيمـن .‏ وفي حدود السقف المتاح‏،‏ فإنّ استدعاءهم للإسلام تم في الإطار الاجتماعي وليس السياسي‏،‏ وبذلك فإنهم قدموا المشروع الإصلاحي على الأيديولوجي‏،‏ وهو ما يفسر تقليلهم من شأن معركة الحجاب التي افتعلها العلمانيون الغلاة‏،‏ وانشغالهم عنها بمواجهة الأزمة الاقتصادية وتعزيز الحريات والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي‏ .‏

وكان أردوغان زعيم حزب " العدالة والتنمية  " قد صرح في شباط/فبراير 2000  حين كان لا يزال عضوا في حزب " الفضيلة "، بما يأتي " من الخطأ أن نساوي الحزب بالدين والدين بالسياسة . إننا لا نهدف إلى تأسيس دولة إسلامية، ولسنا حزبا ثيوقراطيا . أما في حال انخراط الناس الأتقياء في الحياة السياسية مع امتناعهم عن اعتبار المعايير الدينية مرجعا لهم، فلا يمكننا الحديث عن إسلام سياسي " .

 وقد نجح حزب " العدالة والتنمية " في اقناع الغالبية الكبرى من الفئة الإسلامية المحافظة بوجهة نظره، وتمكن من حشد دعم عناصرها الأكثر دينامية . وهو في مجال الاقتصاد يركز على مفاهيم " المنافسة الحرة " و " العقلانية " و " حس  المسؤولية " و " شفافية السياسة الاقتصادية " التي تتبعها الدولة الحديثة . ويدعو الحزب إلى مجتمع منفتح، وثيق الصلة بنشاط المؤسسات غير الحكومية التي ستحد من اندفاع الدولة إلى السيطرة على كل أصعدة الحياة الاقتصادية والثقافية والاجتماعية . وهذا المفهوم المجتمعي، الذي يهدف إلى منع حضور الدولة الطاغي بأسلوب نيوليبرالي تقريبا، لا يؤيد فكرة الدولة الإسلامية التواقة إلى صوغ كل مجالات الحياة وفق أيديولوجيتها الخاصة، إلا أنّ المفهوم يفسح في المجال أمام نشوء مجتمع إسلامي مستعد لإعادة النظر في القيود الصارمة للنشاط الديني، وخصوصا على مستوى التعليم وحرية التنظيم .

وعندما استقال هؤلاء المجددون المعاصرون من حزب " الفضيلة " في العام 2001 كان جوابهم عن السؤال : ما هو الجديد في حركتكم التجديدية المعاصرة ؟

1- سوف لا تتمحور حركتنا الجديدة حول المشاعر والعقائد الدينية وإنما على الأسس الديموقراطية والشفافية والحوار والتعاون .

2- لن تعمل حركتنا وفق أسلوب العمل السياسي القائم على الطاعة العمياء للزعيم أو الرئيس، كما كان جاريا في عهد أربكان، وإنما وفق أسلوب العمل الجماعي أو أسلوب عمل الفريق في السياسة والإدارة والحكم .

3- إنّ حركتنا سوف لن تنشغل كثيرا في حل مشكلات البناء الفوقي وإنما في معالجة القضايا التي تشغل بال البناء التحتي، أي مجموع الشعب التركي الذي يشكو من البطالة وعدم المساواة في توزيع الثروات والنمو والعدالة الاجتماعية .

4- لسنا من دعاة المماحكات السياسية، كما أننا لسنا مغرمين بالصراعات السياسية والدونكشوتية الفارغة، وإنما بالعكس من ذلك فإنّ حركتنا الجديدة تدعو إلى المصالحة الاجتماعية والحوار والتعاون، لأنّ ثمة نقاطا كثيرة مشتركة بيننا وبين الآخرين .

5- إنّ حركتنا سوف لن تكون خطرا أو تهديدا على النظام القائم، لأننا سوف لن نتّبع السياسات التي تشكل مثل ذلك التهديد .

6- سنلبي رغبة المواطنين في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي وسنقوم بتهيئة الظروف المناسبة لذلك الانضمام في إطار مصلحتنا الوطنية .

7- سوف لن تكون قضية الحجاب سببا للمماحكات والصراع في برامج حزبنا المقبلة، لأننا سنقوم بحل مثل هذه القضايا في إطار حقوق الإنسان التي ندعو إلى حمايتها، لاسيما أنّ الحجاب لا يشكل المشكلة الأساسية للمرأة التركية وإنما هي بحاجة إلى حل مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية والمشاركة في الحياة السياسية والتمتع بالحريات والمساواة في جميع المجالات .

