العرب والشراكات في عالم متغيير (6)

( أسئلة الشراكة الأورو - متوسطية)

الدكتور عبدالله تركماني

تثير الشراكة الأورو – متوسطية مجموعة أسئلة من أهمها : ماهي المشاكل والانفصامات التي يمكن أن تنتج عنها ؟ وما هي تأثيرات الشراكة وانعكاساتها على العالم العربي ؟ .

إذ يبدو أنّ المشروع المتوسطي يحمل في طياته انفصامات خطيرة، بل يمكن اعتباره بمثابة زلزال يهدد النسيج الاقتصادي للدول العربية، ويتجلى ذلك فيما يلي :

1-                   إقصاء المنتوجات الفلاحية من منطقة التبادل الحر، علما بأنّ هذا القطاع يلعب دورا جوهريا في التنمية، إضافة إلى أنّ دول الجنوب تمتلك فيها مزايا نسبية . ولا يقلل من مخاطر هذا الإقصاء ما تم من اتفاقات ثنائية في هذا المجال .

2-                   ضعف النسيج الصناعي للدول العربية المنخرطة في الشراكة، وهو ضعف يجعل من منطقة التبادل الحر مجرد إزاحة للحواجز الجمركية الجنوبية أمام المنتوجات الصناعية الأوروبية، وبالتالي استفادة أوروبا من المزايا النسبية التي تتمتع بها في هذا المجال .

3-                   الآثار السلبية للتبادل الحر في المدى القصير على النشاط الاقتصادي بصفة عامة، وبصفة خاصة على مستوى مواطن الشغل والمداخيل الجمركية والميزان التجاري .

4-                   ليس من المنطقي أن يتم تحرير حركة التجارة وتحرير حركة رأس المال في حين تُقَيَّدُ حركة عنصر العمل، فتحرير التجارة ينبغي أن يتم بالتوازي مع تحرير حركة عنصر العمل في إطار الشراكة .

5- يتجاهل إزالة الحواجز أمام انتقال التكنولوجيا الأوروبية إلى دول جنوب المتوسط، وهو أمر لا يستقيم مع اتجاه الطرفين لإقامة شراكة استراتيجية .

      وفي الحقيقة، ليس ثمة ما يضمن أنّ التباين في المستوى الاقتصادي لهاتين المجموعتين سيتقلص، بل أنّ من شأن زيادة صادرات دول الاتحاد الاوروبي إلى الأقطار المتوسطية أن تزيد من الخلل في ميزان المدفوعات الذي تعاني منه دول الجنوب، ونتيجة لذلك سيكون لمنطقة التجارة الحرة تأثير سلبي، لأنه سيعزز الفوارق الموجودة حاليا، وستتنافس كل دول الشاطئين الجنوبي والشرقي للحصول على أكبر قدر من المكاسب التي يمكنها اقتناصها من دول الاتحاد الأوروبي .

وهكذا، يظهر التقييم الموضوعي للتجربة خلال السنوات الماضية الطبيعة المعقدة لمشروع الشراكة الأورو – متوسطية، والتي تعود – أساسا – إلى عدم تكافؤ القوى المشكلة لها .  ففي مقالة ممتازة لروبير بيستولفي يتساءل فيها الكاتب عن خيالية Virtualite المشروع الأورو -  متوسطي  ويحلل  بذكاء الأوهام التي يحملها .

إذ تتميز أفكاره عن الخطب الرنانة السائدة في هذا المجال وعن التساؤلات والاندهاشات الساذجة للبعض الذين لم يتفهموا بعد لماذا لم يعطِ المشروع ثماره حتى الآن .  ويرتكز تحليله وتساؤلاته على :  ليس بإمكان دول الضفتين، وخاصة دول الجنوب، تجاهل الحقائق والتغافل عن الهوة التي تفصل خطاب الشراكة عن الواقع، واقع التبعية والتهميش الذي تعيشه مجتمعات الجنوب .

