عن الإصلاح و التغيير الديمقراطي في سورية بقلم : رجاء الناصر

قبل الحديث عن متطلبات الإصلاح في سورية علينا أن نتوافق على طبيعة الإشكالات و الأزمات التي تعيشها سورية واحسب أن هناك مساحة واسعة من التوافق الضمني بين معظم السوريين على أن الفساد تحول من ظاهرة إلى جائحة , و أن طبيعة النظام استبدادي تسلطي , و هناك غياب مشاركة , و حيث التزاوج بين الاستبداد , و الفساد الذي نتج عنه تحول السلطة من ممثلة مفترضة للطبقات الكادحة والمتوسطة إلى سلطة تعبر إلى حد التطابق عن الطبقة الرأسمالية الطفيلية عبر تحول عناصر السلطة الثورية من أبناء الفلاحين و العمال إلى شرائح عليا في الطبقة الطفيلية هذه التوليفة ما كان لها أن تكون بهذه الصورة لولا الطبيعة الشمولية والأمنية للنظام التي أحكمت قبضتها على المجتمع بالقوة المجردة ,أولا , و بقوة القانون المفروض من قبلها و ليس بإرادة المواطنين ثانيا . إن الخروج من هذه الأوضاع و التي يجري التعبير عنها بمصطلح الإصلاح والتطوير تقتضي بشكل رئيسي أمرين أساسيين :

أولهما: تغيير النخبة الحاكمة المسؤولة عن الأزمات , وعن ما وصلت إليه البلاد و فرز عناصر بديلة تحمل برامج و تيارات (إصلاحية ) .

ثانيهما : تغيير رئيسي في طبيعة السلطة و المفاهيم الأساسية التي يقوم عليها شكل الحكم من "الشرعية الثورية " إلى قاعدة " الشرعية الديمقراطية " , أي نسف مرتكزات النظام الشمولي لصالح نظام تعددي تستمد السلطة مشروعيتها فيه من الإرادة المتبدلة للمواطنين عبر الاحتكام الدوري لصندوق الاقتراع .

إن الإصلاح أو التغيير الديمقراطي على ضوء هذه الفلسفة يتطلب تعديلات وتغييرات في النظام القانوني للدولة , وليس مجرد تجميلات جزئية هنا أو هناك , وهو إصلاح شامل ينطلق من القاعدة الفلسفية الديمقراطية المنوه عنها ويتطلب لتحقيقه :

1-       إلغاء النص الدستوري حول وجود حزب بعينه يملك حق قيادة الدولة والمجتمع , حيث أن هذا النص ينطلق من أن هناك حزباً أو فكرة أو مجموعة من الأفراد هم فوق المجتمع , وإن هناك مشروعية خارج نطاق إرادة المواطنين المتبدلة عبر صندوق الاقتراع وحده , إلغاء هذا النص يقتضي إلغاء حزمة من القوانين التي تستند إليها وتتعلق بمؤسسات المجتمع والهيئات النقابية والمهنية , ومن المهم هنا أن ننوه إلى أن الاستناد إلى فرض القيادة لحزب بحكم القانون ,يتضمن اعترافا ضمنيا بأن هذا الحزب لا يستطيع الاستمرار بالحكم عبر الديمقراطية و عبر انتخابات حرة .

2-       اعتبار حقوق الإنسان الأساسية المستمدة من شرعة حقوق الإنسان فوق أي نصّ دستوري أو قانوني , وهي ملزمة للجميع ولا تسقط العقوبات التي يستحقها المتعدين على هذه الحقوق بالتقادم .

3-       إعادة الاعتبار لمبدأ المحاسبة ,وتطبيق قانون من أين لك هذا على جميع المسؤولين دون أي استثناء.

4-       التأكيد على حق المواطنة لجميع السوريين بما تفرضه تلك المواطنة من حقوق وواجبات متقابلة.

5-       إعادة الالتزام الإجمالي بضمان متطلبات المواطنة الأساسية من ضمان صحي, وحق العمل (التعويض على العاطلين عن العمل).وضمان شيخوخة , وحق التعليم المجاني , الخ.....

هذه هي القاعدة الأساسية التي يجب أن يتشكل عليها الإصلاح والتغيير الديمقراطي,في سورية.والذي هو بطبيعته إصلاح شامل مدخله تغيير مفاهيمي ,

وإصلاح سياسي , أي إصلاح طبيعة السلطة وأدواتها. الإصلاح الشامل يمكن أن يكون متدرجا , بل إن الطريق الأسلم في الظروف الراهنة هو التدرج السلمي,ولكن لتحقيق هذا الانتقال السلمي والتدرجي والشامل بآن واحد يتطلب توفر عناصر أساسية في مقدمتها وجود تيار يقود أو يدفع إلى هذا التغيير وأن يمتلك هذا التيار برنامجا واضحا للإصلاح والتغيير.

الإشكالات الأساسية أمام حركة الإصلاح والتغيير الديمقراطي في سورية أن قوى وتيار الإصلاح موجودين خارج السلطة , وليس هناك تيار إصلاحي داخل السلطة , ونحن هنا نتحدث عن تيار وليس مجرد أفراد هنا أوهناك,ونتحدث عن برامج إصلاحية معلنة , وليس عن نوايا ورغبات,ونتحدث عن رغبة جدية بالإصلاح وليس مجرد رفع الإصلاح كشعار لقطع الطريق على آخرين .