8- ستحافظ حركتنا على أسس النظام الجمهوري، ولذلك لن ندخل في مماحكات مع القوات المسلحة التركية، وإنما سنتبع سياسة واضحة ونشيطة للوصول إلى الهدف الذي رسمه أتاتورك في إقامة المجتمع المتحضر والمعاصر، في إطار القيم الإسلامية التي يؤمن بها 99 % من مواطني تركيا .

وهكذا، يمكن تفسير وصول حزب " العدالة والتنمية " إلى السلطة لأنه تم تأسيس الحزب من منطلق نوع من المراجعة للذات للتيار الاسلامي‏،‏ حين طرح قادته أنفسهم كإصلاحيين مستنيرين مؤمنين بالديمقراطية والعلمانية‏،‏ ورفضوا إلصاق تعبير الإسلامي بالحزب‏،‏ لكنهم رفضوا أيضا تجريد تركيا من هويتها الإسلامية ودعوا إلي احترام الدين‏،‏ الذي فشلت علمانية الأتاتوركية في اقتلاعه من نفوس الأتراك أو حتى تهميشه على مدى ما يقرب من‏ 80 ‏عاما ‏.‏

إذن هو انقلاب على مفهوم الإسلام السياسي التقليدي، صورة مغايرة للخطاب الإسلامي الخشبي، المتشنج، الذي تستهلكه المظاهر والتفاصيل والوثوقية الشمولية المحنطة . وتكتمل الصورة بعدم ترك فرصة لإظهار الولاء للنظام العلماني، لإغلاق الباب أمام المتربصين .

أما من حيث المضمون فإنّ حزب " العدالة والتنمية " عرف كيف يلعب السياسة بحنكة، أي كيف يتعاطي مع مسألة العلمانية والتوازنات داخل تركيا وطبيعة علاقاتها الإقليمية والدولية، فلم يتجاهلها أو يقفز عليها . وفوق ذلك أفلح في توظيف المخزون التاريخي للبلاد وأزمة الهوية، ليس في توجه يخيف الداخل والخارج، ولكن في الحديث عن ضرورة حل مشاكل البلاد العديدة .

وبسرعة شديدة، أخذت بنية الحزب تقوى وتكسب لها قاعدة جماهيرية واسعة، تمثلها تلك الأوساط الاجتماعية المتوسطة والفقيرة، خصوصا في آلاف القرى والمدن والقصبات التي تنتشر في طول البلاد وعرضها . ولقد استفاد هذا الحزب، ليس من الانقسام السياسي التي تمثله كل من النخب العلمانية والفئات الإصلاحية، بل استفاد أيضا من حالة التجزؤ الاجتماعي بين سكان المدن الكبرى في غرب البلاد وسكان الأرياف والمدن الصغرى في شرقها .

 وهكذا، يصعب تحديد مجمل الأسباب التي أدت إلى صعود حزب " العدالة والتنمية " إلى أعلى الخارطة السياسية التركية خلال أقل من عام ونصف العام على تأسيسه . ولكنّ أحدا لا يستطيع تجاهل عاملين أساسيين وراء هذا الصعود : أولهما، أنّ الشعب التركي لم يعد على استعداد لإعطاء الطبقة السياسية التقليدية فرصة أخرى بعد ثلاثة أرباع القرن من العنف والانقسام الداخلي والتوتر والتأزم الاقتصادي المستمر . وثانيهما، أنه بالرغم من التوجه العلماني المحافظ الذي يميز برنامج حزب " العدالة والتنمية " فإنّ الناخب التركي يأمل أن يحقق صعود الحزب إلى الحكم إعادة التوازن إلى إشكالية الهوية والثقافة التي أقامت تلك الهوة العميقة بين الدولة والمجتمع .

وهكذا، تقدم لنا التجربة التركية، منذ وصول حزب " العدالة والتنمية " إلى سدة الحكم في تركيا عام 2002، نموذجا يمكن الاستفادة من بعض معالمه لوضع برامج للإصلاح والتطوير والعمل على تطبيقها في أقطارنا العربية أيضا : فمن أولى معالم هذه التجربة، نجاح هذا الحزب في التوفيق بين مبادئ الدولة التركية العلمانية وبين برامجه وأهدافه التي لا تدير ظهرها لتاريخ ثقافتها الإسلامية . إذ ليس المهم أن ننادي بالعلمانية أو أن نحاربها، لكن المهم هو إيجاد الطريقة المثلى التي تحترم تاريخنا العربي - الإسلامي وتراثه ولا تتعارض في آن واحد مع ما تعارفت عليه المجتمعات الإنسانية من مبادئ وقيم تعزز سلامة الإنسان وتحترم كرامته وتحقق المساواة بين أفراده، بغض النظر عن أية اعتبارات موجودة، وتحقق له شروط حياة لائقة وكريمة وتحميه من كل استغلال وظلم وطغيان .

