جديد المشهد السياسي السوري....                                                                                                      

أكرم البني*

 

ثمة جديد ومختلف يحدث اليوم في سورية لا يمكن تصنيفه أو إخضاعه للمعايير القديمة، يتجلى في تكرار ظاهرة التجمعات والاعتصامات السياسية للتعبير عن حالة احتجاج أو لنصرة واحدة أو أكثر من مهمات الإصلاح الديمقراطي في البلاد، آخرها تجمع المئات من نشطاء حقوق الانسان وأنصارهم أمام مبنى البرلمان السوري تعبيراً عن رغبتهم في رفع حالة الطوارىء والأحكام العرفية في ذكرى إعلانها يوم الثامن من آذار منذ واحد وأربعين عاماً، قوبلت بالتفريق واعتقالات عشوائية طاولت العشرات منهم، لكن لم تمض إلا ساعات محدودة حتى أطلق سراحهم جميعاً.

قبل ذلك بأيام وتحديداً في الرابع من شهر آذار الجاري شهدت مدينة حلب حشداً  تضامناً مع الأظناء الأربعة عشر الذين أحيلوا الى محكمة عسكرية بسب رغبتهم في الاستماع الى محاضرة عن قانون الطوارىء والأحكام العرفية، سبق وألقيت قبل أشهر في منتدى جمال الاتاسي في دمشق!!.

كان التجمع نوعياً، بكل معنى الكلمة، ليس لأنه ضم العشرات من محامي الدفاع والمئات من الكوادر والنشطاء السياسيين والحقوقيين السوريين قدموا من مختلف المحافظات للتعبير عن تضامنهم مع المتهمين ورفض هذه المحكمة الاستثنائية، وإنما أيضاً لأنه تميز بحالة واضحة من الدقة والتنظيم، فما يلفت الانتباه على الفور، كثرة اليافطات الصغيرة، المتماثلة الحجم، المصنوعة بعناية، والتي يتناوب على حملها عشرات الشبان لإظهار شعارات عن الديمقراطية باللغتين العربية والإنكليزية، مثل عبارات :  " الديمقراطية مدخلنا الى التاريخ الحديث "  و " لنواجه تحدياتنا الداخلية والخارجية على أساس الحوار وقبول الرأي الآخر" و " حقوق الانسان هي حياة الانسان " و " أوقفوا هذه المحاكمة " و " أطلقوا سراح السجناء السياسيين " و " ارفعوا حالة الطوارىء، أوقفوا المحاكم الاستثنائية  " و " الفساد يحرم أطفالنا كأس الحليب "...الخ.

وفي الخامس والعشرين من شهر شباط المنصرم اعتصم أكثر من ثلاثمائة طالب، داخل الحرم الجامعي في مدينة حلب، شمال سورية، للاحتجاج سلمياً على المرسوم رقم / 6 / الذي يعفي الدولة من مسؤولياتها في توظيف خريجي كليات الهندسة، هذا الحدث ترك بصمة كبيرة على مناخات الحراك المدني  في الدفاع عن فرص العمل لخريجي الجامعات السورية، على الرغم من نجاح الأجهزة الأمنية ومسؤولي حزب البعث ـ  فرع الجامعة، في تفريق المحتشدين بالقوة، ما أدى الى إيذاء عدد كبير منهم واعتقال  بعضهم لساعات محدودة.

وقبله بأيام، في الثاني والعشرين من الشهر نفسه، احتشد مئات المثقفين والسياسيين السوريين أمام محكمة أمن الدولة العليا في دمشق ورفعوا عدة يافطات تنادي بالحرية ورفع حالة الطوارىء، أبان محاكمة سبعة من النشطاء الكرد سبق واعتقلوا بسبب مؤازرتهم لعشرات الأطفال الأكراد في اعتصام سلمي أمام مبنى اليونيسيف بدمشق في اليوم العالمي للطفل مطالبين بمنحهم الجنسية السورية.

هذه الحكاية بدأت في العاشر من شهر كانون الأول الماضي بالحشد التضامني الذي جرى أمام مقر رئاسة مجلس الوزراء في دمشق بمناسبة الذكرى الخامسة والخمسين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وكانت بادرة فريدة في الحياة السياسية السورية أن يتجمع المئات من الناس والمثقفين وكوادر الأحزاب، العربية والكردية، أمام مؤسسة رسمية من أجل قضية هي موضع خلاف كبير ونوعي مع السلطات السورية.

