العرب والشراكات في عالم متغيير (5)

( الشراكة الأورو - متوسطية وأبعادها وأسئلتها )

الدكتور عبدالله تركماني

عرفت المنطقة الأورو- متوسطية اتفاقيات تعاون جزئية طوال عدة عقود من الزمن، كان أبرزها : مع تركيا في العام 1963، ومالطا في العام 1972، وقبرص 1973، والحوار العربي – الأوروبي في العام 1973 ( تبلور في إطار منتدى  EAD الذي جمع كلا من الجماعة الأوروبية وجامعة الدول العربية، وقد كانت نشأته بفضل مبادرة فرنسية، وتم إعلانه في كوبنهاغن في ديسمبر/كانون الأول 1973 . ومن وجهة نظر أوروبية كان الحوار إطارا مناسبا لمناقشة القضايا الاقتصادية، بينما وجده العرب مدخلا لمناقشة الأمور السياسية، خاصة حول القضية الفلسطينية . وقد عُدت السنوات الأولى من الحوار سنوات ناجحة بكل المقاييس، خاصة مع انضمام منظمة التحرير الفلسطينية إلى الوفد العربي ) .  ولم تبدأ فكرة الشراكة الأورو- متوسطية بالتبلور إلا في عام 1992 عندما أصدرت دول الاتحاد الأوروبي، تحت تأثير فرنسا وإيطاليا وإسبانيا، وثيقة سميت " السياسة المتوسطية المتجددة " التي شملت جوانب عديدة للتعاون المالي ودعم الإصلاحات البنيوية لدول جنوب البحر الأبيض المتوسط والبدء بسياسة انفتاح وإصلاح اقتصاديين .

وفي الواقع توجد خمس مبادرات للتعاون المتوسطي : أولها، مبادرة الجماعة الأوروبية للتعاون المتوسطي، حيث بدأت مع توقيع اتفاقية روما في 25 مارس/آذار 1957، المؤسسة للجماعة الأوروبية، وتعود إلى وجود علاقة بين الدول الموقعة على اتفاقية روما ودول المغرب العربي، والمقصود هنا علاقة فرنسا وإيطاليا بكل من الجزائر وتونس والمغرب وليبيـا .

وثانيها، المبادرة الإيطالية – الإسبانية التي طُرحت عام 1990 لإنشاء " مؤتمر الأمن والتعاون في البحر الأبيض المتوسط " على غرار " مؤتمر الأمن والتعاون الأوروبي/مؤتمر هلسنكي " .

وثالثها، المبادرة الفرنسية التي ركزت على خصوصية الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط ( 5+5 )، حيث شملت دول الاتحاد المغاربي الخمس وخمس دول أوروبية من شمال المتوسط : فرنسا وإيطاليا وإسبانيا والبرتغال ومالطا، وشملت قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية وبيئية . وقد عقدت قمتها الأخيرة بتونس في الفترة ما بين 5 و 6 ديسمبر/كانون الأول 2003، حيث شغلت القضايا الأمنية ومحاربة الإرهاب الأولوية، إضافة إلى مكافحة الهجرة السرية وقضايا التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية .

ورابعها، دعوة الرئيس مبارك في ستراسبورغ في نوفمبر/تشرين الثاني 1991 لإنشــاء " منتدى التعاون في البحر المتوسط "، وجاءت أولى الخطوات بعقد اجتماع الاسكندرية في يوليو/تموز1994 . وخامسها، التي تم وضع أسسها في " إعلان برشلونة " عام 1995 .

فمنذ أوائل التسعينات، على الخصوص، كان واضحا أنّ المنطقة المتوسطية تسير باتجاه تشكيل قوة إقليمية جديدة لها مكانتها عالميا، وكان الاتفاق على تنفيذ بنود إعلان برشلونة بشيرا بتحول كبير يؤهل المنطقة لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين، على الرغم من كل العقبات التي تقف في طريق تشكيل هذه القوة الإقليمية، وأولها القضية الفلسطينية التي تجعل من التعاون مع إسرائيل صعبا من جانب عدد كبير من الدول العربية المتوسطية في الوقت الذي تصر فيه إسرائيل على ممارساتها العنصرية ضد الشعب العربي الفلسطيني، ورفضها تنفيذ القرارات الدولية ذات الصلة بعملية التسوية العربية – الإسرائيلية .