إن الدعوة الإصلاحية السورية الجدية ترتكز على بعض القوى والأحزاب السياسية التي أجرت تغييرات واسعة في برامجها السياسية ومنطلقاتها الفكرية لصالح التعددية والتخلي عن الشمولية , وهي أحزاب ضعيفة التأثير في الوقت الراهن بسبب مصادرة السياسة من المجتمع طوال أربعة عقود , وهي تمثل اليوم حالة اجتماعية وقوة ضغط جزئي أكثر من أن تمثل قوة فرض للتغيير , وتحتاج إلى فترة ليست بقليلة لتستعيد قدرتها على فرض مطلبها بالإصلاح والتغيير , والقوة الأخرى هي قوة ضغط خارجية تدعو للإصلاح والتغيير الديمقراطي , وهذه القوة تتشكل أساساً من الإدارة الأمريكية , ومن الاتحاد الأوروبي , ولكن هذه القوى لها " أجندة " خاصة وأهدافاً متعارضة مع مطلب الحركة الإصلاحية الوطنية فهي تربط الإصلاحات بتنازلات أساسية عن المصالح الاستراتيجية القومية العليا , كما أنها لا تملك مصداقية تاريخية وعملية في مجال الإصلاح الديمقراطي , ويعتبر احتلال العراق نموذجاً عن طبيعة أهداف وسياسات هذه القوى الخارجية , ورغم أن هناك تبايناً بين الموقفين الأمريكي الصهيوني , والأوروبي إلا أن هناك تقاطعات هامة من قبل الأوروبيين مع الإدارة الأمريكية في بعض المفاصل الهامة , القوة الثالثة في عملية الإصلاح والتغيير هي اشتداد الأزمات الداخلية الاقتصادية والاجتماعية وانسداد سبل الخروج منها عن غير طريق الإصلاح الجذري .

في ظل هذه المؤثرات والمصالح المتناقضة وغياب حركة إصلاحية جدية داخل السلطة تصبح مهمة الإصلاح والتغيير معقدة وصعبة وهي تحتاج إلى :

1-       استعادة قدرة القوى الديمقراطية على التأثير في الشارع الشعبي , ودفعه إلى الانتقال من حالة الكمون والسلبية إلى دارة الفعل الإيجابي , عبر تبني مصالحه المباشرة , وتغيير الخطاب التقليدي وقيادة نضالات شارعية مطلبية ووطنية مستمرة ومتصاعدة .

2-       رفع سقف مطلب الإصلاح إلى التغيير الديمقراطي , والقطع مع القبول بمجرد قبول تجميلات شكلية في سياسات النظام .

3-       في الوقت الذي يمكن فيه الاستفادة من ضغط الرأي العام الدولي إلا أنه يجب القطع مع أي استقواء بالخارج وبالتحديد القطع مع مطالب هذا الخارج فيما يتعلق بالمصالح القومية العليا .

4-       الدفع لبلورة تيار إصلاحي داخل السلطة وتقوية هذا التيار عند وجوده , وعدم اتخاذ موقفاً واحداً تجاه جميع عناصر السلطة , دون التخلي عن الموقف العام منها .

5-       رفع مطالب أولية تشكل مدخلاً للإصلاح وتكون محل إجماع وطني , وتحقيق اصطفاف وطني عريض حولها , دون السعي لتحويل هذا الاصطفاف إلى شكل آخر لعقلية شمولية بديلة .

ويمكن إجمال هذه المطالب بـ :

1-       إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين والسماح بعودة المنفيين القسريين والطوعيين , وتصفية الإشكالات الناجمة عن الاعتقالات السابقة , والكشف عن مصير المفقودين وتسوية أوضاعهم القانونية .

2-       إلغاء إعلان حالة الأحكام العرفية , أو حصرها في المناطق الحدودية مع العدو الصهيوني ولمدة قصيرة قابلة للتجديد عند الضرورة .

3-       إصدار قانون للأحزاب وللجمعيات يسمح بتشكيل أحزاب سياسية وجمعيات اجتماعية وثقافية على قاعدة التعددية , دون التدخل من السلطة السياسية والإدارية .

4-       إصدار قانون جديد للانتخابات على قاعدة النسبية , وحرية تشكيل القوائم وضمان نزاهة تلك الانتخابات التي تخضع لإشراف جهات محايدة ومستقلة .

5-       إعادة الاستقلالية للسلطة القضائية وكفالة نزاهتها وحياديتها .

6-       رفع الوصاية عن النقابات المهنية والعمالية .

7-       إصدار قانون من أين لك هذا ... ومنع الفاسدين من تولي الوظائف العامة .

إن تحقيق هذه المطالب يشكل مدخلاً لتجديد النخب السياسية ولبلورة تيار تغيير ديمقراطي داخل السلطة وخارجها ويساهم في إعادة السياسة للمجتمع , وبالتالي يطلق إمكانية تنفيذ إصلاح حقيقي شامل في الاقتصاد والإدارة كما في السياسة .

إن عملية الإصلاح والتغيير في هيكلية السلطة وبناها السياسية , يجب أن يترافق مع استمرار عملية التغيير الديمقراطي داخل أحزاب المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني , للتخلص نهائياً من موروثات العمل السري الطويل وأمراضه , ومن بقايا الفكر الشمولي , ليصبح الحزب , أي حزب مجرد ممثل لأعضائه ومناصريه , وليسمح بالحرية التامة لأعضائه بحيث لا تزول شخصية الفرد وتذوب ضمن الشخصية الجمعية للحزب , وبحيث تعم قاعدة الانتخاب المباشر لمؤسسات الحزب القيادية على جميع المستويات . وأن تصبح البرامج السياسية والاجتماعية والتوافق حولها هي معيار العضوية على حساب العصبيات العائلية والقبلية والجهوية أو غيرها من العصبيات وعلى حساب الهوية الشعاراتية الكلاّنية .