أما الإضافة الأخرى التي لا تقل أهمية، فهي استيعابهم لمستحقات الخيار الديموقراطي، حيث أعلنوا التزامهم الكلي بقواعد التعددية السياسية، ولم يكتفوا بالتأكيد على مسألة الحريات بل أعلنوا عزمهم على حماية حقوق الإنسان، وعدم التدخل في الحياة الخاصة لمواطنيهم، أو التعسف بتغيير نمط حياتهم عن طريق سلطة الدولة كما فعل غلاة العلمانية في تركيا .

لقد نجحت هذه الحكومة في تصفية قسم كبير من ملف حقوق الإنسان الذي كان يؤرق الحكومات التركية المتعاقبة ويقف عائقا أمام محاولاتها الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي . وتأتي التعديلات الدستورية الأخيرة، التي تمت في أوائل شهر أيار/مايو الماضي، لتعزز ما سبق أن اتخذته الحكومة التركية من إجراءات على الصعيد الأوروبي، ولتزيد من رصيدها الدولي . حيث أقر البرلمان التركي، وبصفة نهائية، مجموعة تعديلات تم بمقتضاها إلغاء عقوبة الإعدام، وإلغاء محاكم أمن الدولة، وحظر مصادرة أدوات الطباعة الصحافية وآلاتها، كما تم الاعتراف بالمساواة بين المرأة والرجل .

بل أنّ " مجموعة عمل حقوق الأقليات والحقوق الثقافية " قدمت – مؤخرا – جملة اقتراحات ذات تأثير كبير على البعد الديمقراطي للتجربة التركية :

1 - إعادة كتابة الدستور والقوانين ذات الصلة بمشاركة فئات المجتمع وبهدف مضمون حر وأكثري وديموقراطي .

2 - أن تضمن، في أساس المواطنية ذات الحق المتساوي، حقوق حماية وتطوير هويات الأشخاص أصحاب الهويات والثقافات المختلفة .

3 - أن تصبح السلطة المركزية والسلطات المحلية شفافة وديموقراطية وبصورة يشارك فيها وفي مراقبتها كل المواطنين .

4 - يجب التوقيع، ومن دون تردد، على المعاهدات والوثائق الأساسية الدولية التي تنص على القيم العالمية لحقوق الإنسان والحريات، ولا سيما اتفاقيات إطار المجلس الأوروبي، بحيث لا تظهر تركيا بعد اليوم بلدا ينكر الهويات الأخرى داخله .

وينتهي التقرير إلى خلاصة مفادها : إنّ النموذج الذي كان في أعوام العشرينات والثلاثينات والذي أنتج نزاعات داخلية، أصبح بعد ثمانين عاما ضيقا جدا على مجتمعنا الذي لا يتوقف عن التطور، ويجب استبداله بنموذج " المدنية المعاصرة " . ويجب التفريق بين مفهومي " الأمة " و" المواطنية " . وبدلا من نموذج الدولة - الأمة ذي الثقافة الواحدة والذي تجاهل حقوق الإنسان، يجب اعتماد نموذج مجتمع جديد متعدد الثقافات تحت هوية عليا متصلة بتركيا .

ومنذ تسلم حزب " العدالة والتنمية " بزعامة رجب طيب أردوغان الحكم في تركيا تشهد البلاد حملة تعديلات دستورية وقانونية واسعة بهدف تحقيق معاييــر " كوبنهاغن " الأوروبية، بعد أن اشترط الاتحاد الأوروبي ذلك للموافقة على بدء مفاوضات العضوية مع تركيا . وانطلاقا من هذا الهدف ألغى أو عدل البرلمان التركي خلال السنوات القليلة الماضية أكثر من تسعين قانونا بشكل كلي أو جزئـي . وعلى الرغم من أهمية هذه التعديلات الدستورية والإصلاحات السياسية إلا أنّ التطور الأهم والأبرز في هذا المجال يتعلق بالجيش ودوره وعلاقته بالسلطة والحكم والسياسة في بلد اشتهر فيه الجيش بالقول : إنّ دوره يتعلق بالحفاظ على الأسس العلمانية للدولة التي أسسها كمال أتاتورك عام 1923 . ولعل هذا ما يفسر إصرار الاتحاد الأوروبي على إلغاء تركيا لـ " مجلس الأمن القومي " وإخضاع هيئة الأركان العامة إلى وزارة دفاع مدنية، وذلك تماشيا مع المؤسسات الأوروبية ولـ " قيم كوبنهاغن " التي تحدد وحدة القيم والمعايير السياسية والمؤسساتية لدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي . ولعل من أهم هذه الخطوات :

(1) - إلغاء " مجلس الأمن القومي"  الذي كان يهيمن عليه كبار قادة الجيش وإبداله بـ  " مجلس شورى " .