    ليس من أجل فلسطين أو العراق أو مناهضة العولمة أو مقاطعة البضائع الأمريكية مثلما كانت حال التظاهرات والتجمعات الشعبية التي عرفناها في بحر العامين المنصرمين، وليس أمام أحد مقرات الأمم المتحدة أو المفوضية الأوربية في دمشق بل أمام مبنى حكومي وخلف شعارات واضحة تدعو الى رفع حالة الطوارىء والأحكام العرفية والى الحريات والمساواة وحقوق المواطنة للمحرومين منها من الأكراد وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، واستكمل الحدث بتقديم مذكرة تتضمن هذه النقاط الى رئيس مجلس الوزراء بصفته الحاكم العرفي الذي امتنع بعد تردد عن مقابلة الوفد الممثل لمختلف التيارات السياسية والحقوقية المشاركة.

يضعنا جديد المشهد السياسي السوري أمام عدد من الإشارات والدلالات :

الإشارة الأولى، تدل على مدى انتشار الهم الديمقراطي في المجتمع السوري وتنامي ثقة الناس بدور الإصلاح الديمقراطي في معالجة أزمات البلاد المتفاقمة ومواجهة الأخطار المحدقة بالوطن، بدليل العدد الكبير من القوى السياسية والفعاليات الاجتماعية والحقوقية التي تتكرر مشاركتها في هذه الحشود.

فمثلاً، لأول مرة في التاريخ السوري تنطح أكثر من مئتي محامي من كافة التيارات للدفاع عن المتهمين الأربعة عشر أمام المحكمة العسكرية في حلب، ولأول مرة تقدم مذكرة الى مكتب رئيس مجلس الوزراء فيها حزمة من المهام الديمقراطية الملحة، اتفقت على محتواها أكثرية الأحزاب والفعاليات السياسية السورية المعارضة، منها أسماء جبهوية كالتجمع الوطني الديمقراطي والتحالف الديمقراطي الكردي والجبهة الديمقراطية الكردية وكل منها يضم خمسة أحزاب، ناهيك عن أسماء لأحزاب منفردة كحزب العمل الشيوعي والاتحاد الشعبي ويكيتي الكردي وإذا أضفنا اليهم لجان إحياء المجتمع المدني وناشطو مناهضة العولمة ومنتدى جمال الاتاسي ولجنة نصرة فلسطين والعراق، نجد أن العدد الباقي من الأسماء أغلبه للمنظمات المعنية بالدفاع عن حقوق الإنسان، كالجمعية السورية لحقوق الانسان ولجان الدفاع عن الحريات الديمقراطية وحقوق الإنسان والمنتدى الثقافي لحقوق الإنسان ورابطة الدفاع عن حقوق الانسان ولجنة الدفاع عن المجردين من الجنسية السورية.

الإشارة الثانية، تتعلق بتطور العلاقة والتفاعل بين العرب والأكراد السوريين على قاعدة الهم الديمقراطي العام وبأفق بدا يتضح شيئاً فشئياً أمام الجميع، بأن المسألة الديمقراطية هي المدخل الوحيد والآمن لحل المسألتين القوميتين العربية والكردية، ودونها نعجز جميعنا عن مواجهة معضلاتنا  المجتمعية والإنسانية والتصدي للتحديات والأخطار الماثلة أمامنا في عالم يؤكد كل يوم بأن لا حظ فيه إلا للشعوب المتكاتفة والمتحدة.

لقد خطت القوى العربية والكردية عبر هذا الأسلوب النضالي خطوة مهمة نحو بناء أواصر ضرورية من الثقة والاطمئنان ونحو بلورة إيمان مشترك بأن هدف التغيير الديموقراطي هو الوحيد الذي  يضمن مساواة جميع القوميات في نظر المجتمع والقانون. وإذا استثنينا بعض الأصوات القومية المتطرفة والمغالية،  يفرحك أن تسمع في غير حشد تضامني هتافات باللغتين العربية والكردية تدعو الى الأخوة بين الكرد والعرب والى الحريات والى الوحدة الوطنية وترى الى يافطات صغيرة يحملها بعض النشطاء الأكراد تدعو الى رفع حالة الطوارىء والى المساواة أمام القانون وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين والى جوارها يافطات يحملها نشطاء عرب بالمضمون ذاته.

الإشارة الثالثة : هو الشعور العالي بالمسؤولية الذي يسم سلوك البشر في تجمعات لا تزال تحت سيف الممنوع والمحظور وابتعادهم عن التطرف والمغالاة أو أية " أعمال شغب " إن صح التعبير، ما يدل على نضج ملموس عند القوى المنظمة أو المشاركة على حد سواء، وإيمانها بتغليب لغة العقل بعيداً عن إثارة العواطف والانفعالات وكأنها تريد، الى جانب حرصها على حماية هذا الشكل المتميز في التعبير عن مواقفها وأرائها، أن تكون أول من يبادر الى ضرب مثل مسلكي حول أصول وقواعد العمل الديمقراطي السلمي.

