سوريا الدولة- ليست طرفاً

 

بقلم: عماد فوزي شُعيبي

 

لا يستطيع المرء أن يقبل ما حدث في غير مكان في سورية. ولا يمكن أن يقبل على التوازي مع ما حدث كل التنظيرات(الخارجية) ثقافوية كانت أم سياسوية. فما حدث غير مقبول لعدة أسباب:

أولها: أننا متعايشون إلى أبعد حدود. لا نقول أننا جنة على الأرض ولا نقول أننا حققنا الدولة – الأمة وأعلى درجات مفهوم(المواطنة- المصلحة) بالمعنى المعاصر والاقتصادي للكلمة، لكننا عموماً متعايشون  ونقبل بالآخر رغم أننا لم نصل لاعتبارات ذاتية وموضوعية معاً إلى المستوى الذي تتحقق فيه أمثلية المواطنة لكننا- بالتأكيد- نتعايش.

 الدليل على ذلك قائم في أننا لا نسعى إلى التعريب بالمعنى الشوفيني للكلمة. ومشروعنا تعددي في إطار قومي لا يريد أن يجعل العروبة أداة تطهير عرقي لأحد، لأننا نؤمن بالتعددية بالمعنى الحضاري للكلمة. ومرة أخرى لا نقول أننا جنة على الأرض، ولكننا نتصرف على أساس أننا نأمل أن نكون ملائكة... بالتعايش، على أمل أن تتاح لنا الفرصة لنرسم مفهوم المواطنة على أساس عصري ورصين.

ثانيها: أننا لا نعرف مشكلة اسمها مشكلة كردية. و كي لا نعبث بالعموميات ويعبث بنا البعض بالتفاصيل سنقول بصراحة كل الأكراد السوريين متساوون  في الحقوق والواجبات والدليل أن سورية عرفت كل الأقوام بما تعنيه من تعددية في مواقع رئاسية مع حسني الزعيم ومحسن برازي وقوزي سلو وفوزي القاوقجي(كان رئيساًُ لجيش الإنقاذ)... دون أن يكون في ذلك حساسية أقوامية، لكن مطالب تجنيس البعض لا تعني مشكلة أقوامية في سورية بقدر ما هي مسألة إدارية إجرائية تتأرجح بين الإحصاء الدقيق وتدقيق المعلومات. يمكن أن نقول إنها تأخرت لكنها جزء من المسائل الكبرى التي هي في طريقها للحل، والبطء لا يعني سوء النوايا إنما يعني أحياناً التأني المفرط بحثاً عن حلول أنجع وأفضل للدولة ولمواطنيها(الجدد). والمطالبات الأخرى من ثقافية وحقوقية هي مسائل قابلة للبحث والنقاش. وعلى من يرد أن يكون مواطناً تحت ظلال الدولة في سورية عليه أن يدرك أهمية هيبة الدولة كمظلة مرجعية لدولة يريد هؤلاء العيش تحت لواءها كتعبير عن وضع مؤسسي(لوطن) مأمول. ثم عليه أن يحترم قوانينها ما دام يريد أن يكون مواطناً له امتيازات القانون نفسه.

نحن هنا نتحدث عن بضعة آلاف تريد التجنيس وليس عن مئات الألوف ممن هم سوريون ويرتبطون معنا بوثاقة هي الوطن والتاريخ واليوميات. ولهذا عندما نتحدث  عن إثارة قضية هؤلاء وكأنها هي السبب وراء ما حدث من عنف(مهما كانت دوافعه أو من كان وراءه) إنما نسيء جميعاً إلى هؤلاء لأن القضية حتماً ليست سياسية بالمعنى الحقوقي الذي يركب البعض مركبة كزفرة أو كمحاولة لإحياء الجدال حول (الديمقراطية وحقوق الإنسان) عبر(الشغب) أو ما يقف وراءه أو على الأقل- إذا لم نرد أن نتحدث بلغة التآمر- ما يؤدي إليه.

 مكان الديمقراطية هو مكان القانون، ومن يتحدث عن الديمقراطية أو(حقوق) الإنسان عليه أن يعرف بأن عليه أن يدافع عن(القانون) لأن الديمقراطية ليست إلا الوجه الآخر لدولة القانون ولأن حقوق الإنسان لا تنفصل عن القانون، أو ليست الكلية التي تخرج القانونيين تدعى كلية الحقوق.

لا نستطيع أن نفهم الحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان(وهو حديث لن نختلف عليه أبداً مع أحد في الجوهر) إذا لم يكن مشفوعاً بحماية مفهوم الحقوق والقانون... والدولة.

يمكن لأيّ منا أن ينتقد أي إجراء تقوم به الدولة إذا كان خارجاً عن شرعة القانون، ولكن عندما تكون الدولة أمام مواجهة مع هيبتها وهيبة القانون فإن الدولة هي الأولوية وليس لنا إلا أن نثني على موقفها القائل بأنها ستطبق القانون على الجميع ودون أي اعتبار. فالمعروف أن من تم توقيفهم ليسوا من الأكراد فقط بل من الذين كانوا طرفاً في معادلة التحريض والعنف والعنف المضاد والجميع سيمثلون أمام القانون ؛ القاسم المشترك لنا جميعاً دزن أي اعتبار.

ماذا نريد من الدولة إلا أن تطبق القانون وعلى الجميع وبالتساوي. ومن أخطأ، من أي جهة كانت ،أو نال من البنى التحتية التي دفع ثمنها الشعب السوري من قوته ويومياته، يجب أن نطالب بأن يكون تحت مظلة القانون.

أي حلّ أفضل من أن نتوافق مع توجه الدولة لإقرار القانون. أم أن البعض يريد أن يصنع لنفسه قانوناً يقيسه على أساس المطلب السياسي... أليس في هذا خروج عن قواعد القانون نفسه، ويشكل انتهاكاً لمناخ الديمقراطية المطلوبة. أم أن المسألة هي في عمقها عند(البعض) انتقائية.  باختصار علينا أن نحث الدولة ونشد على يدها في إحقاق القانون  على الجميع أولاً ثم بعد ذلك التوجه نحو تسريع الحلول الإجرائية.

لا نستطيع أن نتفهم   من يريد أن يركب موجة(خروج عن القانون) ليمرر ما في داخله من غوائل، فنحن جميعاً لدينا مطالب واحدة، وكل ما في الأمر أننا مختلفون على الأولويات وعلى الزمن، وبعضنا نتيجة الاختلاف على الأولويات يضع العربة أمام الحصان.

باختصار ليس بيننا في التعامل مع هذا الشأن خلاف إلا على الأولويات، وهو أمر يستدعي الحوار على أساس النجاعة وعلى قاعدة منطق(نظرية الجدوى) وعلى أساس ما تقدمه لنا النظرية الوظيفيّة والأداتية من قدرة على فهم كيف تعمل السياسة بدلاً من الاكتفاء بترف التنظير الثقافوي.

في التفاصيل يكمن الشيطان، لكن الأهم هو أن التفاصيل هي العالم الميكروي الدقيق التفصيلي الذي لا يراه من يعيش في الكليات النظرية الماكروية الجسمية التي ترى العالم فقط من خلال نظارة بعين واحدة.

لا ندري إذا كنا نستطيع أن ننقل هذا الدرس في السياسة لمن لا يعيش أو لا يستطيب العيش إلا في عالم الكليات الماكروية. وهذا شأنه. ولكننا حريصون عليه رغم قبولنا بالتنوع، وحريصون على أن نكون كلنا في هذا الظرف معاً لأن الخطر الذي يحوم حولنا لا يفسح في المجال أمام الاختلاف حول أيهما أسبق الدجاجة أو البيضة.  وعلى الذين يتصورون أنهم بكلياتهم وماكروياتهم يمتلكون كل الحقيقة أن يعرفوا أنهم استبداديون لأنهم لا يعترفون بعالم التفاصيل والـ Data والميكرويات. باختصار الوقت لا يسمح بهذا الترف... وحسبنا أننا نقبل بالكليات والجزئيات فهل يقبل ديمقراطيو هذا الزمن بغير كلياتهم. أم أنهم لا يريدون أن يروا إلا أنفسهم ويريدون إلغاء الآخر.

بالتأكيد الدولة لا تحل المسألة بطريقة أمنية بمعنى التسلط، فهي أي الدولة ليست طرفاً لأن الخطأ نشأ نتيجة أخطاء من مواطنين أياً كانت تسميتهم  المرجعية(من الدرجة الثانية... أو العاشرة)، أما المسائل الأخرى فهي موضوعة للحل.

لا يجوز توريط الدولة بالمسألة عندما تسعى أجهزة الدولة لإحقاق النظام والقانون فتتعرض لعنف رغم تحرزّها استخدام العنف المضاد طلباً لاحتواء الموقف ودرجاً على التوجه لفتح بوابة الحريات والتعبير عن الرأي واسعاً. عندئذ يختلط الدفاع عن النفس بالواجب لدى أفراد الأجهزة، ومن الخطر الكبير التضحية بالدولة لصالح العنف خصوصاً وأن الدولة ليست طرفاً ولا هي تريد ولا ستسعى لأن تكون طرفاً، فهي القاسم المشترك بين الجميع وهي أيضاً عنصر الضبط.

نعم الدولة السورية ليست طرفاً. وكل محاولة ثقافية أو سياسية أو صحافية تنضاف عملياً إلى الاتهامات التي تصدر من أطراف خارج سورية وحوالى السفارات بأن الدولة تقوم بمجزرة.

ماذا كان يمكن لدولة مثل بريطانيا أو فرنسا... أو حتى تركيا أن تفعل إذا ما واجهت اقتتالاً بين جمهورين من مدينتين تحول إلى شغب فتدمير لبعض البنى التحتية، واستثمر بطريقة أو بأخرى. هل تشفع (للدول الديمقراطية على النوذج الغربي )تدخلها   لإقرار النظام؟ أم أن المسألة انتقائية مرة أخرى.؟

من الغريب الدعوة التي صدرت من البعض لتشكيل لجنة محايدة لتحديد المسؤوليات، أتراها محاولة للبحث عن دور على مذبح إلغاء الدولة أم كأن لادولة في سورية أو لعلها تحت الاحتلال أو الانتداب أو يراد لها أن تكون  طرفاً. ثم كيف يستقيم للبعض الحديث عن استسهال التعامل بالنار دون أن يرف له جفن لكي يتساءل ماذا عن الذين أطلقوا النار في وجه رجال الشرطة، والأخيرون –بالأصل- ليسوا طرفاً، فالمظاهرات لم تكن تقصد إلاّ رد الفعل والعنف والعنف المضاد.

أكبر الأخطار زج سورية- الدولة في المسألة كطرف. ففي ذلك أعلى درجات العبث وعدم تحمّل المسؤولية. فما حدث لم يكن له علاقة بموقف مطلبي حتى وإن أراد البعض أن يلبس لبوسه ويُورط الدولة وإخواننا به مع تسليمنا بأن ثمة عدداً من الإجراءات الإدارية والحقوقية والاقتصادية والثقافية يجب أن يتم التعامل بشأنها مع المواطنين في المنطقة الشمالية ولكن ليس عن طريق الشغب.

د. عماد فوزي شُعيبي

ishueibi@scs-net.org