والفرضية التي تقدم بها هي أنّ الطبقات الحاكمة والساسة في بلدان جنوب المتوسط لا يملكون الشرعية الضرورية واللازمة لحكم مجتمعاتهم .  وبتحويلهم " نحو الخارج " المسؤوليات المنوطة بهم وتغطيتها بضغوطات العولمة ولزوم الشراكة والانفتاح الاقتصادي، يتجنبون مهمة إعادة بناء الإجماع الشعبي الضروري حول هذه السياسات والتي من شأنها أن تؤدي - إن عاجلا  أم آجلا - إلى رفض سلطتهم . فبهذه الطريقة يتم " استعمال " ضغوط العولمة و" الشراكة " مع أوروبا لمصلحة الحكام المحليين . وهم يعرضون المسألة وكأنها قدر هذه البلدان " لا محالة إما أن نقبل أو نرجع إلى الوراء... الخ " . ويستمدون شرعيتهم من دور " المسيّرين " managers للانفتاح الاقتصادي الذي يتبنونه .

في المقابل تلقى هذه الشرعية دعم المؤسسات الأوروبية والعلمية ومساندتها والتي تجعل منها نموذجا لما سمي بالـGood Governance أو الحكم السليم . فالانفتاح الاقتصادي والخصخصة يعتبران شرطين مسبقين للعولمة التي بدورها تفتح الطريق للديموقراطية . والساسة الذين ينهجون هذا المسار تتم مساعدتهم ومساندتهم من طرف المؤسسات الخارجية،  إذ تبدو هذه المساعدة الخارجية أهم من مساندة القوى الاجتماعية والسياسية الداخلية .

وتاليا فإننا نشهد نموذجا يقبل " سلطوية " الحكام والساسة شريطة انصياع هؤلاء إلـــى " تعليمات " الانفتاح و" إرشاداته "، فهي حالة استثنائية : حالة السلطوية السياسية الممزوجة بالانفتاح الاقتصادي تحت الرعاية السامية للمؤسسات الخارجية . ومن " ميّزات " النموذج تشجيع التنافس بين بلدان الضفة الجنوبية باللعب على وتر الخلافات الوطنية، الأمر الذي يجعل عمليات الديناميكية الإقليمية المتمركزة حول الذات أصعب . وعلى سبيل المثال توضع تونس في وضعية تنافس مع المغرب، ويوضع المشرق في تنافس مع المغرب والأفضل من يتغلب في التفاوض والربح .

إنّ هذا " الحكم السليم " أو " الحاكمية "   Good Governance يعرّض الطبقات الشعبية وجزءا كبيرا من الطبقات المتوسطة لوضعية مأسوية .

 

 

 

أما بالنسبة للانعكاسات السلبية للشراكة على العالم العربي فهي متعددة، من أهمها :

1-                    تقسيم العرب في علاقتهم مع أوروبا إلى ثلاثة أقسام : دول متوسطية انخرطت في الشراكة منذ العام 1995، ودول مجلس التعاون الخليجي التي عقدت اتفاقية التعاون المشترك مع الاتحاد الأوروبي في العام 1988 ، ودول خارج السياقين السابقين .

2-                    إنّ مشروع الشراكة الأورو- متوسطية يقوم على أساس نفي وجود الهوية العربية الموحدة، وفي المقابل يعد الجانب الأوروبي نفسه طرفا واحدا متكاملا بالرغم من وجود دول فيه غير متوسطية . فهو لم يراعِ ترابط المصالح السياسية والتاريخية والأمنية والاستراتيجية والاقتصادية بين الدول العربية، وبينها جميعا وبين الدول الأوروبية . وقد غاب عن بعض الأوروبيين أنّ المفهوم الاستراتيجي للمتوسطية يشمل العالم الأورو – متوسطي من هلسنكي إلى مسقط، وأنّ هذا العالم له مصالح مشتركة وما يحدث في جزء منه يؤثر في باقي الأجزاء . كما أنّ في هذا التوجه نوعا من التوازن في العلاقات الأوروبية – العربية، يضمن عدم تجزئة النظام الإقليمي العربي .

3-                    يحاول الجانب الأوروبي تكريس مركزيته حيال العالم العربي، ففي الوقت الذي يُمَثَّلُ الاتحاد الأوروبي في مشروع الشراكة بمؤسساته العليا، أي المفوضية الأوروبية العليا، فإنه لا يتعامل مع جامعة الدول العربية كمؤسسة جامعة للعرب، إذ تحضر كطرف مراقب .

4-                    إنّ الاتحاد الأوروبي يتعامل مع الدول العربية غير المتوسطية من زاوية مختلفة للتعامل مع الدول المتوسطية، فهو يركّز مع الدول المتوسطية على إقامة منظومة اجتماعية – اقتصادية – سياسية – ثقافية – فكرية، بينما يركز مع الدول العربية الخليجية على الأولويات الاقتصادية والتجارية التي تتعلق بالنفط والاستثمارات والمشاريع والأسواق .