(2) -  زيادة عدد الأعضاء المدنيين في " مجلس الشورى " إلى تسعة مقابل خمسة أعضاء من قادة الجيش بعد أن كان عددهم هو الأكبر، ومؤخرا تم تعيين مدني أمينا عاما للمجلس وهذه هي المرة الأولى، منذ عام 1928 أي تاريخ تأسيس " مجلس الأمن القومي "، التي يتم فيه تعيين مدني أمينا عاما للمجلس .

(3) - إخضاع موازنة الجيش للرقابة ومحاسبة القضاء والبرلمان، بما يسهم في ضبط إنفاق الجيش الذي تعود في السابق على الإنفاق دون الرجوع إلى الحكومة . حيث كان الجيش يقتطع في السابق 9 % من موازنة الدولة دون مناقشة في البرلمان كما كان يهيمن على مشتريات الأسلحة ويملك أسهما كبيرة في الصناعات الأساسية والكبيرة .

(4) - تغيير طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والحكومة، فقد تم ربـــط " مجلس الشورى " برئاسة الحكومة مباشرة بدلا من رئاسة الأركان، كما لم تعد قرارات المجلس ملزمة للحكومة كما كان في السابق، وأصبحت الاجتماعات الدورية للمجلس كل شهرين بدلا من شهر واحد .

وفي الواقع، لا يمكن فهم هذا التحول الجاري في دور الجيش التركي وعلاقته بالحياة السياسية دون مجموعة من العوامل الداخلية والخارجية، فعلى المستوى الداخلي يمكن التوقف عند عاملين أساسيين :

1 -  النهج المعتدل لحزب العدالة والتنمية الذي يقوم على عدم الاصطدام بالجيش والنخب العلمانية والتوافق في سياسته بين الإسلام والعلمانية بمعاييرها الأوروبية، وبفضل هذا النهج المعتدل كسب أردوغان في الداخل ثقة الجيش وفي الخارج احترام الاتحاد الأوروبي .

2 -  تراجع الخطر الداخلي المتمثل في الانشقاق القومي الكردي (حزب العمال الكردستاني بزعامة أوجلان) أو الجماعات الإسلامية المتطرفة (حزب الله التركي)، وبسبب تراجع هذه المخاطر فإنّ الجيش يعتقد أنه بات أمام إنجاز أمني على المستوى الوطني وأنّ التهديدات الداخلية هي في أدنى مستوى لها منذ عقود .

وهكذا، يمكن القول بولادة تيار " الديموقراطيين المسلمين " في تركيا على غرار " الديموقراطيين المسيحيين " في أوروبا الغربية، يمهد الطريق للانتقال من العلمانية على  " النموذج الفرنسي " إلى العلمانية  على " النموذج الأمريكي " . فمن المرات القليلة في التاريخ الحديث، تحاول حكومة دولة غالبية سكانها من المسلمين أن تبدأ محاولة جادة لإثبات أنّ كون المجتمع مسلما لا يمنع انضمامه التام للمجتمع العالمي الحديث كعضو فاعل كامل العضوية، وليس كما يروج ذوو الرؤوس الحامية للإبقاء على الدول والمجتمعات العربية معزولة عن بقية المجتمع العالمي . وذلك من خلال قدرتها على التعامل الجاد العاقل والمفيد مع القوى والتجمعات الحديثة، ومع المشكلات المركبة القومية والإقليمية والعالمية بحكمة، وأنها قادرة على عقد الصفقات المفيدة للجميع، وأنها وهو الأهم، قادرة على قيادة شعبها قيادة حكيمة بلا تطرف، وقادرة أيضا على قيادة شعبها في اتجاه الانضمام الايجابي الفعال الى المجتمع الدولـي .

تونس في 14/12/2004                       الدكتور عبدالله تركماني

                                          كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

 

(*) - في الأصل ورقة مقدمة إلى ندوة " الإسلام والديمقراطية : أسئلة العلاقة وآفاقها " التي عقد في تونس خلال يومي 15 و 16 ديسمبر/كانون الأول 2004 بدعوة من " المعهد العربي لحقوق الإنسان " و " مركز دراسة الإسلام والديمقراطية " و " منتدى الجاحظ " .