الإشارة الرابعة : تقتضي الاعتراف بأن ما جرى كان في اتجاهه العام  بفعل عمل منظم قادته قوى مدنية وسياسية وحقوقية، لكن دون أن نغفل حضور بعض عناصر العفوية التي يبدو أنها تمتد مع الزمن وتتسع، تجلت بتنوع الوجوه وتجددها في كل مرة وبارتفاع نسبة المشاركين من الفئات الشبابية والنساء خصوصاً من أوساط الطلاب والطالبات الجامعيين، هذا على النقيض من التجمعات السابقة ذات الطابع الوطني التي اختصت بدعم نضالات الشعب الفلسطيني أو لمناهضة الحرب على العراق، إذ كانت الوجوه نفسها تتكرر وهي في غالبيتها من كبار السن والشخصيات العتيقة في العمل السياسي.

إن تكرار هذه التجمعات التي لا تزال رمزية ومحدودة العدد ولا ترقى الى مصاف اختبار القوة بأي حال من الأحوال، استحضر من الذاكرة حيوية الشارع السوري التي غابت طويلاً وساهم في نزع بعض الخوف من قلوب الناس وشجعهم على تجاوز ترددهم وسلبيتهم، هذا إذا لم نقبل برأي المتفائلين الذين يعتبرون هذه الظواهر بداية العد العكسي لإحياء دور الناس في الحياة العامة وإعادة بناء الصورة الصحية للحمة وطنية تنأى عن المصالح الضيقة وتقف في وجه التفكك الاجتماعي نحو ملاذات عشائرية أو طائفية أو قومية.

الإشارة الخامسة : تتعلق بجديد سلوك السلطات السورية التي تقصدت غض الطرف عن مثل هذه النشاطات وآثرت على ما يبدو سياسة الاحتواء والاسترضاء والاكتفاء بمراقبة الحشود ومتابعتها بحذر وأحياناً المسارعة الى حصار بعض التجمعات الكبيرة وتطويقها من قبل عناصر الشرطة والأمن لعزلها وضمان السيطرة على تحركاتها.

ورغم أن السلطات السورية لم تلجأ كاتجاه رئيس كما جرت العادة الى استخدام القوة المفرطة أو القمع والاعتقال لتفريق محتشدين يطرحون شعارات عن الديمقراطية وحقوق الانسان وإطلاق سراح سجناء سياسيين، فثمة اندفاعات أطلت برأسها هنا وهناك لاستخدام القوة والنفوذ السلطوي معاً، كحال الاعتقالات المؤقتة التي جرت لعشرات المشاركين في الاعتصام السلمي الأخير أمام مجلس الشعب السوري، وأيضاً المحاولات العنيفة لتفريق اعتصام طلاب جامعة حلب وما تبعه من قرارات ظالمة بإحالة خمسة من قادتهم الى مجلس تأديبي مع اقتراح فصل ثلاثة منهم فصلاً نهائياً من الجامعة، جنباً الى جنب مع الأساليب المتنوعة لإعادة زرع الخوف والرعب بين الناس عبر تكرار الاستدعاءات الأمنية وتهديد بعض النشطاء والتضييق على شروط حركتهم.

بالقياس الى أساليب الماضي يرجع البعض هذا التعاطي " المرن " مع الحشود والتجمعات المعارضة الى أثر الضغوط الخارجية التي يتعرض النظام الحاكم لها في محاولة للظهور بمظهر جديد، مظهر الراغب في الإصلاح والتغيير والمتفهم لأساليب التعبير السلمي عن التعارض والاختلاف، بينما لا يجده آخرون غير صمام أمان تستخدمه السلطة، بين آونة وأخرى، لتنفيس الاحتقانات الشعبية والسياسية.

ويبقى السؤال هل يمكن اعتبار هذه التجمعات والاعتصامات المعارضة خطوة على طريق انتصار الحريات وحقوق الانسان في سورية ؟ وهل لها أن تترك أثراً ايجابياً على مسار الإصلاح الديمقراطي وقد بات أكثر من حاجة حيوية في الظروف العصيبة التي تمر البلاد بها، خاصة في مهمتين اسعافيتين، لا تقبلان أي تأجيل، هما رفع حالة الطوارىء وإطلاق سراح السجناء السياسيين من العرب والأكراد تختصرهما لافتة صغيرة حملها طفل أحد المعتقلين السياسيين أمام مبنى رئاسة الحكومة السورية تضم كلمتين بسيطتين : أريد بابا !!.  

                                                   

   * ـ كاتب سوري                                                           دمشق / 9 / 3 / 2004