على طريق المواجهة

اغتيال الشيخ ياسين وفشل القمة العربية

رجاء الناصر

بين اغتيال الشهيد المجاهد الشيخ احمد ياسين , وبين فشل انعقاد مؤتمر القمة العربية في تونس بالطريقة المهينة التي أعلن عنها , هناك خيط رفيع ولكنه قوي ومتين . فالشيخ أحمد ياسين لم يقتل من قبل الصهيانية وحدهم , رغم أن قرار قتله اتخذ من قبل الدوائر الصهيونية العليا , وتم تنفيذه بواسطة سلاح الجو ( الإسرائيلي ) إذ أنه لم يكن من الممكن أن يتخذ هذا القرار لولا مجموعة من العوامل والاعتبارات وفي المقدمة منها . الموافقة العربية الرسمية الضمنية على قرار الاغتيال , من خلال قبولها وتماشيها مع إلصاق تهمة  " الإرهاب " بقوى المقاومة وتنفيذها للكثير من نتائج ذلك التوصيف عبر تجفيف الموارد المالية لتلك القوى والمنظمات ضمن الحملة الأمريكية – الدولية لمكافحة ( الإرهاب ) وفي مقدمتها أيضاً تلك الضغوط التي مارسها ويمارسها النظام العربي على قوى المقاومة الفلسطينية للتخلي عن ( المقاومة ) . والقبول بالاشتراطات الصهيونية إلى حد التسليم المطلق والتخلي عن أية إمكانية ولو مستقبلية في التصدي للمشروع الصهيوني , عبر التخلي عن برامج التسليح , والقبول بإعادة صياغة العقل العربي على قاعدة الثقافة الصهيونية الأمريكية .

ذلك طرف المعادلة الأول في العلاقة بين اغتيال شيخ فلسطين الشهيد أحمد ياسين , وبين فشل انعقاد القمة العربية والذي أخرج بشكل مهين لكل الحكام العرب , أما الطرف الثاني من المعادلة فهو يقوم على أن القمة ذاتها محكومة بالفشل لأنها لم تضع أساساً قضية اغتيال الشيخ ياسين على جدول أعمالها بكل ما مثله اغتيال الشيخ ياسين من رمزية ,وبكل ما يفتحه من مجاهيل مغلقة ومن احتمالات تصفية واسعة لن تقف حدودها بالضرورة على داخل الساحة الفلسطينية إلا أننا ورغم هذه الارتباط سنحاول أن نفكك أطراف المعادلة ونقرأها بصورها وجوانبها المختلفة

أولاً : اغتيال الشيخ المجاهد أحمد ياسين .

لا يمكن لنا على المستوى الشخصي الذي يتعلق بشخص الشيخ ياسين , إلا أن أن نغبطه على الشهادة التي حظي بها , فنحن كمؤمنين نعتقد أن لكل إنسان أجل لا يمكن أن يتخطاه , وليس أفضل للمؤمن بأن يكون أجله المحتوم بالشهادة , حيث أنها دليل على اصطفاء الرب له , ومنحه درجات عليا في مقامه الأخروي إضافة إلى تخليد ذكره في عالمنا الدنيوي , وهو بهذا نال مقاماً عالياً اختتم فيه سنوات طويلة من الجهاد .

أما على المستوى السياسي فإننا نؤمن أن قوات الاحتلال ارتكبت خطأ جسيماً بعملية الاغتيال تلك , وهي حققت وستحقق نتائج مغايرة لتلك التي خططت لها, فقد أرادت حكومة شارون تحقيق حزمة من الأهداف عبر تلك الجريمة .

أولها : تدمير الوعي الوطني المقاوم من خلال الإيحاء بأنها قادرة على ضرب رمزية المقاومة ورموزها وهو ما كانت تأمل أن يشكل حالة إرهابية لقوى المقاومة ولعقلها القيادي , وللحالة الشعبية الداعمة والمشاركة بالمقاومة بصور مختلفة ومتعددة , وبالتالي تغييب الوعي المقاوم لصالح وعي سلبي مساوم ومستسلم .