ويضاف إلى ذلك تحفظات الولايات المتحدة الأمريكية التي تعمل لاستمرار هيمنتها على المنطقة، لحماية مصالحها الاستراتيجية، وخاصة إمدادات مصادر الطاقة وأمن حليفتها الاستراتيجية إسرائيل ( سوف نلاحظ لاحقا إمكانية توافق المشروعين الأمريكي والأوروبي على ضوء المستجدات في العلاقات الدولية بعد 11 سبتمبر/أيلول 2001، وخاصة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق وما فرضه من وقائع جيو - استراتيجية ) . ومن هنا كانت محاولاتها لعرقلة هذا التعاون الإقليمي الذي يمكن أن يفتح المجال أمام دول جنوب المتوسط لتجد بديلا اقتصاديا وسياسيا في دول الاتحاد الأوروبي، وفي الوقت نفسه يكسب أوروبا إمكانية صياغة سياسة خاصة بها بعيدة عن الهيمنة الأمريكية المفروضة عليها منذ الحرب العالمية الثانية .

ولا شك أنّ الشراكة الأورو – متوسطية هي علاقة بين طرفين غير متكافئين " شمال متقدم وجنوب متأخر أو في طريق النمو "، إذ توجد فجوة كبيرة بينهما : فجوة اقتصادية واجتماعية في دخل الفرد ( معدل دخل الفرد الأوروبي يساوي 12 ضعف دخل الفرد في الدول العربية المتوسطية )، وعمره، وتعليمه، وما يُنفق عليه في المجالات الصحية والثقافية ... الخ . وكذلك في الإنتاج، الناتج القومي الإجمالي ( 36 % من الشركاء الأوروبيين يملكون 95 % من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقتين )، درجة الانكشاف الاقتصادي، نسبة الصادرات إلى الواردات .

وتتوزع قضايا الشراكة الأورو – متوسطية على ثلاثة محاور : المحور السياسي – الأمني، والمحور الاقتصادي – المالي، والمحور الاجتماعي – الإنساني .

وبداية لابد أن ندرك أنّ ثمة خصوصية تميز العلاقة الأوروبية – العربية : خصوصية جغرافية وتاريخية، كثافة الوجود العربي في أوروبا بحوالي 6 ملايين عربي، 66 % من إجمالي التجارة العربية . وفي الواقع فإنّ ميراث أوروبا التاريخي وقربها الجغرافي من منطقة الشرق الأوسط، إلى جانب شبكة العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية التي تربطها بالمنطقة قد جعلت لها دورا متميزا ومسؤولية خاصة بالنسبة للشرق الأوسط .

لقد أشار محللون وخبراء عديدون إلى أهم العناصر التي وجهت أوروبا والعرب نحو الشراكة الأورو – متوسطية :

(1)- انهيار جدار برلين في نوفمبر/تشرين الثاني 1989 قلب الساحة الأوروبية الجيو – سياسية والاستراتيجية رأسا على عقب، حيث كان لتقدم العديد من دول وسط وشرق أوروبا للانضمام للاتحاد الأوروبي دور في إعادة توازن علاقات الاتحاد الأوروبي جنوبا .

(2)- أصبحت ظاهرتا العولمة والإقليمية الجديدة من الملامح الأساسية للاقتصاد العالمي، كما أصبح تكوين التجمعات الإقليمية الاقتصادية نقاط رئيسية تشكل الخريطة الجديدة للنظام العالمي الجديد كما ذكرنا سابقا .

