عن المقاومة .. والوحدة الوطنية ومستقبل العراق .

رجاء الناصر

 أمين سر المكتب التنفيذي

لتجمع لجان نصرة العراق في سورية

  في مناظرة تلفزيونية جرت بيني وبين عراقيين ينتميان إلى جماعات مجلس الحكم المحلي , حول أولوية المقاومة , أم الوحدة الوطنية في العراق بمناسبة مرور عام على الاحتلال , قلت على عكس ما ردده " العراقيان ":أن بناء الدولة في ظل الاحتلال مستحيل , وأن الوحدة الوطنية لا يمكن أن تتحقق بدون الالتفاف حول المقاومة , وأن عمليات المقاومة التي تجري اليوم والتي لا يزال معظمها ينطلق من مناطق معينة في وسط العراق , ستنتشر , وسينضم إليها كثيرون وخصوصاً في الجنوب وأن في مقدمة المرشحين للانضمام إليها الزعيم  الشاب مقتدى الصدر , بينما رفض المسؤولان العراقيان " هذه القراءة , وقالا : أن المقاومة الراهنة تعمق الانقسام وانهما يفضلان الاحتلال عليها .

مضى أسبوع واحد على تلك المناظرة وإذ بالأحداث تتفجر على امتداد الساحة العراقية وإذا بالمقاومة المسلحة تتسع رقعتها , لتتلاحم سواعد المجاهدين في الفلوجة والنجف وكربلاء والرمادي والموصل , ورفع المتظاهرون في الموصل وبغداد والرمادي وبعقوبة وجميع مدن المثلث " السني " صور مقتدى الصدر , بينما انخرط عناصر جيش المهدي إلى جانب المقاتلين في الفلوجة وأبو غريب , في مشهد مؤثر وشديد الدلالة , حيث أسقط مجاهدو جيش المهدي كل الاتهامات التي جرى الترويج لها , عن أن المقاومة المسلحة هي مجرد عصابات من فلول النظام السابق أو من

( إرهابيي القاعدة ) كما أسقط أبطال الفلوجة ومقاومو وأبناء محافظة الأنبار والموصل كل الاتهامات عن تعاون أهلهم في الجنوب مع الاحتلال .

هذا المشهد العراقي الذي لمسته في مناظرتي صعب على الكثيرين فهمه بعد سنوات طويلة من خداع الذات عن إمكانية إعادة صياغة الوجدان العربي على قواعد قبلية وعشائرية وطائفية تفوق أو تعلو على الهوية الوطنية القومية , فقد صدق كثيرون تلك الأكذوبة عن موت العروبة كرابطة جامعة لإبناء المنطقة , وعن تلبد الشعور القومي بسبب الانكسارات والهزائم التي تعرض لها, وبسبب النظام الاستبدادي القمعي الذي حكم في كثير من الأوقات تحت الراية القومية العربية.

·    خلال عام من الاحتلال بذلت جهود مضنية لخلخلة الوحدة الوطنية وساهم فيها كثيرون ممن قالوا برفض المقاومة المسلحة , وأتباع العمل السياسي لبناء الدولة وإخراج المحتل سلماً , وفي مقدمة هؤلاء جماعات مجلس الحكم المحلي الذين قاتلوا من أجل تكريس الطائفية والمذهبية وعملوا على إعادة تركيب الدولة ومؤسسات السلطة على أساسها , فتكوّن المجلس على قاعدة التقسيمات المذهبية والأثنية . سنة وشيعة وأكراد وتركمان ومسيحون ومن الملاحظ هنا مفارقة رئيسية تلك القاعدة المذهبية الأثنية المركبة , فمقابل الكرد والتركمان لم يطرح العرب , بل سنة وشيعة , وألغيت الهوية الوطنية للدولة في حرب غير معلنة على عروبة العراق وهويته الإسلامية اللتين تشكلان عامل التوحيد الأساسي للمجتمع العراقي .

2

  قد لا تحافظ الانتفاضة الشعبية الراهنة في العراق على زحمها الراهن , فالأمور لم تنضج بعد لتتحول المقاومة إلى ثورة شعبية تقوم بعملية التحرير , ولكنها مع ذلك كانت مهمة جداً وجاءت في توقيت مناسب فإضافة إلى قطعها الطريق أمام ما كان يخطط من حرب طائفية عبر زرع عوامل اللا ثقة  بين أطياف الشعب العراقي استطاعت هذه الانتفاضة أن تعطي صورة واضحة للعالم أجمع عن وحدة العراقيين وعن موقفهم الموحد ضد الاحتلال , قبل هذه الانتفاضة كان المستعمرون ومعهم آلتهم الإعلامية الضخمة يصورون أن المقاومة هي مجرد جماعات صغيرة وقليلة وما تحققه من نجاحات نسبية يعود إلى كفاءتها وخبراتها المكتسبة سابقاً سواء من خلال انتماء عناصرها إلى تشكيلات عسكرية وأمنية سابقة , أو لكونها مدربة على حرب العصابات في أفغانستان بواسطة منظمة القاعدة , لكن الاستيلاء السهل للمقاومين على معظم المدن العراقية وظهورهم العلني والمكثف وسط الشوارع وفي قلب التظاهرات الحاشدة , وممارستهم للعمل السياسي عبر القتال والتفاوض كشف أن هذه المقاومة مدعومة من أغلبية شعبية , وهي أغلبية دفعت المتعاونين مع الاحتلال إلى اتخاذ مواقف منفصلة عن أسيادهم , وحاولوا أن يكونوا وسطاء بين الطرفين , حتى الشرطة والجيش اللذين شكلهما المحتلون ظهرت عليهما معالم التمرد فقد رفض قسم كبير من عناصر الجيش المشاركة في حصار الفلوجة واقتحامها , وجاء في تقرير أمني أن قيادة الجيش تخشى أن ينضم عناصر الوحدات العراقية إلى المقاومين كما حدث بالنسبة لعناصر الشرطة في بداية الانتفاضة الذين انضم بعضهم إلى جيش المهدي في البصرة والكوفة وكربلاء .

كما أبرزت الانتفاضة قيادات شعبية جديدة في معظم الأحياء والمدن وهو ما يمكن أن يولد نخباً قادرة على قيادة العمل الشعبي بعيداً عن الاستقطاب السابق بين أنصار النظام القديم وبين مؤيدي الاحتلال .

3

  من أبرز المخاطر المستقبلية على وحدة الشعب العراقي محاولة المحتلين الاستقواء ببعض المليشيات المحلية من جماعات " قوات بدر " أو ( البشمركة ) , لضرب الحركة الوطنية العراقية , ولعل هذا ما دعا بعض القيادات العربية الوطنية مثل وليد حنبلاط لتنبيه الملاّ مسعود البر زاني من مخاطر هذا التحرك , والتنبيه إلى عدم الرهان على أمريكا , ووضع كل البيض الكردي في سلتها , وأن مثل هذا التحرك لن يكون في صالح الأكراد في العراق أو في المنطقة , وربما يكون توجيه الرسائل إلى االبرزاني من قبل بعض القيادات العربية له دلالاته , وفي مقدمتها الشعور بالمرارة من مواقف السيد جلال طالباني الذي حظي بدعم ورعاية عربية واضحة خلال السنوات السابقة , وهي رعاية لم تجد سوى النكران فقد تحول إلى أشد مناصري أمريكا ضد العرب , ومنها أيضاً أن  االبرزاني يملك مخزوناً من خبرة التجارب المريرة مع الأمريكان الذين تخلوا عنه وعن أبيه الملا مصطفى في كثير من المنعطفات السابقة , وهو ما يجعله أكثر حذراً من غيره من القيادات الكردية , وربما أكثر استشعاراً بصعوبة تحقيق مطامحه في ظل المعطيات الإقليمية الراهنة .

تعاون الأكراد مع الأمريكان في وأد الانتفاضة في مناطق العراقية المختلفة سيؤدي إلى قطيعة نهائية مع العرب ليس في العراق وحده , وإنما على امتداد الوطن العربي , والإسلامي أيضاً , وهو لن يساعد بدوره على تحقيق حلم الدولة الكردية المستقرة والآمنة , ولا يقرب الطريق إليها , وبدورها مليشيات بدر ستخسر الكثير حيث سيتعزز النظر إليها باعتبارها لا تمثل طيفاً عراقياً خالصاً وإنما هي امتداد خارجي , وهو سيضعف دور إيران الإقليمي بدل تعزيزه , وهو بالقطع يتنافى مع السياسة الإقليمية الإيرانية الراهنة التي تسعى لجر الولايات المتحدة الأمريكية للغرق أكثر في المستنقع العراقي مما يخفف الضغط الأمريكي على إيران وغيرها وهو ما صرح به علناً ( رئيس مجمع تشخيص النظام ) هاشمي رفسنجاني . كما أن مثل هذا التحرك سيفقد قوات بدر الكثير من أنصارها الذين تحول معظمهم إلى تيار مقتدى الصدر .

4

  الإعلان رسمياً عن وجود مرتزقة أمريكيين ومن جنسيات أخرى يعملون إلى جانب القوات الأمريكية ويقومون بمهام أمنية قذرة , يعطي التبرير العملي لاستهداف هؤلاء من قبل المقاومة وتصفيتهم , وخصوصاً بعدما تبين أن هؤلاء يعملون تحت اسم ( مقاولين ) كما أنه يبرر عمليات اختطاف لعناصر تقول الولايات المتحدة أنهم ( مدنيون ) ويجعل من الصعب إدانة تصرفات المقاومة أو بعض جيوبها ضد هؤلاء , حتى ولو وقعت بعض الأخطاء , حيث تبقى قوات الاحتلال مسؤولة عن تلك الأخطاء من خلال زجها لعملائها في مهام قذرة ترتكب من قبل هؤلاء الذين يعملون بصفة مدنيين أو مقاولين , ومن جهة أخرى فإن الكشف عن وجود آلاف المرتزقة الأمريكيين أو العاملين معهم من جنسيات أخرى , والذين يقومون بأعمال قذرة مأجورة لا يستقيم مع ذلك الإصرار الأمريكي على إدانة تسلل بعض المجاهدين العرب لمساندة إخوانهم في القتال ضد قوات الاحتلال .. حيث يظهر الكيل بمكيالين بصورة فاضحة ناهيك عن اختلاف الدوافع بين مرتزقة مأجورين وبين مناضلين ومجاهدين يقدمون أرواحهم للدفاع عن مبادئ ومثل عليا .

5

  الانتفاضة العراقية المسلحة الشاملة . لن تكون آخر المطاف بل ستكون مدخلاً لمقاومة مستمرة ومتصاعدة , ولانتفاضات متجددة حتى يخرج المحتلون ويتحرر العراق على طريق بناء عراق عربي موحد وديمقراطي  . حيث أن الثقة بين أطياف الشعب العراقي ووحدته الوطنية ستفتح الطريق إلى تعزيز التحول الديمقراطي لدى جميع المقاومين والمناضلين والمجاهدين