معوّقات تطور نظرية وممارسة حقوق الإنسان في العالم العربي....

الدكتور عبدالله تركماني

في الذكرى السادسة والخمسين لصدور الإعلان العالمي لحقوق الإنسان يجدر التأكيد على كونية وشمولية هذه الحقوق، فكونية حقوق الإنسان تعني أنّ تبلور هذه الحقوق أو تضمينها في الشرعة العالمية هو ثمرة لكفاح الإنسانية عبر التاريخ في مواجهة جميع أشكال الظلم،‏ ونتاج لتلاقح وتفاعل الثقافات الكبرى عبر الزمان‏،‏ بما في ذلك الحضارة العربية – الإسلامية،‏ كما تعني كونية حقوق الإنسان أيضا أنه لا يجوز استثناء أحد، في أية منطقة في العالم أو في أي نظام ثقافي، من التمتع بهذه الحقوق‏,‏ فهي كونية لأنها ترتبط بمعني الإنسان ذاته بالتجريد وبغض النظر عن أي اعتبار‏ .‏ ومن المؤكد أنّ كونية حقوق الإنسان لا تعني إلغاء الخصوصيات الثقافية‏ للأمم والشعوب, وفي الوقت نفسه‏ لا يعني احترام الخصوصية الثقافية‏‏ الاحتفاء بكل ما هو سلبي فيها‏,‏ بل أنّ الخصوصية التي ينبغي الاحتفاء بها هي تلك التي ترسخ شعور المواطن بالكرامة والمساواة وتثري ثقافته وحياته وتعزز مشاركته في إدارة شؤون بلاده‏ .

ومن جهة شمولية حقوق الإنسان فإنّ الشرعة العالمية تؤكد على جدلية الترابط بين الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، وقد أكدت ذلك في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام 1948، وكذلك في العهدين الدوليين للحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية لعام 1966 .

وفي العالم العربي ثمة مجموعة معوّقات متضافرة تعيق تطور نظرية وممارسة حقوق الإنسان في إطار كونيتها وشموليتها كما وردت في الإعلان العالمي والعهدين الدوليين، وتأتي في مقدمة هذه المعوّقات تلك النابعة من الهيكل القانوني والتشريعي في الأقطار العربية، والبنية الثقافية – الاجتماعية :

(أ) - من المسلم به ضعف الارتباط بين الهيكل القانوني في بلدان المنطقة والشرعة الدولية لحقوق الإنسان، فأكثر من ثلث بلدان المنطقة لم  تنضم إلى العهدين الدوليين الخاصين بالحقوق المدنية والسياسية، والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، ولا يتوافر في انضمام بعضها مقصد الالتزام، ولم ينعكس انضمام معظمها بتأثير يذكر في القوانين والتشريعات الوطنية، وحتى تلك التي قبلت بمبدأ سيادة القانون الدولي على الوطني لم توفر آلية تنفيذية لتطبيق هذا المبدأ .

كذلك يكتظ الهيكل القانوني العربي بالعديد من القوانين الاستثنائية التي تتناقض أحكامها مع ضمانات حقوق الإنسان المقررة في المواثيق الدولية والإقليمية، وتشترك كثير منها فيما يعرف باسم " التدابير المنعية " أو " قوانين الاشتباه "، وتنص هذه التدابير على اتخاذ إجراءات إزاء أشخاص بدعوى منع الجريمة،  وتجيز السجن أو وضع المشتبه بهم تحت رقابة أمنية، وكلا هذين الإجرائين من العقوبات لا يقضى بهما إلا كجزاء على ارتكاب جريمة .

وفي مقابل التوسيع المضطرد لسلطات أجهزة الدولة، كان هناك إضعاف متعمد لدور السلطات الرقابية، بدءا بالرقابة القضائية ومرورا بالرقابة البرلمانية، وانتهاء بالرقابة الإعلامية ودور الرأي العام . فقد جرى إدخال تعديلات على التشريعات المنظمة للسلطة القضائية في البلدان العربية تمس استقلالها، وحجبت بعض البلدان عن النيابة العامة صلاحية الإشراف على السجون، وبخاصة تلك الخاضعة لإشراف أجهزة أمن الدولة  والمخابرات . كما جرى غرس أنماط من المحاكم الاستثنائية مثل " المحاكم الخاصة "، و" المحاكم العرفية "، و" محاكم أمن الدولة  العليا طوارئ " مما فتح ثغرة كبيرة في نظام العدالة العربي . وفي ظل هذه الثغرات جرت وتجري العديد من المحاكمات التي تفتقر إلى شروط العدالة والإنصاف وفقا للمعايير المتعارف عليها، كما شهدت بعض الأقطار العربية أنماطا من المحاكمات يصعب أن يتخيل لها مثيلا في أي مكان آخر من العالم، يهدر فيها حق الدفاع، والحق في العلنية، ويقضي فيها قضاة غير متخصصين .

