اللباقة والكياسة في قاموس وزير الإعلام السوري؟

الطاهر إبراهيم*

لعل الذين قرأوا المقابلة التي أجراها "إبراهيم حميدي" مراسل جريدة "الحياة اللندنية" في دمشق مع السيد وزير الإعلام السوري، ونشرت يوم 29 شباط "فبراير"الماضي، وأذاعتها قناة "الجزيرة" في نفس اليوم، قد أصيبوا بالإحباط من جواب السيد الوزير على سؤال حول قانون الطوارئ، حيث قال (قانون الطوارئ المعلن في سورية منذ 41 عاماً بسبب وجود قسم من أرضها تحت الاحتلال "لا يستخدم إلا في حالات نادرة جداً جداً", لافتاً إلى أن أجهزة الأمن "تتعامل بكثير من اللباقة والكياسة مع أي مواطن".).فهو يؤكد أن هذا القانون "لم يستخدم إلا في حالات نادرة جداً جدا..ً"،وأرجو أن يضع القارئ الكريم خطين أحمرين تحت عبارة جدا جدا.

وأول ما يتبادر إلى ذهن أي سوري هو سؤال معالي الوزير، عما إذا كان يعتبر من الحالات "النادرة جدا جدا" اعتقال عشرات ألوف السوريين في ثمانينيات القرن العشرين، بموجب قانون الطوارئ هذا،(حيث أعدم منهم من أعدم،وأطلق سراح من أطلق، ولا يزال ينتظر أكثر من ألف منهم في أقبية سجون المخابرات وما بدلوا تبديلا)؟. وقد يقول لنا معالي الوزير إنه كان يعني بالحالات النادرة في عهد الرئيس الأسد (الابن) فقط،ولا يشمل ذلك عهد الأسد (الأب). وحتى لو سلمنا له بذلك، فإن السؤال يبقى قائما عما إذا كان الأفاضل العشرة "عارف دليلة" وإخوانه، والمئات غيرهم من الذين رصدتهم لجان حقوق الإنسان السورية والعربية والعالمية في سجون النظام السوري، هم من القليل النادر جدا جدا؟. ومع الاعتذار لمعالي الوزير فإننا نرجو أن يتسع صدر معاليه لنا ولو قليلا، لأننا لن نكتفي فقط بتساؤلنا السابق، فما يزال في أفواه السوريين الكثير من الأسئلة حول ما ورد في حواره مع محرر "الحياة" في دمشق.

فمثلا نريد أن نستوضح من معاليه، عما تعنيه لديه "اللباقة والكياسة" التي وصف بهما معاملة أجهزة الأمن للمواطنين؟ وهل حشر المواطن السوري ،أثناء التحقيق معه، داخل دولاب  سيارة "جنط14" ثم ضربه على رجليه حتى يخرج الدم منها أو من رأسه أو تخرج معها روحه من صدره، يدخل ضمن معنى "اللباقة والكياسة"؟.

وهل ربط أعضاء هذا المواطن التناسلية بسلك كهربائي، ثم وصله إلى مولد كهربائي (12 فولط)، يدخل في نطاق "اللباقة والكياسة"؟.

 ونستحلفك بالله يا معالي الوزير إن كان "بساط الريح" إياه، أو تعليق المواطن من رجليه، ورأسه مدلى فوق مرجل مملوء بالماء الذي يغلي، وإنزاله في المرجل ثم رفعه عدة مرات يعتبر من الكياسة واللباقة؟.     

ومن المفارقة الفاقعة جدا، أن معالي الوزير كان يتكلم عن " اللباقة والكياسة" أمام محاوره الصحفي "إبراهيم حميدي"،الذي اعتقله أحد أجهزة الأمن السورية قبل عام من تاريخه لأنه نشر خبرا سربه له جهاز مخابراتي آخر. ولا شك أن هذا المحرر قد ذاق طعم " اللباقة والكياسة"، عندما كان نزيل أحد أقبية المخابرات السورية ؟.

وأجدني مضطرا ألا أترك تلك الفقرة من تصريح معالي الوزير حول قانون الطوارئ، --الذي تم إخضاع المواطنين السوريين له مئات ألوف المرات- إلا بعد سؤال معاليه عما إذا  كان  نظام الحكم قد استخدم فعلا قانون الطوارئ هذا، ،ولو لمرة واحدة منذ عام 1974،  في مصلحة درء الاحتلال الصهيوني للجولان السورية، كما زعم معاليه.

 ثم إذا كان هذا القانون ،سيء السمعة،لا يطبق إلا نادرا، فلمَ يقتصر هذا النادر على معارضي النظام فقط  دون العدو الذي من أجله تم تشريع هذا القانون؟. والسوريون كلهم يعرفون أنه لم يعكر صفو جبهة الجولان، خلال أكثر من ثلاثة عقود  مع هذا العدو، أي إطلاق نار، ولا حتى إطلاق بندقية صيد عصافير؟..

وهل يمكن أن يفيدنا معالي الوزير عن الحكمة من محاكمة النائبين "مأمون الحمصي..و رياض سيف"... أمام محكمة مدنية، ثم عُدِل عنها بعد ذلك إلى محكمة أمن الدولة،التي هي فرع عن هذا القانون الجائر، عند محاكمة بقية العشرة ومنهم رياض الترك، مع أن التهمة المزعومة واحدة؟..

وإذا كان قانون الطوارئ لا يطبق إلا نادرا، فهل يعتبر من هذا النادر اعتقال 14 ناشطا جاءوا لحضور محاضرة في منتدى الكواكبي في مدينة حلب، ومحاكمتهم أمام محكمة عسكرية، وكلهم من المدنيين؟. 

