محنة الأمة ودور المثقف في الزمن العربي الصعب

 بقلم: عبد الله تركماني

يبدو النظام الإقليمي العربي في حالة ضعف واضحة، إذ يجد نفسه عاجزا عن التعاطي المجدي مع التحديات الكبرى التي تواجه الأمة العربية . فما تبقى من فلسطين يضيع والفلسطينيون يموتون ألف ميتة يوميا، والعراق بات تحت الاحتلال ويتشكل من جديد، وحالة التنمية الإنسانية العربية ما فتئت تتدهور في مجالات عديدة، والسماء تمطر مبادرات إصلاح من هنا وهناك .

وفي هذا السياق، وضعت تونس الحكام العرب أمام مسؤولياتهم حين اختارت أقل الضررين، إذ أنّ تأجيل انعقاد القمة العربية كان أفضل من إعلان البيانات المجافية للواقع، وقد يساهم ذلك في طرح الأسئلة الجوهرية على قادة الأمة في هذا الزمن العربي الصعب . كما أنّ الاجتماع الموازي للقمة حول " دور المجتمع المدني في تطوير جامعة الدول العربيــة "، الذي انعقد بتونس خلال يومي 27 و 28 مارس/آذار 2004 بدعوة مــــن " المعهد العربي لحقوق الإنسان " و " شبكة المنظمات العربية غير الحكومية للتنمية "، قد يساهم هو الأخر في إدراك أهمية المجتمع المدني في صياغة مستقبل النظام الإقليمي العربي .

وإذ يمنح التاريخ للأمم لحظات حاسمة من حياتها حتى تقف أمام الحقائق العارية لاستخلاص الدروس الكبرى لمواصلة البقاء، فإننا أمام لحظة فاصلة يتحتم فيها على الأمة العربية أن تحسن استشراف ما هو متوقع ومحتمل، بعيدا عن التمني والرجاء، وبعيدا عن الاستغراق في الأوهام .  

لقد دخلنا بعد نهاية الحرب الباردة، وأكثر بعد سبتمبر/أيلول 2001، وخاصة بعد سقوط بغداد، في مرحلة جديدة تماما لم تعد أنساق التفكير النظامية تساعد في فهمها أو تخيّل مخارج ممكنة منها . ثمة ثقافة بكاملها تحتاج إلى المساءلة، بمرجعياتها ومؤسساتها ونماذجها ورموزها وإعلامها وخبرائها، هي ثقافة المكابرة وتبجيل الذات والثبات على الخطأ والتستر على الآفات والهروب من المحاسبة، فضلا عن القفز فوق الوقائع والخوف من المتغيّرات ومجابهة المستجدات بالقديم المستهلك، بل بالأقدم أو الأسوأ من المفاهيم والتقاليد أو الوسائل والأدوات والمؤسسات .

والسؤال هو : كيف نعيد بناء النظام العربي من حيث هو نموذج للحكم والإدارة والإنتاج داخل كل قطر عربي، ومن حيث هو منظومة تعاون وتكتل وتضامن بين الحكومات والمجتمعات العربية جميعها ؟ . إذ يبدو أنّ الدور الأساسي للمثقف يندرج - تحديدا - في المساهمة الجدية في صوغ هذه الرؤية الجديدة وفي العمل على نشرها وتطبيقها في الواقع، وهذا يتطلب حسا نقديا عميقا وجرأة على التخلص من النماذج القديمة التي عفا عنها الزمن، وقدرة على التواصل مع قطاعات الرأي العام المختلفة، وارتفاعا على المصالح الآنية .

إنّ المثقف النقدي يملك أكثر من غيره حساسية للقلق بسبب بنيته التجاوزية، فمنذ مقالة الكاتب والأديب الفرنسي إميل زولا عام 1898، التي حملت العنوان الشهير " إني أتهم "، كان هذا المثقف داعية للتطور والتغيير وناقدا للتقليد والجمود . خاصة أنه كلما اشتدت خيبات الأمة، يتم التوجه إلى المثقف العربي بالسؤال عن هذه الخيبات، والمفارقة الطريفة في ذلك كله هو تضخيم الحديث عن دور المثقف واستقلاليته .

وفي الواقع، لا يخفى على كل ذي بصر وبصيرة أنّ العجز العربي الذي بدا واضحا في السنوات الأخيرة يعود إلى أسباب عديدة تغور في أعماق الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية العربية، ويبدو أنّ من أهم هذه الأسباب العلاقة الخاطئة بين المستويين الثقافي والسياسي، أو القطيعة العميقة بين أصحاب الرأي وأصحاب القرار.  وبالرغم من هذا الأمر الواقع، كلما انتهى مشروع عربي إلى فشل، تجد كثيرا من أصابع الاتهام تشير إلى المثقفين لتلقي على عاتقهم وزر الفشل وتجعل منهم السبب الأساس للخيبات العربية، وكأنهم القائمون الفعليون على أمور مجتمعاتهم وأصحاب الحل والربط فيها  .