(3)- وعي لدى أوروبا بأنّ مشاكلها لا يمكن أن تُحل داخل أوروبا فقط، بل هي تحتاج إلى الفضاء المتوسطي لحل جزء من المشاكل الأوروبية . مثال ذلك : الهجرة التي تتطلب تعاونا متوسطيا من خلال توفير الدافع للمهاجرين للبقاء في بلدانهم  بدفع التنمية في بلدانهم مما يساعد على وضع حد للهجرة غير الشرعية، والتطرف لا يُحل في أوروبا بل يقتضي حله أن يكون على مستوى متوسطي، وتلوث البيئة أيضا لا يمكن حله دون سياسة متوسطية .

(4)- وعي حكومي وتكنوقراطي عربي بضرورة الانفتاح على التكنولوجيا والمعرفة ونقل العلم من أجل تنمية القدرات العربية، ووعي مجتمعي / مواطني وفي بعض الحالات العربية حكومي  بضرورة الأخذ بالأسلوب الديمقراطي بما هو تعددية فكرية وسياسية واحترام للرأي الآخر وتكريس لحقوق الإنسان، وهذا لا يمكن بدون شراكة متكافئة مع أوروبا . إنّ هذا الوعي المتبادل يؤدي إلى فكرة الشراكة التضامنية وبالاتجاهين .

(5)- أمن أوروبا هو من أمن البحر الأبيض المتوسط، والأمن بمفهوم استراتيجي ليس الأمن العسكري فحسب بل الأمن الاقتصادي والثقافي والاجتماعي، فلا يمكن أن تكون أوروبا مستقرة وبلدان الحوض الجنوبي للبحر المتوسط مضطربة، إذ لابد أن ينتقل هذا الاضطراب فيؤثر على الاستقرار الأوروبي .

(6)- كان تركيز المشروع الشرق أوسطي على المصالح الأمريكية والإسرائيلية دافعا لأوروبا كي تعمل من أجل أن تبقى الشريك التجاري الأول مع الدول العربية، إذ أنها تستأثر بحوالي 40 % من حجم ما تستورده الدول العربية كما تستوعب الأسواق الأوروبية نـحو 28 % من إجمالي الصادرات العربية، وقد كان هذا أحد الدوافع القوية لأوروبا لكي تسعى نحو تنمية العلاقات الأوروبية مع دول جنوب وشرق البحر الأبيض المتوسط، لذلك فإنّ البعد الاقتصادي يشكل محور وركيزة الشراكة الأورو – متوسطية، والذي يعني تداخل اقتصاديات الدول المتوسطية، في الحوضين الجنوبي والشرقي، مع دول الاتحاد الأوروبي في مجال اقتصادي أرحب وأوسع .

      (7)- الشراكة تخدم التوجهات الأوروبية نحو تطوير عملية الاندماج الأوروبي، وتدعيم إبراز الاتحاد الأوروبي كقوة اقتصادية لها مناطق نفوذها، مما يدعم موقفه في عملية المنافسة الحادة مع القوى الاقتصادية الدولية الأخرى .

وفي كل الأحوال فإنّ المحرك الأساسي والهدف الرئيسي لفكرة الشراكة الأورو – متوسطية هو التنافس الخفي والمعلن، أو الشراكة المتكافئة، بين الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي للسيطرة على مقاليد الأمور في المنطقة العربية . فالاتحاد الأوروبي يرغب أن يلعب دورا في إدارة وتقرير شؤون المنطقة التي يرتبط بها بعلاقات ثقافية واقتصادية وتجارية تعود جذورها إلى أعماق التاريخ، خاصة بعد أن استفردت الولايات المتحدة بالمنطقة تحت حجة مصالحها الاستراتيجية، وخاصة النفطية .

       وعليه، فإنّ من مصلحة العرب تأسيس شراكة مع أوروبا بغية تأمين تطورهم وتقدمهم وتنميتهم، وفي المقابل من مصلحة أوروبا أن تساهم في الأمن الاستراتيجي للبحر الأبيض المتوسط حفاظا على مصالحها وأمنها، ومن هنا يهدف الاتحاد الأوروبي إلى إقامة منطقة أمن واستقرار سياسي واقتصادي واجتماعي وتأمين مجال حيوي للنشاط الاستثماري .