والعجيب أن هذا النادر قد طال الدستور السوري، وبدلا من أن يلغى أي قانون يتعارض مع الدستور كما جاء في إحدى مواده، فإن قانون الطوارئ قد عطل مواد دستورية كثيرة تتعلق بحقوق المواطن مثل المواد من 25 حتى 49،التي لا يُعمل بها مطلقاً،(حق المواطن في عدم اعتقاله تعسفيا بدون إذن القاضي وهو ما تنتهكه أجهزة الأمن، وحقه في انتخاب أعضاء مجلس النواب انتخابا حرا ومباشر،وهو مالا يحصل إذ تعين القيادة القطرية ثلثي أعضاء المجلس من البعثيين ومن أعضاء الجبهة التقدمية وغيرها.. وغيرها.).

وإذا كان قانون الطوارئ لا يطبق إلا نادرا، فبم يفسر لنا قيام أجهزة الأمن بفرض رأيها على إدارة الجوازات وحظرت عليها إعطاء موافقات سفر للنساء ومن كان عمره أقل من ثمانية عشر عاما؟( وهذا يتم على نطاق واسع في القنصليات السورية وخصوصا في دول الخليج). علما أن وزير الداخلية كان قد ألغى الموافقات الأمنية.     

ثم إذا كان قانون الطوارئ لا يطبق إلا نادرا حسبما زعم معالي الوزير الحالي وما زعم معالي سلفه عدنان عمران، في تصريحه قبل ثلاثة أعوام، إذن "الغوه وخلصونا من شره".

وإذا كنا نعتبر أن إطلاق سراح أكثر من ألف معتقل سياسي منذ مجيء الدكتور بشار الأسد إلى السلطة، إنما هو إيجابية ينبغي أن تذكر وتسجل له. فإننا نؤكد في نفس الوقت بأن أجهزة الأمن قامت باعتقال أكثر من هذا العدد خلال نفس الفترة.وإن قسما كبيرا منهم عاد إلى سورية بعد موافقة أجهزة الأمن على عودتهم، أي عن طريق "البوابة الأمنية"، التي تصر تلك الأجهزة على أن لا يعود أحد من المنفيين إلا عبر تلك البوابة.

إن أجهزة الأمن ما تزال تمسك بقوة بمفاصل كثيرة من الوزارات والإدارات في سورية. وما يزال المواطن إذا ما أراد أن يبوح لمواطن آخر بهمومه اليومية، يتلفت يمينا وشمالا عدة مرات ليتأكد أن لا أحد من عيون وآذان تلك الأجهزة ينصت أو يراقب. بل إن المواطن  إذا جلس مع أهله أو مع أخلص المقربين منه، وأراد أن يبث لهم شجونه، لا يكتفي بإغلاق "الموبايل"، بل يقوم بفصل "البطارية" عنه، زيادة في الاحتياط.

وإذا كانت قضية المنفيين تعتبر القنبلة الموقوتة التي لا يعلم النظام متى تنفجر في وجهه، فإن قضية المعتقلين الدهريين في سجون أجهزة الأمن السورية غدت جرحا نازفا، وبعدا إنسانيا صرفا، بعد أن انفصلت عن البعد السياسي منذ ما يزيد عن ربع قرن. وقد أصبح السؤال الملحّ هنا هو :متى يعالج هذا الجرح الذي تقيح؟ ومتى يتم إفراغ السجون بصورة نهائية؟ لقد أصبحت الحاجة ماسة إلى ذلك، على الأقل حتى يتسنى للمعتقل أن ينطق "بالشهادتين" على فراش الموت، وأن يحمل إلى قبره من بيته، لا من الزنزانة التي هي قبر الحياة، بعد أن أصبح هؤلاء خيالات وهياكل عظمية؟. 

الإصلاح بين مزاعم أمريكا ووعود النظام والمواطن

وأخيرا لا بد من أن نعرج إلى ما تتطرق إليه معالي وزير الإعلام السوري أحمد الحسن حول موضوع الإصلاح الذي جعلت منه أمريكا في المدة الأخيرة وكأنه "قميص عثمان".  وهي أولا وأخيرا تريد أن تخضع دول المنطقة إلى مزيد من الابتزاز، ولم تكن في يوم من الأيام لتهتم بمصالح الدول والشعوب إلا بمقدار ما يخدم ذلك مصالحها فقط.

جاء في كلام معالي الوزير:

(هناك فرق بين أن تتم الإصلاحات بإرادة من الحكومات التي تقوم بعمل عقلاني يراعي التطور الثقافي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي في كل بلد, وبين أن يفرض ذلك الإصلاح من الخارج). وإذا كان المواطن السوري لا يثق بمزاعم أمريكا الإصلاحية، فإنه في نفس الوقت، يعلم يقينا أن النظام السوري غير جاد في وعوده الإصلاحية، وقد كان عنده الوقت الكافي لكي يضع طروحاته موضع التطبيق لو أنه كان يرغب حقا في ذلك.

كل الدلائل تشير،على ما يظهر للمراقبين، بأن النظام السوري لم يأخذ تهديدات الإدارة الأمريكية على محمل الجد حتى الآن. وأنه لا يزال يعتقد بإمكانية الوصول إلى قواسم مشتركة مع هذه الإدارة، ظنا منه بأن أمريكا ما زالت تحتاج إلى خدمات هذا النظام، وهو يطمح من وراء التأجيل, إلى عقد صفقة مع الولايات المتحدة ولو على حساب الوطن والمواطن.

لكن،في نفس الوقت، هناك من يعتقد أن إدارة بوش تنظر إلى المسألة من منظور مختلف.

*عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام / السعودية