ويأخذ المثقفون، الحاملون لقضايا الشأن العربي العام، على النخب الحاكمة ترهلها وفسادها وضعف إنجازاتها وتجاهلها للمصالح والحقوق الوطنية وتعلقها المتزايد بمصالحها الخاصة الفئوية وعجزها عن بناء استراتيجيات وطنية وقومية قادرة على الوقوف في وجه التحديات العاتية التي لا تكف المجتمعات العربية عن مواجهتها، خصوصا بعد زوال الحرب الباردة وتصاعد سطوة الولايات المتحدة وسيطرتها العالمية والإقليمية . وهم يعتقدون أنّ استمرار الأوضاع كما هي ورفض التغيير وقبول مشاركة الشعب ونخبه المختلفة في الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية سوف يقود حتما إلى مضاعفة آثار الكارثة القومية، وأنّ شيئا لا يبرر أن تُترك أمور اتخاذ القرار وبلورة السياسات العامة لنخب لم تحقق نجاحا ملحوظا في قيادة المسيرة الوطنية والقومية وفي إدارة الموارد البشرية والمادية . وهم يعتقدون أنّ ضمان الاستقرار لا يتحقق بكبت الحريات وتأبيد القوانين الاستثنائية وإنما بالإصلاح السريع والجدي الذي يعطي للشعوب فرصة تحسين أوضاعها ومشاركتها في حمل المسؤولية ويطمئنها على نفسها وعلى مستقبلها ويعزز ثقتها بقيادتها . أما الاستمرار على النهج القديم الذي أنتج الأوضاع الكارثية الحالية التي جعلت من العالم العربي آخر منطقة من حيث النمو في العالم أجمع فلن يقود إلا إلى انفجارات قريبة ستدفع الشعوب ثمنا غاليا لها، وربما أدت إلى القضاء على جميع المنجزات الجزئية التي تحققت في القرن الماضي .

إنّ انعقاد القمة العربية دوريا لا يعني نجاحا للعمل العربي المشترك، كما أنّ تأجيل انعقاد القمة لا يعني فشلا له، فكم من قمة " ناجحة " عكست ذلك الفشل وكم من قمة " فاشلة " نجحت في زيادة أوجه التعاون بين الدول العربية أو بعضها . العمل العربي المشترك لا علاقة له بالقمم ونجاحها وفشلها، هو قصة أخرى مختلفة لها عواملها الخاصة الذاتية من جهة وعوامل خارجية من جهة أخرى، ومن دون مقاربة كل هذه العوامل سيبقى الجهل هو العامل المشترك بين كل الباحثين عن العمل العربي المشترك .

ويبدو أنّ أغلب المقاربات العربية الرسمية للعمل العربي المشترك تمحورت حول قضية واحدة " السلطة أولا ", بمعنى أنّ النخب الحاكمة تعاطت مع غالبية المواضيع المندرجة في خانة العمل المشترك استنادا إلى مدى قربها أو بعدها من أهدافها الخاصة المتعلقة تحديدا بكيفية إدارة السلطة والتشبث بها . وبذلك ارتكز العمل العربي المشترك على فرضيــــة " الارتياب المشترك "، فتبادل الاتهامات بـ " الأمركة " مثلا سببه أنّ دولا دخلت على خـط " العلاقات المميزة " مع الولايات المتحدة الأمريكية وقدمت أكثر من دول تحتفظ بـ " علاقات تاريخية "، وتبادل الاتهامات بـ " ضرب التعاون " مثلا سببه أنّ دولا رفضت السير في أجندة دول تعتبر نفسها الأكثر أهلية لتصدر المبادرات، وتبادل الاتهامات بـ " التآمر" مثلا سببه أنّ دولا مارست واقعية سياسية في ظرف ما فأعطت علنا ما كانت دول تريد أن تشتري وتبيع به تحت الطاولة سرا .

المهم أن تنعقد القمة العربية وأن تخرج بقرارات معقولة في مستوى مرحلة ما بعد الزلزال الذي ضرب المنطقة والذي تمثل في الاحتلال الأميركي للعراق وتداعياته . ولذلك، لا يمكن لوم تونس على اتخاذها قرارا بتأجيل القمة، نظرا إلى أنّ التأجيل يمكن أن يفسح في المجال لمزيد من المشاورات التي يمكن أن تؤدي إلى تحسين صيغتي القرارين المتعلقين بالإصلاحات السياسية والاجتماعية والنزاع العربي ـ الإسرائيلي .

مسألة أخرى لا بد من الإشارة إليها هي أنه من السهل إلقاء اللوم على تونس، ولكن ليس سهلا إخفاء المسؤولية العربية الجامعة التي أدت إلى تحويل جامعة الدول العربية إلى ما هي عليه اليوم . كما أدت إلى إضفاء صورة هزلية على كل الاجتماعات العربية، وخصوصا القمم العربية، حيث يتم تدبيج أوراق وبيانات فيها ما يكفي من الحشو لبناء أبراج من الكذب على الإنسان العربي .