وبالمثل عانت الرقابة البرلمانية من ضعف مماثل، فبعض الدول العربية لا تعرف أية هيئات تمثيلية، ولم تعرف بعد طريقها إلى صناديق الانتخاب . فيما افتقدت أغلب المجالس القائمة في البلدان الأخرى للدور الرقابي المضمون في النظم البرلمانية كلية، أو جرى تقييد هذا الدور بدرجات متفاوتة في باقي المجالس البرلمانية .

أما دور الإعلام كجهاز رقابي، فيعاني من ضعف مزمن حيث تفرض معظم البلدان العربية قيودا عديدة قانونية وتنظيمية، تختلف درجتها من بلد لآخر غير أنها تجمع في معظمها على سمات مشتركة . ففي معظم البلدان العربية تمتلك سلطة الدولة وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، وتفرض أنظمة لمراقبة الصحافة بدقة . كما تفرض بعض البلدان قيودا على المطبوعات، وتراقب الكتب والصحف والمطبوعات الواردة من الخارج، وتمنع تداول بعضها. كما تجيز بعض القوانين إخضاع المراسلات والاتصالات الهاتفية للرقابة .

ويعطي موقف الحكومات العربية من منظمات حقوق الإنسان، كمؤسسات شعبية رقابية على حقوق الإنسان في بلدانها، مؤشرا بالغ الوضوح حيال هذه الحالة فأغلبية البلدان تنكر بشكل حاسم الحق في تكوين جمعيات لحقوق الإنسان .

وتستكمل هذه الحلقة المعيبة من توسيع الصلاحيات وإضعاف الرقابة القضائية والشعبية، إضعاف مؤسسات المجتمع المدني في البلدان العربية، فتقيّد معظم البلدان العربية حق التنظيم الحزبي والنقابي والحق في تكوين الجمعيات المستقلة . وأما الأقطار التي تأخذ بالتعددية الحزبية، فقد وضع بعضها كمًّا من القيود يستحيل معه إجازة حزب دون اللجوء للقضاء، كما فرض بعضها شروطا سياسية تكاد تجعل من التماثل مع الحزب الحاكم شرطا للتأسيس .

كذلك تحظر بعض السلطات العربية حق التنظيم النقابي، وبينما يعترف البعض الآخر بهذا الحق ويصّرح بقيامه قانونا، إلا أنه يضع له أطرا قانونية تتناقض أحيانا مع الاعتراف القانوني، فلا تعترف بحق العمال في إنشائه وتتولى نيابة عنهم هذه المهمة، ويرصد المراقبون مظاهر عديدة للتدخلات الحكومية والحزبية في إنشاء أو عضوية هذه المنظمات، وفي نشاطاتها وعلاقاتها الإقليمية والدولية، وتخضع أغلب ممارسات المنظمات النقابية والمهنية والاجتماعية للرقابة والمراجعة والتوجيه الحزبي أو الحكومي .

(ب) - تعاني الضمانات الدستورية من ضعف مماثل، فرغم ما تحفل به الدساتير العربية من مبادئ تكفل الحقوق والحريات وضمانات حقوق الإنسان، إلا أنّ معظمها يضعف هذه الضمانات باستدراكات تخل بها، كما يحيل معظمها تنظيم ممارسة الحقوق المختلفة إلى قوانين، عادة ما تفرغها من كل مضمون، ويضمّن بعضها شروطا سياسية تطيح بالضمانات القانونية التي سبق أن أقرتها .

ومن جهة أخرى، تتباين دساتير الدول العربية في مواقفها من الاتفاقيات الدولية، ويبدو هذا التباين واضحا في الموقف من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان، ويعود هذا التباين في المواقف العربية إلى أنّ دساتير الدول العربية ظاهرة حديثة نسبيا، مرتبطة بمدى تقدم مفهوم الدولة الوطنية الحديثة، ومفهوم حقوق الإنسان للمواطن الفرد التي من مسؤولية الدولة حمايتها . فما زالت تلك المفاهيم الحديثة لدولة المواطنين الأحرار تحاول أن تجد لها موقعا مؤثرا في العالم العربي، ويبدو أنّ هذه المحاولة بدأت تجد صدى في العديد من الدول العربية، مما يشير إلى إمكانية تقدم البلدان العربية على طريق مزيد من المصادقة على الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، ليس ذلك فحسب، بل تفعيل هذه الاتفاقيات في الواقع من خلال جعلها جزءا لا يتجزأ من القانون الداخلي للأقطار العربية .