ثانيها : توجيه إنذار إلى القيادة الفلسطينية يتضمن أنه ليس هناك محرمات أمام آلة القتل ( الصهيوني ) وأن من قتل الشيخ ياسين رغم رمزيته العربية والإسلامية , قادر أن يغتال أية شخصية أخرى بما فيها الرئيس الفلسطيني نفسه .

ثالثها : تحطيم الممانعة الشعبية الداعمة للمقاومة , من خلال إفراغ الساحة الفلسطينية بشكل عام من رموزها التوحيدية الجامعة التي تحظى بتقدير وسلطة معنوية قادرة على الحفاظ على الوحدة الوطنية عند المطبات والمنعطفات الكبرى.

رابعها : إحداث شرخ بين المقاومة الجهادية والسلطة الفلسطينية عبر إحداث تصادم في المخططات التي ستلي عملية الاغتيال , حيث من المتوقع أن تصعد المقاومة هجماتها , بينما ستعمل السلطة على إثبات حضورها الأمني مما يخلق تصادماً محتملاً بين الفريقين .

خامسها : تفكيك منظمة حماس من خلال تغييب عناصرها الموحدة والتي تتمتع بسلطة روحية لدى جميع الأعضاء , وبالتالي إيجاد شرخ بين قيادات الداخل وبين قيادات الخارج وفيما بين قيادات الداخل نفسها .

سادسها : إعادة الشعبية إلى ( ملك إسرائيل ) أريل شارون الذي يتعرض لمنافسات حادة سواء داخل حزبه اللكيود أو ضمن حكومته المتطرفة, وقد أظهر استطلاع للرأي في المجتمع الصهيوني أن أكثر من 80 % من الصهاينة اليهود , يؤيدون عملية الاغتيال .

تلك الأهداف يبدو أن معظمها أعطى نتائج معاكسة , ونحن لا نقف عند نتائج اللحظة الراهنة التي يعتقد الصهاينة أنه يمكن احتواءها, وإنما نقف أيضاً عند قراءة تاريخية لحوادث مشابهة فقبل اغتيال الشيخ ياسين قامت الصهيونية باغتيال رموز وقيادات في الصف الأول لحركات المقاومة منهم على سبيل المثال , الشهيد فتحي الشقاقي الأمين العام كحركة الجهاد الإسلامي الذي اغتيل من قبل الموساد في مالطا والسيد عباس الموسوي الأمين العام لحزب الله اللبناني , وأبو علي مصطفى الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين , لقد أدت تلك العمليات التي كانت تحمل الاستهدافات ذاتها إلى مزيد من التلاحم داخل تلك الحركات وتعمق التعاطف الشعبي معها , والأهم من ذلك كله أنها شكلت رافداً جديداَ التحق بصفوف المقاومة وبجماعات الاستشهادين , فقد كان استشهاد القادة يمنح تلك المنظمات مصداقية إضافية في عيون شعبها وأنصارها .

إن العقلية الصهيونية ككل العقليات والذهنيات التي ترتكز على عنجهية القوة تبدو نمطية و غير قادرة على استيعاب الثقافات المغايرة لها , ففي العراق مثلاً ولدت عملية الاحتلال منابع جديدة لقوى العنف المضاد ضد الإدارة الأمريكية من قبل ثوى المقاومة أو قوى الإرهاب حسب التسمية الأمريكية فهذه العقلية النمطية غير قادرة على استيعاب معاني الشهادة ورمزيتها في الذهنية العربية والإسلامية وهي تتصورها بأنها مجرد فعل يأس أو إحباط .

ثانياً : فشل انعقاد مؤتمر القمة العربية في تونس

من المهم بداية أن نذكر أنه لا توجد في الشارع العربي رهانات على منظومة القمة العربية , ولا على النظام العربي الراهن , حيث تؤمن الأغلبية الساحقة أن هذا النظام قد استقال من وظيفته منذ فترة طويلة , وأنه أضحى رجل العالم ( المريض ) تماماً كما كان حال الإمبراطورية العثمانية في القرن التاسع عشر , والمقاربة هنا ليست في التفاصيل والمواقف ولا في تقييم النظام وإنما في التوصيف كمحصلة نهائية , ولعل صورة قائد الجماهيرية الليبية العظمى لدى الأغلبية الساحقة من المواطنين العرب , وهو يسلم أسلحته للعدو ويدعو الآخرين لتسليم ما تبقى لديهم من سلاح , ويغدق أموال شعبه على الأجانب , ويدعم القوى التي تمزق الوطن العربي كما في السودان , الصورة الأوضح عن نظرة المواطن العربي إلى أولئك القادة والحكام الذين يشكلون النظام العربي .

لكن وبعيداً عن هذا الموقف , لم يكن أحد يتوقع أن يتم الإعلان عن فشل النظام العربي على تلك الطريقة المهينة والوقحة والتي جرى التعبير عنها بإلغاء القمة بقرار من رئيس الدولة المضيفة قبل ساعات من وصول ضيوفه ودون التشاور معهم , وهي صورة لا تختلف عن صيغة طرد الضيف من قبل مضيفه , وحتى تكتمل الصورة المهينة أعلن حاكم تونس عن تمسكه بعد هذه الإهانة بعقد القمة في بلده لقطع الطريق على عقدها في أي مكان آخر , ولكن يبقى السؤال مفتوحاً عن مبررات ما حدث ودوافعه وعن نتائجه أيضاً , وعن يقف خلفه ...

الولايات المتحدة الأمريكية أعلنت عبر ناطق رسمي باسم وزير خارجتها أنها لم تمارس ضغوطاً من أجل تفشيل القمة العربية , وهو نفي يحمل معنى التأكيد أو نفي النفي , فقد بات معروفاً أن الرئيس التونسي كان قد رفض استقبال القمة العربي في تونس قبل أشهر, ثم التقى الرئيس الأمريكي وجاء بموافقته المشروطة على عقد القمة العربية في تونس , وحملت الاشتراطات يومها تسويق الخطة الأمريكية للإصلاح في الشرق الأوسط الكبير , وهي الدعوة التي تعيد إنتاج مشروع الشرق الأوسط الذي يلغي الهوية العربية في المنطقة من جهة , ويرسخ الدور الأمريكي على قواعد ثقافية جديدة من جهة أخرى .

إن الأسباب المباشرة لتأجيل عقد مؤتمر القمة حسب التصريحات والتلميحات التونسية جاءت بسبب الخلافات العربية الحادة حول مشروع البيان الختامي وبشكل خاص بسبب رفض بعض الدول العربية المركزية مصر وسوريا والسعودية ودمج الاقتراحات التونسية والمدعومة من دول هامشية مثل قطر بمشروع الإصلاح المقدم من مصر والسعودية وسورية والذي يرفض بعض نقاط المشروع الأمريكي, يضاف إلى ذلك رفض الكويت تضمين بيان مؤتمر القمة أي حديث عن الاحتلال الأمريكي للعراق , وتمسك سورية بحقها في امتلاك أسلحة استراتيجية , ما لم يتم نزع سلاح الدمار الشامل من كل المنطقة بما فيها الكيان الصهيوني , ورغبة بعض الدول العربية بإدانة الاغتيالات ( الإسرائيلية ) ضمن مشروع ( السلام ) العربي ...

ولكن يبقى الأهم من ذلك كله ما يبدو أنه مخطط لإلغاء هوية المنطقة , عبر إلغاء الهوية القومية , وإعلاء الهويات القطرية لصالح شكل يتناقض مع العلاقات القومية , ونسف منظومة الأمن العربي المشترك , وعبر التخلي نهائياً عن ما يسمى بقضايا مركزية يجتمع حولها العرب وخصوصاً قضية فلسطين والصراع العربي / الصهيوني ولعل هذا ما دفع أحد قادة الكيان الصهيوني ليعلن أن أهم نتائج فشل عقد القمة العربية الإيجابية حسب وجهة نظره أن قضية الصراع مع ( إسرائيل ) لم تعد قضية توحّد العرب حولها .

عند هذه النقطة نعود إلى ما بدأنا به عن العلاقة بين اغتيال الشيخ ياسين وبين إطلاق ( رصاصة الرحمة ) على النظام العربي الذي لم يخجل من عجزه أمام الخارج مادام يملك قدرة على استمراريته في السلطة ( المنزوعة السلاح ) وما دام قادر على توريثها لنسله.