المنفيون في الأرض

الطاهر إبراهيم*

 طالعتنا صحيفتا "الحياة" اللندنية و "الشرق" القطرية في يوم 21 آذار الجاري ، بأن السلطات السورية قد سمحت للشيخ "مصطفى الصيرفي...عالم جليل من علماء حماه. ."و12 سوريا آخرين بالعودة من "قطر" إلى وطنهم سورية بعد غياب طال لأكثر من ربع قرن. وتضيف "الشرق" قائلة: كشف السفير السوري في دولة قطر"هاجم إبراهيم" انه قُدمت مجموعة من الطلبات لعدد من السوريين لا يملكون جوازات سفر سيتم دراسة أوضاعهم في هذا الشأن.

ابتداء نتساءل عن الأسباب التي دعت إلى حجب جوازات السفر عن هؤلاء المواطنين السوريين، حسبما أشار معالي السفير، وعن المسؤولين عن ذلك؟.وهو ما يتعارض مباشرة مع الدستور السوري، الذي نصت المادة (43) منه على "أن القانون ينظم الجنسية العربية السورية ويضمن تسهيلات للمغتربين العرب السوريين...". وبدلا من تقديم التسهيلات للمغتربين السوريين حسبما نص الدستور، فإن أجهزة الأمن ،إمعانا منها بالتنكيل في من تعتبرهم معارضين للنظام، تعمد إلى تزويد موظفي الأمن في القنصليات السورية بما يخالف نص وروح المادة (43) أعلاه، وبذلك يتم تجاوز صلاحيات السفراء والقناصل الذين هم بالأصل منوط بهم هذه الصلاحية ويتبعون وزارة الخارجية السورية.  

ونحن بدورنا نقدم هذا الخبر مع تصريح معالي السفير، هدية لمعالي وزير الخارجية الأستاذ "فاروق الشرع"، الذي قال في لقاء له مع كوادر الجبهة الوطنية التقدمية في كانون الأول "ديسمبر" الماضي، "يجب أن لا يتذرع مواطن سوري في الخارج أو يزعم أو يدعي انه منفي فنحن لا ننفي مواطنينا وتبقى مسؤوليته إذا بقي خارج القطر وليس مسؤولية النظام...". 

وبهذه المناسبة فإننا نرجو من معاليه تفسير تلك الإشارة المعبرة التي وردت في تصريح معالي السفير حول أوضاع سوريين في قطر "..لا يملكون جوازات سفر.."، وهو ما يتناقض مع تصريح معاليه.

       ونفس الهدية نقدمها للدكتورة بثينة شعبان وزيرة المغتربين التي رفضت -في مقابلة لها مع "الحياة" نشرتها في 7 / 1 / 2004- مصطلح "منفيين طوعيين" في الخارج لأسباب سياسية لأنه "ليس هناك منفيون بل أشخاص عليهم حالات قضائية". وقد كان هؤلاء "المنفيون في الأرض" –القسريون أو الطوعيون لافرق- يتوقعون من وزيرتهم أن تقف إلى جانبهم، وأن لا تكون "أمنية" أكثر من أجهزة الأمن.

ونقول لمن لا يعرف ونذكّر من يعرف، أن هؤلاء السوريين "الذين لا يملكون جوازات سفر"، لا يعدون على أصابع اليد الواحدة، وإنما يعدون بعشرات الألوف منتشرين في أصقاع المعمورة، محرومين هم وأبناؤهم من جوازات السفر.

ونقول لمن لا يعرف ونذكّر من يعرف، بأن السيد الرئيس بشار الأسد -في لقاءاته مع الجاليات السورية خارج الوطن، ومنها الجالية في قطر-كان يأخذ علما بما يقاسيه المغترب السوري للحصول على وثيقة السفر. وأنه في كل مرة كان يعطي توجيهاته للسفراء بتيسير منح  جوازات السفر. غير أن موظفي الأمن في السفارات ،على ما يظهر، لهم رأي آخر.  

ومع أنه نادرا ما تتطرق صحيفة سورية لأخبار هؤلاء "المنفيين في الأرض"، فقد قرأنا في عدد تشرين ليوم 27 شباط الماضي في "منبر تشرين"،رسالة أرسلها مواطن سوري اسمه أحمد أحمد مقيم في السعودية، يذكّر فيها بالصعوبات التي واجهها وهو يحاول جاهدا الحصول على جواز سفر، مع أنه دفع البدل النقدي عن خدمة العلم، الذي يؤهله للحصول على جواز سفر لمدة ست سنوات حسب تعليمات وزارة الداخلية. وقد ذكر هذا المواطن السوري أن بعض القناصل يرفضون تطبيق تعليمات وزارة الداخلية التي ألغت الموافقات الأمنية،ويصرون على إرسال الطلبات -التي قد لا تعود-إلى سورية.وكأن هؤلاء القناصل ،حسب ما ورد في رسالة المواطن، "ملكيون أكثر من الملك".

 وعودا إلى الخبر الذي ورد في صحيفتي "الحياة" و"الشرق"، وما أثاره من تساؤلات لدى المواطنين السورين حول مغزى هذه الخطوات الصغيرة والمتباعدة زمنيا؟.فإننا نذكر بما يلي:               

 فقبل ثلاث سنوات سمح لبضعة عشر مواطنا بالعودة من أسبانيا –أثناء زيارة الرئيس لها - إلى سورية ولمرة واحدة، مع وعد بعدم تعرض أجهزة الأمن لهم دخولا وخروجا.

 كما سمح للناشط السوري في حقوق الإنسان الدكتور هيثم مناع بالعودة إلى وطنه صيف العام الماضي، وأمضى فيه شهرا واحدا. وها هو الآن يسمح لثلاثة عشر مواطنا مقيمين في دولة "قطر" بالعودة إلى وطنهم سورية.

وفي كل مرة كان يسمح فيها لمواطنين سوريين منفيين بالعودة إلى وطنهم، كان "صحفي سوري" بعينه، ينشر ذلك في الصحيفة التي يراسلها، منوها بأن ذلك مكرمة من الرئيس –مع حفظ المقامات- منحت لهؤلاء. ونحن نذكر هذا الصحفي ومن وراءه من رموز أجهزة الأمن بأن "المواطنة" حق مكتسب للسوريين ،بلا استجداء ومن غير استثناء، ورثوه عن آبائهم وأجدادهم. وما كان الحق يوما مكرمة يُمتَنّ بها على صاحبه . كما أنه لا يزول بالتقادم، ولا يستطيع أحد أن يجرده من هذا الحق.   

ويسأل المواطنون السوريون "المنفيون في الأرض"،حزب البعث ،الذي يفترض أنه يصنع السياسة السورية الداخلية والخارجية! لماذا يا حزب البعث ترفض التطبيع مع أبناء وطنك حتى من كان منهم في المعارضة؟. وهي التي رفضت الاستقواء بالأجنبي على وطنها، حسبما ماجاء في مؤتمرها في لندن صيف العام الماضي. وفي نفس الوقت وافقتَ –حزب البعث -على تطبيع العلاقة مع العدو الصهيوني، وعلى إقامة سلام دائم معه إذا ما وافق هذا العدو على إعادة الجولان المحتل.

أم أن حال المواطن السوري المنفي عن وطنه ،ولو زعم الأستاذ الشرع خلاف ذلك، مع حكومة البعث كما قال الشاعر...حرام على بلابله الدوح  حلال على الطير من كل جنس.

*عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام