العرب والشراكات الإقليمية في عالم متغيير (7)

( حول المشروع الأمريكي الجديد للشرق الأوسط الواسع )

الدكتور عبدالله تركماني

من المؤكد أنّ الولايات المتحدة الأمريكية في عهد الرئيس بوش الابن قد ضلت الطريق وابتعدت كل البعد عن القانون الدولي والشرعية الدولية ومبادئ الأمم المتحدة، وهي تخطط  - بعد احتلال العراق – لإقامة قواعد عسكرية ثابتة والتحكم في منابع النفط في المنطقة العربية كلها، وفرض الوصاية على حكومات وشعوب العالم العربي، وإعطاء دور كبير لإسرائيل وتركيا في  الشرق الأوسط الموسع . ‏ وهذه السياسة تعني - بوضوح - عودة الاستعمار القديم بخططه وأساليبه وجيوشه، كما تعني محاولة مفضوحة لقهر البلدان العربية وتجريدها من استقلالها وحريتها وقرارها . وإذا كان من المؤكد أنه ليس هناك سيادة وطنية يمكنها أن تضفي شرعية على الاستبداد في الداخل، فإنه - في المقابل - ما من حرب تشنها قوة إمبريالية يمكن أن تخاض من أجل الديمقراطية والتنمية .

إنّ أهم ما تنطوي عليه احتمالات ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق هو هز المنطقة العربية وزلزلتها وخلخلة أوضاعها‏، إذ سوف نشهد ولادة النظام الشرق أوسطي الشامل، الذي سيكون الاقتصاد هو أحد أوجهه، لكنَّ الأولوية فيه سوف تكون للشق والمكوّن الأمني . وفي هذا الجانب سيتم إخضاع قدرات كل دول المنطقة إلى السيطرة الصارمة، وبالشكل الذي يضمن رقابة وهيمنة إسرائيل على قدرات المنطقة بما يجعلها " الدولة الإقليمية الكبرى " في إقليم الشرق الأوسط . لقد دخلنا مرحلة دقيقة جدا، مرحلة إعادة ترتيب الأوراق دوليا، وربما إعادة ترتيب الأنظمة والدول والحدود . إذ يبدو أنّ المنطقة العربية، خاصة فئاتها الحاكمة، ستدفع فاتورة السنوات الضائعة منذ سقوط جدار برلين، حين لم تلتحق بموجة الدمقرطة التي أعقبت سقوط الأنظمة الشمولية في أوروبا الشرقية والوسطى .

وبداية، من الضروري الانتباه إلى دلالة إصرار الباحثين الغربيين، منذ الحرب العالمية الثانية، على استخدام مفهوم الشرق الأوسط للدلالة على المنطقة العربية . ومن استعراض الكتابات الغربية عن الشرق الأوسط تبرز لنا على الفور ثلاث نتائج :

    أ- أنّ هذه المنطقة لا تسمى باسم ينبثق من خصائصها أو طبيعتها، لكن سميت دائما من حيث علاقتها بالغير.

ب- أنّ هذا المصطلح ليس من المناطق الجغرافية المتعارف عليها، بل هو - في المقام الأول - تعبير سياسي، يترتب عليه دائما إدخال دول غير عربية في المنطقة، وفي أغلب الأحيان إخراج دول عربية منها .

ج- أنّ الشرق الأوسط يبدو، في الكتابات الغربية، منطقة تضم خليطا من القوميات والسلالات والأديان والشعوب واللغات، القاعدة فيه التعدد والتنوع والاستثناء هو الوحدة .

وفي الحقيقة فإنّ الدعوة للنظام الشرق أوسطي الأوسع، في بعدها الحالي، ليست فكرة جديدة، حيث عبّرت عن هذا النظام، في الخمسينات، صياغات سياسية وأمنية وعسكرية (البيان الثلاثي، قيادة الدفاع عن الشرق الأوسط، منظمة الدفاع عن الشرق الأوسط، معاهدة الحزام الشمالي، معاهدة حلف بغداد) . وطوال العقود الثلاثة التالية، أدت حالة الحرب مع إسرائيل إلى تعطيل المشروع الشرق أوسطي، فالعالم العربي لم يكن قادرا على الاشتراك في أية ترتيبات إقليمية تشمل إسرائيل . وواضح أنّ الرئيس جورج بوش يحاول – الآن - أن يعيد إطلاق المشاريع التي دفنت في هذه المنطقة خلال مرحلة الخمسينات من القرن الماضـي .  فالحديث عن " الحوض الأوسطي المتصالح " ليس جديدا في أدبيات السياسة الأمريكية وطروحاتها، فقد سبق أن سمعنا في هذه المنطقة من العالم كلاما كثيرا عن " البحيرة الأمريكية الهادئة والهانئة " التي يمكن أن تدور كأجرام متعاونة حول المحور الأمريكي، حيث كان يفترض أن تشكل بغداد مفصلا حيويا لإقامة الحلف الذي سمي باسمــها أي " حلف بغداد " .

إنّ مشروع " الشرق الأوسط الواسع " هو الرابع ضمن قائمة المشروعات التي طرحتها الولايات المتحدة، في ظل إدارة بوش الابن، في سياق محاولتها فرض إملاءاتها وتعزيز نفوذها في المنطقة العربية، والتي كان أولها، مبادرة وزير الخارجية كولن باول، في خطاب ألقاه يوم 12 ديسمبر/كانون الأول 2002 في مؤسسة " هاريتاج "، حيث أعلن " مبادرة الشراكة الأمريكية في الشرق الأوسط " في سياق عزم الولايات المتحدة على إعادة هيكلة برامج مساعداتها للدول العربية، لأنّ الكثيرين في العالم العربي، كما قال باول، يعانون اليوم " من انعدام الحريات السياسية والاقتصادية، والنقص في مجال حقوق المرأة، والتعليم الحديث الذي يحتاجونه للازدهار في القرن الحادي والعشرين " . وثانيها، مشروع الرئيس بوش حول " قيام منطقة تجارة حرة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط "  في غضون 10 سنوات، حيث قال في كلمة ألقاها في جامعة " كارولينا الجنوبية " في 9 مايو/أيار 2003  إنّ إدارته " ستستخدم تأثيرها من أجل إزالة الكراهية وإبدالها بأمل جديد في المنطقة وإنّ الفرصة التاريخية قد حانت بأمل جديد بعد إزاحة نظام صدام حسين في العراق " . وأوضح أنّ هذه الخطة " تستهدف تحقيق مزيد من الحرية والرفاهية والسلام في منطقة الشرق الأوسط " . وأضاف أنه عن طريق إبدال الفساد " بالأسواق الحرة والقوانين العادلة، ستنمو شعوب الشرق الأوسط بالازدهار والحرية " . واقترح " إنشاء منطقة حرة للتبادل التجاري في الشرق الأوسط " خلال عشر سنين، وتعهد أن تضم الولايات المتحدة البلدان العربية إلى هذه المنطقة بلدا بلدا .

ومتابعة لمبادرة الرئيس بوش أصدر مكتب شؤون الشرق الأدنى في وزارة الخارجية الأميركية بيانا بتاريخ 9 يوليو/تموز 2003 حول ما أسماه " مساهمات الولايات المتحدة في النهوض بمستوى التعليم في العالم العربي "، وقد وردت فيه مجموعة تدابير وخطوات تعتزم الولايات المتحدة الأمريكية اتخاذها ضمن مبادرة الشراكة . إذ تسعى المبادرة إلى سد " فجوة المعرفة " بتحسينها نوعية التعليم ومناسبته للحاجة وتحسينها الفرص التعليمية للفتيات، بما فيها التي تركز على تحسين الاستعداد الرقمي وزيادة الإلمام بالقراءة والكتابة .

 أما ثالثها، فهو برنامج  الرئيس بوش المتعلق بنشر الديمقراطية في المنطقة في نوفمبر/تشرين الثاني 2003 .  وتزامنت تلك المبادرات مع تبني الإدارة الأمريكية استراتيجية إعلامية تقوم على تعزيز  " الديبلوماسية الشعبية " للاتصال بالجماهير في العالم العربي عبر حملة إعلامية واسعة النطاق .

ولعل من أهم الدراسات التي ظهرت بعد كارثة 11 سبتمبر/أيلول، والتي نرى أنها الرافد الأساسي لكل المبادرات الأمريكية، هي دراسة تحت عنوان " من أجل أن نسود " أصدرها مركز الدراسات الأمنية والدولية بواشنطن، وحث فيها إدارة بوش على علاج الظروف التي سمحت لأسامة بن لادن بتجنيد المتطرفين الذين هاجموا الولايات المتحدة، وتلك التي زرعت بذور الكراهية لأمريكا في قلب العالم الإسلامي . إذ قالت الدراسة : " إنّ الدافع الرئيسي وراء غضب المسلمين هو فشل العديد من الدول الإسلامية في تشكيل حكومات عصرية تستجيب لاحتياجات شعوبها واحتياجات المجتمعات المدنية، التي لا يسمح لها سوى بأقل مستوى من النقاش والديمقراطية " .

كما يعتبر التقرير الذي وضعه المحلل في مؤسسة " راند كوربوريشن " للدراسات لوران مورافيتش، وقدمته المؤسسة في العاشر من يوليو/تموز 2002 إلى هيئة السياسة الدفاعية في وزارة الدفاع الأمريكية " البنتاغون "، أحد أهم المصادر للتعرف على ما تضمره الإدارة الأمريكية تجاه المنطقة العربية، برغم ادّعائها أنه مجرد " تقرير غير مسؤول " . فما ينتهي إليه التقرير، في مجال " الاستراتيجية الكبرى للشرق الأوسط "، يقول بالحرف ما يأتي : العراق هو المحور التكتيكي، السعودية هي المحور الاستراتيجي، مصر هي الجائزة .

ولكي تكتمل أضلاع مثلث " حرب الأفكار " التي قررت الولايات المتحدة شنها على دول العالم، وبدأت بالمنطقة العربية، جاءت المبادرات الأمريكية لتعزيز الديمقراطية ودولة القانون واقتصاد السوق الحرة في الشرق الأوسط . وتوحي كل هذه المبادرات أنّ التقدم العربي على هذه الطريق هو تقدم نحو الولايات المتحدة الأمريكية، باتجاه الصداقة معها وتدجين العداء لـها . بينما - في الواقع - كلما خطا العرب خطوة نحو الديموقراطية كلما ازدادت خصومتهم لها، و" الأخطر " من ذلك، كلما ازدادت قدرتهم على حسم هذه الخصومة لصالـحهم . فما يسمى العداء العربي لأمريكا ليس هواية، ولا علاقة له بـ " جينات تكوينيـة "، وهو بعيد عن أن يكون رفضا لقيم الحداثة والحرية والتطور . إنّ ما يسمـــى " العداء العربي لأمريكا " هو، في الجوهر، تعبير عن وجود قضايا عالقة معها، وعن اعتراضها طريق العرب إلى الاستقلال والحداثة والحرية والوحدة والتقدم .

أما المشروع الأمريكي الجديد للشرق الأوسط الأكبر‏،‏ والذي ينطوي على اعتبار الإصلاحات السياسية والاقتصادية‏،‏ ومساءلة الحكومات العربية عما فعلته‏،‏ أولوية للسياسة الخارجية الأمريكية‏ .‏ بكل ما يعنيه ذلك – في الجوهر – من تجاوز حدود سيادة الدول على أراضيها‏،‏ وإعادة تشكيل وترتيب الأوضاع بيد قوة خارجية‏ ( ليس المجال هنا للحديث عن التغيّرات التي اكتنفت مفهوم السيادة وتزايد دور العوامل الخارجية في حياة الدول " الضعيفة " خاصة ) . والاستراتيجية التي يتحرك على أساسها المشروع تقوم على أنّ " الحرب على الإرهاب " هي قمة أولويات السياسة الخارجية‏ الأمريكية .‏ لذلك، فإنّ لائحة أولويات المشروع تتدرج من الدعوة إلى التعددية السياسية والتشجيع على إحياء دور الأحزاب وإعلاء شأنها، بما فيها الأحزاب المعارضة، وإعلاء شأن القوانين وأهميتها، والتشديد على تدعيم الأنظمة البرلمانية، والدعوة إلى إصلاحات اقتصادية وأخرى اجتماعية تتعلق بوضع المرأة والتربية .

وتركز المبادرة على عدة محاور أبرزها :‏‏

*‏ تنشيط آليات مواجهة البطالة بوصفها أزمة آخذة في التفاقم بدول المنطقة‏،‏ وتهدد استقرارها ومصالح الدول الصناعية الكبرى معها ‏.‏ وتدعو المبادرة في هذا الصدد إلى تدعيم عملية الإصلاح عن طريق قيام علاقة شراكة طويلة الأجل مع دول المنطقة ‏.‏

*‏ إعطاء جهود التحول الاقتصادي والاجتماعي الأولوية، دون إغفال عملية الإصلاح الديمقراطي‏,‏ ونظم الحكم القائمة‏ .‏ وتشجع المبادرة العمل علي بناء مجتمعات واعية‏،‏ ومؤسسات غير حكومية،‏ وتكثيف التعاون مع منظمات غير حكومية تكرس جهودها للإصلاح الاقتصادي‏،‏ ودعم الحريات العامة‏ . ‏

 *‏ توفير الدعم والتمويل اللازمين لعمل المنظمات غير الحكومية ‏.‏

*‏ تشكيل تجمعات من القانونيين وخبراء التشريع والإعلاميين من دعاة الإصلاح على أن تتولى هذه التجمعات نشر بيانات سنوية عن تطور مسيرة الإصلاح .‏

*‏ توفير الدعم المادي والفني لعملية تسجيل الناخبين، وتأسيس مراكز مدنية للدفاع عن الحقوق العامة‏،‏ والعمل علي إلحاق هذه المراكز بكليات الحقوق في جامعات دول المنطقة‏ .‏ وتدعو المبادرة الأمريكية إلى إصلاح التشريعات القانونية المعمول بها‏،‏ ووضع قوانين جديدة‏،‏ بما يتفق مع الإصلاحات المرجو إعمالها‏ .‏

*‏ تشجيع جهود قيام مؤسسات صحفية مستقلة‏،‏ وتدريب الصحفيين فيها علي التكنولوجيا الحديثة‏ .‏

*‏ محاربة الفساد‏،‏ والتركيز علي ضمان الشفافية في السياسات العامة ‏.‏

*‏ حث حكومات المنطقة على السماح بعمل المؤسسات المستقلة‏،‏ وتجنب فرض قيود عليها‏،‏ أو التدخل في شؤونها ‏.‏

*‏ تحرير السياسات الاقتصادية‏،‏ بما يحد من سيطرة الحكومات على النشاط الاقتصادي‏،‏ وإلغاء القيود علي المعاملات المصرفية‏،‏ وتحرير الخدمات المالية التي تقوم بها‏،‏ وإزالة أية قيود على الأنشطة التجارية ‏.‏

إنّ مشروع الشرق الأوسط الكبير ينطوي على عدة خطايا : أولها، أنه مفروض من الخارج دون تشاور مع أصحاب الشأن من القوى الحية في العالم العربي، ومع الحكومات العربية أيضا، وفقا لمبدأ الإصلاح من الداخل . وثانيها، أنه يفترض دمج إسرائيل في نسيـج " الشرق الأوسط الواسع " من دون أية إشارة إلى استعادة الحقوق العربية، بل أنه يتجاوز حتى " خريطة الطريق " التي صيغت طبقا لـ " رؤية بوش " لدولتي فلسطين وإسرائيل اللتين تتعايشان بسلام، الأمر الذي يعني – عمليا – تكريس الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية المحتلة . وبذلك أعطى أسبقية لمحاربة " الإرهاب " على إيجاد حل عادل وشامل للصراع العربي – الإسرائيلي .  فهل يمكن لأي باحث منصف أن ينكر أنّ الدعم الأمريكي الفاضح للمخططات الإسرائيلية العنصرية في مجال إرهاب الدولة الممنهج ضد الشعب الفلسطيني وتحطيم البنية التحتية للاقتصاد والمجتمع هو أحد الأسباب المباشرة لنمو التيارات المتطرفة وصعودها ؟ . إذ يبدو أنّ الإدارة الأمريكية مصرة على تجاهل هذا الدرس، لا سيما أنها تتبنى وجهة نظر مفادها أنّ سبب عدم الاستقرار في المنطقة لا ينبع من وجود إسرائيل وسياساتها بقدر ما ينبع من النظم السائدة فيها ! وأن قضية الفلسطينيين ليست قضية عدوان واستيطان واحتلال،  من قبل إسرائيل،  بقدر ما هي قضية وقف العنف من قبلهم، وإصلاح سلطتهم وتغيير قيادتهم  !

إنّ تجاهل المشروع الأمريكي حاجات وأولويات المجتمعات العربية، ومستوى التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي فيها، يجعله أقرب ما يكون إلى المشاريع الاستعمارية التي تستعير خطاب التغيير والديمقراطية لتهميش شعوب المنطقة .

فبالرغم من التأكيد الأمريكي المتكرر على ضرورة تعزيز الديمقراطية وحقوق الإنسان، باعتبارهما عنصرين أساسيين في التغيير المطلوب في المنطقة لوقف تفريخ العناصر الإرهابية، فإنّ هذه القضية لا تشغل بالفعل حيزا مهما من الاهتمامات الأمريكية، إلا بوصفها " أداة " من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية . وأخطر تداعياته أنه يضعف موقف أنصار الإصلاح والتغيير في المنطقة، فكلما ألحت الولايات المتحدة على مسألة الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي في المنطقة، أفسدت المساعي التي يقوم بها الإصلاحيون ذوو التوجهات الوطنية والقومية في هذا الصدد،  ولاسيما إذا اتهم هؤلاء بالعمل لصالح المخططات الأمريكية، الأمر الذي قد يزيد من اتساع الهوة بين شعوب المنطقة والتيارات الإصلاحية، وذلك في إطار واقع اجتماعي وسياسي  طغت عليه الشعارات الشعبوية لعقود من الزمن .

وهكذا، يتبين أنّ المشروع يهدف، في الواقع، إلى وضع الدول العربية تحت الوصاية الدولية، وهذه الوصاية تتمثل في التخطيط الدقيق لمعالم التغيير الذي تريد الولايات المتحدة تحقيقه في بنية المجتمعات العربية، في السياسة والاقتصاد والاجتماع والثقافة .

وكما ذكرنا سابقا فإنّ محاولات الولايات المتحدة الأمريكية إعادة هيكلة الشرق الأوسط، بدعوى إصلاحه أو تغييره وفرض الاستقرار والازدهار فيه، ليست جديدة، ففي مطلع التسعينيات طرحت إدارة بوش الأب المشروع الشرق أوسطي بالتوازي مع إطلاق مفاوضات مدريد للتسوية العربية – الإسرائيلية في العام 1991، وهو ما أشرنا إليه سابقا بالسيناريو الثالــث " التوجيه الأمريكي وفق المصالح الاسترتيجية " . وبالتالي، فإنّ المشروع الجديد يحاول، بعد جريمة 11 سبتمبر/أيلول 2001 وإعلان استراتيجية الأمن القومي الأمريكي في سبتمبر/أيلول 2002 واحتلال العراق في 9 أبريل/نيسان 2003، أن يبني على ما تحقق في تسعينات القرن الماضي .

ومتابعة لهذا البناء تسعى الإدارة الأمريكية نحو توريط المجتمع الدولي في مناقشة وإقرار المشروع، وتفتح الباب أمام احتمال " الوصاية الدولية " على المنطقة، حيث ورد فيه " يمثل الشرق الأوسط الكبير تحديا وفرصة فريدة للمجتمع الدولي "، فهو مطروح للمناقشة والتبني من قبل " حلف الناتو " و " الدول الصناعية الثمانية الكبرى " في يونيو/حزيران القادم باعتبار أنّ مستقبل المنطقة مسؤولية مشتركة أمريكية - أوروبية، كما يناقشه مبعوثون أمريكيون مع بعض صناع القرار في المنطقة العربية حاليا .

وطبقا لما أشرنا إليه سابقا، ليس من المستبعد أن تكون خيوط التقارب بين المشروعين الأوسطي والمتوسطي أكثر من خيوط التباعد، خاصة أنّ ثمة مبادرتين أوروبيتين مطروحتين في مؤسسات الاتحاد الأوروبي ومؤسسات دولية أخرى : المبادرة الألمانية التي أعلنها وزير الخارجية الألماني مؤخرا في ميونيخ " نحو شراكة شاملة من أجل مستقبل مشترك "، والمبادرة الدانماركية " الشراكة من أجل الإصلاح والتقدم " .

وبالرغم من تميّز المبادرتين الأوروبيتين بالاتجاه نحو " العمل المشترك " والحرص على استبعاد " التوجه الأبوي "، فإنّ ما يربط بينهما وبين المشروع الأمريكي هو وجود اتفاق غربي حاسم على التغيير في الشرق الأوسط . مما يرجح احتمال صياغة مبادرة مشتركة لإنشاء " منظمة للأمن والتعاون في الشرق الأوسط " قريبة من صيغة " مؤتمر هلسنكي " في العام 1975 . 

ونعتقد أنّ انتقادات وزير الخارجية الفرنسي للمشروع الأمريكي، بالرغم من أهميتها، فإنها لن تغيّر كثيرا في التوجه الغربي العام . حيث حدد ثلاث عقبات أساسية يجب تلافيها :

(1)               - " اتخاذ قرار من الخارج لإصلاح الشرق الأدنى من دون استشارة الدول والشعوب في تطلعاتها " .

(2)               - " الاستهتار بالثقل الذي يشكله الشعور الوطني في هذه البلدان، إذ لا يجب النظر إلى الديموقراطية على أنها مفروضة من الغرب " .

(3)               – " النظر إلى الشرق الأدنى ككتلة واحدة فيما التنوع هو إحدى سماته الأساســية " .

وخلص إلى " أنّ إصلاح الشرق الأدنى كما يتصوره البعض لا يمكن أن يكون عملا مفروضا . على هذا الإصلاح أخذ الاعتبارات التاريخية والسياسية والاجتماعية لكل بلد في الحسبان والحرص على أن تتحقق عمليات التطوير الضرورية في إطار الاستقرار. وأنّ خيارات سياسية كهذه لا يمكن قبولها بين ليلة وضحاها لأنّ ذلك يتطلب وقتا وتفكيرا " . وقد دعا دول المنطقة لإعداد " إعلان عام يحدد مبادئ الشراكة من أجل السلام والتقدم " .

وعلى الصعيد العربي، فإنّ مفهوم الشرق الأوسط يمزق أوصال العالم العربي ولا يعامله باعتباره وحدة متميزة، فهو يدخل - باستمرار- بلدانا غير عربية كتركيا وإيران وإسرائيل، وأحيانا باكستان وأفغانستان وأثيوبيا وقبرص، وربما دول آسيا الوسطى لاحقا، ويخرج منه بلدان المغرب والجزائر وتونس، وأحيانا ليبيا والسودان . ولعل ذلك يفسر مصطلح " الشرق الأوسط وشمال أفريقيا " الذي يرد كعنوان للعديد من الدراسات الغربية، خاصة المؤسسات الاقتصادية الدولية مثل: البنك الدولي .

وهكذا يتضح أنّ توارد استخدام هذا المصطلح يستهدف تبرير شرعية الوجود الإسرائيلي، فما دامت المنطقة خليطا من قوميات وشعوب مختلفة الأعراق واللغات والأديان، فإنّ لكل قومية منها الحق في أن تكوّن دولة قومية . وفي هذا الإطار تكتسب إسرائيل شرعيتها كإحدى الدول القومية في المنطقة، وهذا الهدف قد يفسر لنا اهتمام إسرائيل المتواصل بتشجيع مطالب وحركات الأقليات في أكثر من بلد عربي .

وإذا كان مصطلح الشرق الأوسط قد استُخدم ووُظف لتحقيق أغراض سياسية تتضمن، في المقام الأول، طمس الهوية العربية للمنطقة، بإدراجها في مفهوم سياسي غير واضح وغير محدد، فإنّ التطورات التي شهدها ويشهدها العالم ومنطقتنا العربية، منذ نهاية ثمانينات وبداية تسعينات القرن الماضي حتى اليوم، توفر بيئة ملائمة ومشجعة لانتشار هذا المصطلح على نطاق واسع، والأهم من ذلك محاولة ترجمته من " فكرة " إلى " واقع " يتم تأطيره نظاميا، من خلال إنشاء " منظمة للأمن والتعاون في الشرق الأوسط الكبير ".

وفي مواجهة تلك الاستراتيجية الأمريكية الجديدة يتنازع المنطقة وقادة الرأي فيها تياران: الأول، يراهن على مصداقية الدعوات الأمريكية الداعية إلى احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان في المنطقة العربية ويرى في الضغوط الأمريكية مخرجا لبعض أزمات المنطقة، متجاهلا حقيقة أن السياسة الأمريكية تتسم بالبراغماتية المتطرفة، وتستخدم التبشير بالديمقراطية وحقوق الإنسان كأداة سياسية تخدم المصالح الأمريكية في المنطقة.  وبالتالي فالقول بضرورة الالتزام بالسياسات والتوجهات الأمريكية، دعوة تخلو من المنطق السليم، وتفتقر إلى الضمانات التي تكفل للشعوب العربية خروجا آمنا من المأزق الراهن، وصيانة وافية للمصالح العربية العليا، التي تمثل الهيمنة الأمريكية تهديدا صريحا لها.

ويرى أنصار التيار الثاني ضرورة تعبئة الإرادة العربية الرسمية والشعبية لتدشين مواجهة ساخنة وحاسمة مع الولايات المتحدة الأمريكية،  مبررين ذلك بأنّ الأخيرة لا تستهدف فقط قوى التحرر الوطني،  بل أيضا وجود الدول العربية ذاته،  والتي يراها أنصار هذا التيار مجبرة على الانخراط في هذه المواجهة من خلال إعلاء قيم القومية العربية كمدخل قومي للخروج من الأزمة الراهنة . ويعيب هذه الرؤية افتقارها للشفافية في معالجة الأسباب والجذور الحقيقية للأزمة العربية،  ومن ثم افتقادها القدرة على تمكين الإرادة العربية من التعامل مع الاستراتيجية الأمريكية الجديدة بصورة تضمن صيانة المصالح العربية العليا.  إذ أنّ الرؤية الموضوعية والواقعية تقتضي تجنب الانصياع الأعمى للإرادة الأمريكية وكذلك تجنب الدخول في مواجهة معها باعتبار أنّ الإقدام على أحد هذين الأمرين هو انتحار سياسي، الأمر الذي يقتضي حلا عربيا وسطا يمكّن الأمة من التعاطي مع الأخطار المحدقة بها ويقلل من أضرارها من خلال الشروع في إصلاحات حقيقية تمكّن الشعوب من حماية حقوقها والمشاركة في رسم مستقبلها.

ومما لا شك فيه أنّ المشروع الأمريكي قد يكون له أثر في تسريع التحول الديمقراطي في العالم العربي، ذلك أنّ أمريكا بمبادرتها رفعت الغطاء عمليا عن الأنظمة غير الديمقراطية في المنطقة بالطريقة نفسها التي رفع بها غورباتشوف الغطاء عن ديكتاتوريات أوروبا الشرقية والوسطى بانتهاج سياسة الانفتاح والتقارب مع الغرب .

ومن هنا يبدو أنّ أغلب من تكفلوا بالرد على المبادرة قد تجاهلوا العملية السياسية المعقدة داخل الولايات المتحدة‏ التي أسفرت عن هذه المبادرة‏,‏ مما يصعّب إمكانية " الاشتباك الإيجـابي " مع هذه السياسة بما قد يساعد على تغيير عناصرها وتصحيح أولوياتها وتقبّل ما يبدو منها مقبولا من حيث المبدأ ورفض ما هو جدير بعدم القبول ‏.‏ ‏ففي عالم الفكر والسياسة الدولية ليس هناك ما يقبل كله أو يرفض كله‏،‏ فلو كان من السهل أن نرفض كل ما تقوله الولايات المتحدة لما كانت حاضرة في كل صغيرة وكبيرة في حياتنا العربية .‏

ويتضح من قراءة المبادرة بتمعن أنها نبذت المدخل المباشر والضاغط والعنيف للديمقراطية وأخذت بالمدخل العكسي تماما، أي المدخل " المرن " غير المباشر والمبني على لغة الحوار والمشاركة والحوافز لا لغة الضغط والزجر والحرب والقطيعة‏ .‏ وهنا يكمن الخطأ الأكبر في رفض المبادرة جملة وتفصيلا‏،‏ فالرفض الكامل لا يخدم غرضا مفيدا، بل يوفر ذخيرة للقوى اليمينية المتطرفة في الولايات المتحدة لدحر التيار المسؤول عن صياغة نص المبادرة وانتزاع مسألة الديمقراطية من وزارة الخارجية إلى جهات أخرى وتوظيفه للتوصل إلى أهداف أخرى‏ .‏ إنّ الرد الحقيقي على ما جاء بالمبادرة نصا وممارسة هو التصدي لما انطلقت منه من مشكلات وقضايا لمصلحة تطورنا نحن وانطلاقا مما نراه نحن قبل غيرنا‏ .‏

 وبداية يجب أن نعترف بأنّ دول المنطقة العربية بحاجة ماسة إلى التطور في اتجاه ديمقراطي، لكن لابد من التأكيد، في الوقت نفسه، على :

أولا، أنّ الديمقراطية لا يمكن أن تكون مجرد وصفة مستوردة من الخارج بالرغم من وجود معايير كونية لها، وإنما هي – أساسا - فعل محلي داخلي وطني وتفاعلات ونضالات شعبية .

وثانيا، أنّ الدفاع الأمريكي عن الديمقراطية وسيادتها بين دول وشعوب العالم كان دائما محل شك، إلى أن سقطت غلالته الأخيرة بعد أحداث 11سبتمبر/أيلول 2001 وتغطية الانتهاكات الفظيعة لحقوق الإنسان الفلسطيني من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي وممارسات قوات الاحتلال الأمريكي في العراق حاليا، فقبل ذلك كانت الولايات المتحدة ترفع " رايات " الديمقراطية والحريات والدفاع عن حقوق الإنسان . لكن ما كان يؤخذ على هذا النهج الأمريكي أنه يتعامل بطريقة " انتقائية " مع قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، بمعنى أنه عندما تكون للولايات المتحدة مصلحة بأن تتحقق الديمقراطية في بلد ما فهي مع هذه الديمقراطية، وعندما تكون مصلحتها في وجود نظام ديكتاتوري - وهذا حدث في بلدان كثيـرة - كانت تغمض العين تماما عن قضية الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، لأنّ لها قواعد عسكرية - مثلا - في هذا البلد، أو روابط وتحالفات وثيقة مع تلك الدولة أو هذا النظام لضمان توازنات إقليمية ودولية معينة . فحينما توجد المصلحة الأمريكية إذا، كان يتحدد الاختيار: ديمقراطية أو لا ديمقراطية .

وثالثا، أنّ الجانب القيمي هو أيضا غير محدد ويتصل كذلك بالمصالح الأمريكية البحتة، وبالتالي فالمفهوم الديمقراطي هنا هو ما ينسجم ويتوافق مع سياسات الولايات المتحدة ورؤيتها للأمور، وكل ما يتعارض معها فهو غير ديمقراطي حتى ولو كان نظاما ديمقراطيا بالمعايير الكونية .

من هنا يبدو واضحا أنّ المسألة الديمقراطية في نظر الولايات المتحدة هي عبارة عـــن " أداة " من أدوات السياسة الخارجية، فمثلما تستخدم المعونات في دعم الأنظمة والدول من أجل خدمة مصالحها كذلك تستخدم هذا الشعار تبعا لمدى قرب أو بعد النظام المعني من السياسة والمصالح الأميركية، إذن نحن أمام حالة تتعلق بالمصالح والاستراتيجيات الأمريكية .

عموما فإن المهم في الأمر ليس وجود استراتيجية أمريكية إزاء المنطقة العربية، فهذا أمر طبيعي من دولة كبرى لها مصالح استراتيجية في العالم، إذ أنّ الأخطر من ذلك هو غياب استراتيجية عربية على مستوى الأنظمة كما على مستوى المعارضات الوطنية، للاستجابة للتحديات المطروحة،  في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، سواء مع وجود الشرق الأوسط الكبير،  أو من دونه .

ومهما كان الحال، لا يجوز الدفاع عن الأمر الواقع العربي الراهن الذي استنفد طاقة المجتمعات العربية وجعل منها بؤرة للطغيان والإرهاب والفساد والتفاهة، باختصار يدور الأمر حول وحدة معركة الحرية : استقلال الوطن وحرية المواطن والإنسان، التحرر من السيطرة الخارجية لا كبديل عن الحرية السياسية والثقافية وحقوق الإنسان بل كأفضل شرط لتحقيقها . فبكل بساطة لا يمكن للشعوب أن تدافع عن سلطات تجوّعها وتحاصرها وتساومها حتى على حقها في مناقشة الشؤون العامة .

  لا حل أمام هذا الخطر المحدق بالأمة إلا بتفكيك بنية الاستبداد في أغلب الحكومات العربية، وإجراء إصلاحات عميقة وحقيقية : ديموقراطية حقيقية, احترام كامل لحقوق الإنسان, منع الرشوة والمحسوبية والفساد الاقتصادي, المساواة التامة بين المواطنين, المساواة التامة بين الرجل والمرأة, تعميم التعليم والمعرفة, تحويل الأموال المرصودة للدعاية إلى محفّزات للبحث العلمي والثقافة المبدعة . وإذا ما فاتنا تحقيق هذا الإصلاح فلن يأتي البديل بيد " عمرو", بل لا بديل إلا أن نرى أنفسنا وقد تردت أوضاعنا أكثر بكثير وازدادت اتساعا الهوة بيننا وبين العالم المعاصر .

ومن هذا المنطلق لا مناص من الاعتراف بأنّ تطورنا السياسي العربي مازال بعيدا جدا عن الديمقراطية،‏ وإذا كانت الإدارة الأمريكية قد ركزت على هذه القضية فلأنها أضعف ما فينا ونقطة الانكشاف القاتلة في تطورنا المعاصر وهو مالا ينفع فيه الإنكار أو الاستنكار‏ .‏ فالجميع يقول بذلك عربا وأجانب، ولا مناص من مناقشته باستقامة ونزاهة حتى نتعامل مع ما يثيره من قضايا الفكر والفعل بأنفسنا ولأنفسنا، فنغلق نافذة الانكشاف الحاصلة في موضوع الديمقراطية أو في غيره وبسببه من موضوعات ومجالات ‏.

تونس في 24/2/2004                      الدكتور عبدالله تركماني

                                         باحث وكاتب سوري مقيم في تونس

                                                     teab@planet.tn