(ج) – يثير تطبيق أحكام الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان في التشريعات العربية، بعد الانضمام لهذه الاتفاقيات، عددا من الإشكاليات القانونية التي تعتبر من معوّقات التطبيق الفعلي لأحكام هذه الاتفاقيات، بينما يجب أن تنعكس آثارها القانونية في التشريعات العربية . ومن الإشكاليات التي تستوجب المعالجة الجدية بغية الممارسة الفعلية لحقوق الإنسان يمكن أن نذكر ثلاثا :

1- ما هي وسائل إدراج الأحكام التي تناولتها الاتفاقيات الدولية في النظام القانوني للأقطار العربية ؟ .

2- ما هي درجة القوة القانونية لنصوص الاتفاقيات الدولية في التسلسل الهرمي القانوني الداخلي للأقطار العربية، وإذا حصل تعارض بين التشريع الوطني النافذ وأحكام الاتفاقيات الدولية فأي نص أَولى بالتطبيق ؟ .

3-هل تجوز إثارة أحكام الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان أمام القضاء الوطني لدى الدولة العربية المنضمة لهذه الاتفاقيات ؟ وما هي الإشكاليات التطبيقية المتفرعة عنها ؟ .

كما تثار عدة صعوبات أخرى في وجه تنفيذ الدول العربية – فعليا - لالتزاماتها نحو الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان . فمن جهة أولى، تلزم الاتفاقيات الدولية الأطراف المتعاقدة بأن تتخذ ما يكون ضروريا لإعمال هذه الاتفاقيات . ومن جهة أخرى، تشترط معظم الدول العربية، لتحوّل أية اتفاقية إلى قانون فاعل، نشر نص الاتفاقية في الجريدة الرسمية للدولة، كما يحدث مع أي تشريع أو قانون محلي جديد . وفي الأغلب لا تقوم الدول العربية بذلك، مما يجعل أمر التحكيم في الحقوق المضمونة في الاتفاقيات صعبا جدا .

‏ ويبدو أنّ المشرّع العربي لم يهتم الاهتمام الكافي بدراسة الآثار القانونية لانضمام الدول العربية إلى الاتفاقيات الدولية عامة، وخاصة تلك التي تتعلق بحقوق الإنسان، رغم أنها من أكثر المواضيع حساسية وإثارة . مع العلم أنّ جميع هذه الاتفاقيات تناولت موضوع التزام الدول المنضمة وخلاصته : اتخاذ إجراءات تشريعية وإدارية وقضائية وغيرها من شأنها تمتّع الأشخاص الخاضعين لولاية الدولة المنضمة لأية اتفاقية بالحقوق التي تناولتها الاتفاقية نفسـها .

ومن المؤكد أنّ الدول تختلف في وسائل إدراج أحكام الاتفاقيات الدولية في تشريعاتها الوطنية تبعا لأنظمتها الدستورية، إلا أنّ السمة الغالبة والمشتركة بين معظم الدول العربية هي نشر قانون التصديق في الجريدة الرسمية للدولة، كي يصبح المواطنون والسلطات الإدارية والقضائية في الدولة المعنية على علم بنصوص الاتفاقية وبالتالي تطبيق أحكامها . ومن الإشكاليات المعروفة في أغلب الدول العربية يمكن التطرق إلى عدم نشر نصوص الاتفاقيات الدولية بشأن حقوق الإنسان بشكل رسمي، مما يثير إشكالا أمام القضاء أو الإدارة .

وتختلف الدول العربية في المرتبة التي تعطيها للاتفاقيات الدولية في سلّم القوانين الداخلية، ففي حين تعطيها عدة دساتير عربية قوة القانون، بعد التصديق عليها ونشرها في الجريدة الرسمية (تونس، البحرين، الجزائر، السودان، قطر، الكويت، مصر)، فإنّ بقية الدساتير العربية لا تنص على مرتبة الاتفاقيات الدولية في القانون الداخلي، غير أنّ أغلبها ينص على أنّ المعاهدة تؤخذ بمقتضى " مرسوم " أو " قانون "، وبذلك تأخذ هذه الاتفاقيات المرتبة التي يأخذها المرسوم أو القانون في تلك الدولة .