   إنّ تأجيل عمليات الإصلاح الداخلي للمجتمعات العربية بحجة القضايا الكبرى والمعارك القومية وبدعاوى " لا صوت يعلو فوق صوت المعركة " وغيرها، إن لم يكن سذاجة وتبسيطا مخلا، فهو موقف يصب – عمليا - في خانة المستفيدين والمنتفعين من تأجيل الإصلاح وتأخيره، وهم حراس الفساد المقيم الذين يتمنون مثل هذه الانشغالات الشعبية بالمعارك الكبرى بل وينفخون في نارها ليخلو لهم جو العبث بالمقدرات العامة، ملتقين في ذلك موضوعيا، ودون الحاجة إلى تفسير تآمري، مع مختلف القوى المعادية للأمة والتي تريد لها أن تستنزف قواها في معارك خارجة عن إرادتها، لئلا يتنامى نموذج عربي فعال وملموس، قادر على مواجهتها في الأرض العربية .

إنّ إعادة هيكلة جامعة الدول العربية قد تنعكس إيجابيا على العرب اليوم فيما إذا اتجهت نحو : دمقرطة الحياة السياسية والاجتماعية العربية في كل قطر عربي، والعمل المؤسساتي من أجل نجاح الإصلاح في واقع اقتصادي واجتماعي وسياسي وثقافي عربي متأخر، وإعادة صياغة العمل العربي المشترك وفقا لمنظومات عربية وظيفية مرنة : أمنية واقتصادية وثقافية وسياسية، والتوازن في العلاقات مع الأطراف الدولية المختلفة .

باختصار يدور الأمر حول وحدة معركة الحرية : استقلال فلسطين والعراق وحرية المواطن العربي، التحرر من السيطرة الخارجية لا كبديل عن الحرية السياسية والثقافية وحقوق الإنسان بل كأفضل شرط لتحقيقها .  فلا خلاص من الأخطار المحدقة بالأمة إلا بتفكيك بنية الاستبداد في أغلب الحكومات العربية، وإجراء إصلاحات عميقة وحقيقية : ديموقراطية حقيقية، احترام كامل لحقوق الإنسان، منع الرشوة والمحسوبية والفساد، المساواة التامة بين المواطنين، المساواة التامة بين الرجل والمرأة، تعميم التعليم والمعرفة . وإذا ما فاتنا تحقيق هذا الإصلاح فلن يأتي البديل بيد " عمرو"، بل لا بديل إلا أن نرى أنفسنا وقد تردت أوضاعنا أكثر بكثير وازدادت اتساعا الهوة بيننا وبين العالم المعاصر .

ومهما كان الحال، لا يجوز الدفاع عن الأمر الواقع العربي الراهن الذي استنفد طاقة المجتمعات العربية وجعل منها بؤرة للطغيان والإرهاب والفساد والتفاهة، ولا يجوز اللعب بأولويات الأمة بعد اغتيال الشيخ المجاهد أحمد ياسين، كأن يطرح البعض تأجيل البحث بموضوع الإصلاحات والالتفات إلى إصدار بيان " قوي " للتضامن مع الشعب الفلسطيني الشقيق الذي اختبر بيانات الرسمية العربية منذ العام 1948 .

من هنا الحاجة إلى إعادة الصياغة والبناء والتركيب للحياة والمجتمعات العربية والعمل العربي المشترك على أسس جديدة باستثمار الطاقات المعطلة والانخراط في إعمال المفاهيم والقيم والنظم المجدية، التي تثمر معرفة وثروة وقدرة وقوة، بها نحسّن سمعة الأمة ونستعيد الكرامة المهدورة .

إنّ المرحلة القادمة تقتضي دون شك شحذ الوعي الاستراتيجي العربي بمفاهيم وأساليب وآليات جديدة للتعامل مع أزمات غير مسبوقة، وتحولات نوعية متسارعة، وتحديات غير مألوفة، ذلك أنّ الأمر لا يتعلق بترميم نظام متداعٍ، وإنما بالاستعداد للانتقال المتأخر من مناخ المعادلة الدولية المندثرة، إلى آفاق أخرى . المهم أن تفهم القيادات العربية أنّ لا مناص من تغيير جذري في نوعية حكمها وتحكمها، وأن تفهم الشعوب العربية أنّ حقبة التذمر ولوم الآخرين حان زوالها، وأن تفهم تيارات التطرف أنها لن تكون قادرة على إلحاق الهزيمة بأعداء الأمة عن طريق أعمالها الإرهابية، وأن تفهم تيارات الاعتدال أنّ هناك فرصة لها لتوظيف المنطقة الرمادية بين الانبطاح والمناطحة .

 

تونس في 2/4/2004                          الدكتور عبدالله تركماني

                                          كاتب وباحث سوري مقيم في تونس