5-                    ينطوي المشروع على خطر تخصيص اقتصاد الدول المتوسطية غير الأوروبية للمنتجات أو القطاعات الاقتصادية التي تحتاجها أوروبا ( السياحة وشؤون الصيد والفواكه )، إضافة إلى خطر نقل أضرار تلوث البيئة إلى دول جنوب وشرق البحر المتوسط .

وعلى الجانب الآخر، ينبغي القول أنّ الدول العربية تفتقر إلى سياسة موحدة حيال أوروبا، ففي الوقت الذي ترى فيه الدول العربية المغاربية فوائد اقتصادية كبيرة لمشروع الشراكة ترى الدول العربية المشرقية أنّ الشراكة مع أوروبا يجب أن لا تكون في إطار المقاربات الاقتصادية ومشاريع التنمية فقط، بل يجب أن تكون من خلال دور أوروبي فاعل في التسوية العربية – الإسرائيلية، في حين تخشى الدول العربية الخليجية من سياسة أوروبية مغايرة للقيم والسلوكيات الثقافية والاجتماعية التي تشكّل مجتمعة الهوية الحضارية لشخصية منطقة الخليـج .

وبالرغم من السلبيات، الموصوفة أعلاه، فإنّ الشراكة ضرورية لبناء مصالح مشتركة وعلاقات اقتصادية فاعلة في شتى المجالات، وانطلاقا من هذه المصالح فإنّ الآفاق لتأسيس شراكة عربية – أوروبية حقيقية تبقى حيوية مفتوحة، بحكم الحاجة العربية إلى الخبرة الأوروبية مقابل الحاجة الأوروبية إلى المواد الأولية وإلى الأسواق العربية .

      ثم أنّ هذه الشراكة خيار استراتيجي أساسي لجميع أطرافها، وليس مجرد تجمع ظرفي لتعظيم المنافع أو درء الأضرار، وهناك مجموعة عوامل دفعت إلى هذا المشروع، منها التوجه العالمي نحو مزيد من الاندماج والتكتل الاقتصادي، إضافة إلى بناء منطقة آمنة ومستقرة لشعوب ضفتي المتوسط، كما أنّ التجمع المتوسطي يُصَنّف ضمن إرهاصات بناء النظام العالمي الجديد .

فمع الأحداث الكبرى التي أفرزتها نهاية مرحلة الحرب الباردة ( انهيار الاتحاد السوفياتي، وحرب الخليج الثانية، وانطلاق عملية التسوية العربية – الإسرائيلية في مدريد، وهيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على العالم وقضاياه خاصة بعد احتلال العراق والاستفراد بقضايا الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي ) وجدت الدول العربية نفسها وجها لوجه أمام المساعي الأمريكية – الإسرائيلية الرامية إلى رسم خريطة جديدة للمنطقة، وفي ظل غياب قطب دولي آخر يعادل الولايات المتحدة وجدت في أوروبا طرفا يمكن أن يحقق نوعا من التوازن في مسألة الصراع العربي – الإسرائيلي والصياغات الإقليمية الجديدة عبر النظام الشرق أوسطي، من خلال تشجيع الدور الأوروبي في عملية السلام ليكون عنصرا ضابطا باتجاه التوازن وزيادة فرص السلام الحقيقية .

وعلى كل حال فإنّ الشراكة الأورو – متوسطية و الأورو – عربية تبقى ضمانا للدول العربية بأنّ طرفا دوليا أو إقليميا بعينه لن يستطيع الهيمنة على هذا الإطار أو احتكار الاستفادة منه أو لعب دور الوسيط الوحيد من خلاله . مما يستوجب على الدول العربية تطوير إطار عربي للمساومة الجماعية لتعظيم المنافع الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الممكنة من هذا الفضاء الاقتصادي الكبير، ولاسيما تعظيم ما يسمى بالآثار الانتشارية Spread Effects التكنولوجية والتدريبية والمعلوماتية والمؤسسية من بلدان شمال المتوسط الأكثر تقدما إلى بلدان جنوب وشرق المتوسط المتأخرة .

ومن القضايا الجديرة بالعناية في مجال المساومة الجماعية العربية في إطار الشراكة الأورو – متوسطية، يمكن أن نذكر :

1-                    الإصرار على إعطاء الأولوية للمشروعات المشتركة التي تقوم بتطوير الصناعات الحديثة والمتقدمة في المنطقة العربية .