ومن المؤكد أنّ مبدأ احترام الاتفاقيات يشكل أساس القانون الدولي العام، فبدونه ينتفي كل تعامل أو وفاق دولي . كما أنّ هناك " معاهدة فيينا " المؤرخة في 23 أيار/مايو 1965، والتي تنص في ديباجتها على أنّ حرية الانضمام للمعاهدات ومبدأ حسن النية وضرورة تنفيذ الاتفاقيات مبادئ معترف بها عالميا، وأنّ شعوب الأمم المتحدة تؤمن باحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات، وبأنّ تطوير الاتفاقيات من شأنه خدمة أهداف الأمم المتحدة واحترام حقوق الإنسان . وأضافت (المادة27) أنّ الأطراف لا يمكنهم التذرع بالقانون الداخلي لتبرير عدم تنفيذ معاهدة صادقوا عليها .

(د) - تشكل البنية الثقافية ـ الاجتماعية مصدرا إضافيا للعقبات التي تحول دون تطوير حقوق الإنسان في العالم العربي، خاصة حيال بعض فئات هذا المجتمع وفي مقدمتها المــرأة . فمن ناحية تنظر الحكومات العربية إلى مفاهيم حقوق الإنسان على أنها إطار جديد لممارسة المعارضة السياسية تتخفى وراءه قوى المعارضة لتحقيق المآرب نفسها، أو أنها وسيلة للتدخل في الشؤون الداخلية للدولة .

ولا يقتصر خلط المفاهيم على الحكومات، فالواضح أنّ ثمة محاور أخرى للخلط حيال مفاهيم حقوق الإنسان لدى الرأي العام العربي . فمن ناحية هناك من يعتقد أنّ حقوق الإنسـان " اختراع غربي " لتحقيق مآرب  سياسية، ومن ناحية أخرى هناك الانتقادات حول عدم جدوى الطابع الإصلاحي لحركة حقوق الإنسان . ثم هناك، وهذا هو الأهم، المشادة المثيرة للحزن بين أنصار حقوق الإنسان في الإسلام، وتلك الواردة في الشرعة الدولية، وغموض مفهوم الخصوصية الثقافية . وتطرح هذه الاختلافات أشكالا متعددة من البلبلة حول مفاهيم حقوق الإنسان، كما تضعف بشكل عام من تعميق الفكرة ودرجة اقتناع الرأي العام بها، كما تضاعف من مشاكل المنظمات العاملة في حقل حقوق الإنسان .

وتنبع من الهيكل الثقافي ـ الاجتماعي أيضا مشكلة كبرى أخرى، وهي موقف المجتمع من حقوق المرأة . فمن المؤسف أنّ حقوق المرأة تعاني من الانتقاص مرتين، مرة بسبب التمييز القانوني حيال بعض حقوقها، ومرة أخرى بسبب النظرة الاجتماعية ـ الثقافية المؤسفة للمرأة ودورها، والتي تحمل طابعا أشد إضرارا بحقوقها، حتى كان على المرأة العربية أن تبدأ نضالها من أجل حقوقها في أحد الأقطار العربية بالمطالبة بالحق في قيادة السيارة . ولم تقتصر هذه المواقف السلبية على البلدان الخليجية فحسب، فبين البلدان التي قطعت شوطا على طريق الإقرار للمرأة بحقوقها صدرت دعوات لعودتها إلى المنزل في إطار المناقشات حول مشكلات البطالة، وحال موقف أوساط رجعية دون دخولها المجالس النيابية كلية أو بنسبة ضئيلة . كما تتعرض المرأة في العديد من البلدان العربية لما يسمى بظاهرة العنف في الوسط العائلي .

وتخل مجمل هذه المعوّقات بالتوازن بين سلطات الدولة من ناحية وبين السلطة والمجتمع من ناحية أخرى، وبالتوازن الاجتماعي من ناحية ثالثة . ففي إطار هذا الخلل المركب كان من الطبيعي أن تستشري أعمال العنف، والعنف المضاد، وأن تتردى العلاقات بين الأغلبية والأقليات العرقية والدينية في الكثير من بلدان العالم العربي، وألا تجد بعض الحكومات أو الجماعات السياسية حرجا من استدعاء العون الخارجي طلبا للاستقواء أو الحماية وأن يتم تطبيع كل هذا الشذوذ في إطار من اللامبالاة أو التجاهل تنذر بأوخم العواقب .

 

تونس في 8/12/2004                      الدكتور عبدالله تركماني

                                          كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

                                             teab@planet.tn