2-                    نظرا لتمتع البلدان العربية المغاربية والخليجية بمخزون هام للطاقة من النفط والغاز يمكن للبلدان العربية، في إطار المساومة الجماعية، أن تطرح على البلدان الأوروبية ضمان إمدادات الطاقة على مدى زمني طويل وعلى أسس تعاقدية مقابل تدفق التكنولوجيا الحديثة بتكلفة معقولة للبلدان العربية، والمساومة حول المخصصات المالية الخاصة بعملية تأهيل الاقتصاديات العربية لتحقيق درجة معقولة من التنافسية لهذه الاقتصاديات .

3-                    لكي تستفيد هذه الدول من اتفاقيات الشراكة يتطلب الأمر تحديد أهداف هذه الدول كوحدة اقتصادية في إطار المشروع المتوسطي، وتحقيق تكامل فيما بينها بتحرير السياسات التجارية ودعم استقرار النظم النقدية والمالية، إذ أنّ قيام هذه الدول بالتفاوض كوحدة واحدة يعطيها قدرة تفاوضية أكبر تؤهلها للحصول على مزايا ومكاسب أكبر .

ولاشك أنّ أوروبا قادرة على الاضطلاع بالدور الطلائعي في مجال تطوير وتحديث الاقتصاديات العربية المتوسطية كما فعلت اليابان مع الدول الآسيوية المجاورة لها، إلا أنّ الخيارات المطروحة أمام الدول العربية تعكس بوضوح ضرورة التعاون العربي كشرط أساسي للاستفادة من هذه الشراكة .

وهكذا، يبدو أنّ الفارق الأساسي بين المشروعين الشرق أوسطي والمتوسطي يكمن في الإرادات، أكثر مما يكمن في الوقائع . إذ ثمة بالفعل عدم تكافؤ بين أوروبا والعالم العربي، كما أنّ هناك عدم تكافؤ داخل دول العالم العربي فيما بينها . لكنّ المشروع الأورو - متوسطي يبدو مفهوما " يحاول أن يصور فكرة الشراكة القائمة على قواعد معاكسة تماما لفكرة الهيمنة التي يقدمها المفهوم الشرق أوسطي المدعوم من الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل ". ومن هنا، فإنه لا خشية من التعاون مع أية دولة، أو أية مجموعة، إذا كانت المفاهيم واضحة، في حين يكون التخوف واجبا من كل مشروع لا يحدد مفاهيمه، وفي كل اتفاق لا تكون قواعده واضحة يزداد القوي قوة على حساب الطرف الضعيف .

الأوروبيون يحاولون وضع قواعد للتعامل، تأخذ بعين الاعتبار مصالح الشريك الآخر، على أساس فكرة الشراكة . في حين أنّ الأمريكيين يراعون فكرة المصالح الأمريكية ولا يأخذون بعين الاعتبار مصالح الآخر، ثم أنّ الشرق أوسطية تنطوي على هدف استبدال العروبة برابطة جديدة، إذ أنّ الهدف الرئيسي لها هو إدخال إسرائيل في عصب اقتصاد المنطقة وجعلها الآلة المحركة والضابطة والمسيطرة، بحيث تصبح - مع الزمن - هي المدينة والبلاد العربية الضواحي والأرياف .

ولكن، بعد موجة المبادرات الأمريكية " الشرق الأوسط الواسع " والألمانية " نحو شراكة شاملة من أجل مستقبل مشترك " والدانماركية " الشراكة من أجل الإصلاح والتقدم "، ألا يمكن دمج هذه المبادرات وتركيبها في مبادرة غربية واحدة من خلال المؤسسات المشتركة على نمط " معاهدة هلسنكي " لتشكيل " منظمة الأمن والتعاون في الشرق الأوسط " لإحداث التغيير المطلوب في المنطقة العربية ؟ وما هو السبيل الأقوم للتعامل مع هذه الموجة بما يحدث التغيير، باعتباره حاجة عربية قبل أن يكون مطلبا خارجيا، ويحافظ على المصالح العربية العليا في آن واحد ؟ . هذا ما سنعالجه في الحلقة الأخيرة . 

 

 

 

تونس في 20/2/2004                            الدكتور عبدالله تركماني

                                             كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

                                                                    teab@planet.tn