  وبالرغم من كل ذلك فإنّ للشراكة الأورو – متوسطية أبعادا عديدة في العالم العربي من أهمها :     

1- تتمثل أهم عناصر قوة المشروع المتوسطي في كونه خارج الإشراف الأمريكي المباشر، وبذلك يتلافى المشاعر والحساسيات العربية تجاه المشروع الشرق أوسطي، كذلك فإنّ أهم ما يميّزه هو الوضوح – النسبي - للمنافع التي يمكن أن تتحقق للدول العربية المتوسطية .

2- يحتل البحر الأبيض المتوسط مكانة متميزة في السياسات الدولية المعاصرة، لأهميته الجيو - استراتيجية منذ أقدم الحضارات الإنسانية وحتى الوقت الحاضر. وسيظل كذلك طالما أنه ينفرد بموقعه الجغرافي، في كونه يمثل منطقة الاتصال الرئيسية بين قارات العالم القديم الآفرو- أورو- آسيوي .

3- ثمة مصادر عديدة ترى أنّ العلاقات الخاصة بين جانبي حوض المتوسط كانت، وما تزال، تجسد البعد الواقعي الذي فرض نفسه من خلال وقائع الحياة وتطورات العوامل الاقتصادية والاستراتيجية، وبفعل هذه المعطيات فقط تبلورت مجموعة من الشراكات المتبادلـة .

ومما يجدر ذكره، أنّ خبرات الحداثة لدى أغلبية الأقطار العربية، قد بدأت منذ بداية القرن التاسع عشر، مع إعادة الاكتشاف المتبادل لدول وشعوب شواطئ المتوسط، خاصة مع حملة نابليون بونابرت على مصر في العام 1798.

4- أخذ المشروع المتوسطي شكلا مؤسسيا في اجتماع برشلونة لوزراء خارجية دول الشراكة الأورو – متوسطية، حيث شاركت في المؤتمر  27 دولة ( 15 دولة من الاتحاد الاوروبي و12 من الدول المطلة على البحر الأبيض المتوسط ) تمثل قرابة 600 مليون نسمـة .

وهناك تمايزات واضحة بين بلدان شمال وجنوب المتوسط، من حيث القدرات الاقتصادية والتكنولوجية والسياسية . وعلى الرغم من أنّ هناك تعادلا في الوزن الديمغرافي بين الجانبين، إلا أنّ نصيب الفرد من الناتج القومي الإجمالي يبلغ، في الشمال، 12 ضعف نصيب الفرد في الجنوب . وأنّ 63 % من الشركاء الأوروبيين يملكون 95 % من الناتج المحلي الإجمالي للمنطقتين ( كما ذكرنا سابقاً ) . كما أنّ دول الجنوب محمّلة بديون خارجية تمثل حوالي  115% من إجمالي ناتجها القومي ( أكثر من 200 مليار دولار )، كما بلغت معدلات البطالة فيها حوالي 20 %، ويبلغ معدل النمو الاقتصادي، بتفاوت نسبي بين دول الجنوب ، حوالي 3 % فقط . وبحسب جميع المؤشرات الاقتصادية – الاجتماعية، فإنّ دول جنوب وشرق المتوسط تحتل مكانا أدنى كثيرا من دول الشمال . 

 وعلى غرار المشروعات الأخرى، هناك افتراضات رئيسية وراء السعي إلى تعاون أعمق وأكثر قوة بين دول الجوار على جانبي البحر المتوسط، أهمها الفوائد الاقتصادية، وتعظيم الأمن، وخفض التوتر، وتجنب مخاطر الصراعات المسلحة . أكثر من ذلك، فإنّ دول شمالي المتوسط تبدو وكأنها وصلت إلى استنتاج مؤداه أنّ التنمية الحقيقية على نطاق واسع في الجنوب هي مطلب رئيسي، ليس فقط لمصلحة شعوبها، ولكن أيضا لأمن شمال المتوسط .

5- تتضمن الشراكة الأورو- متوسطية قضايا الأمن والاسقرار وارتباطهما بالتعاون الاقتصادي والثقافي، وقد تبلورت هذه القضايا في ثلاثة أبعاد متداخلة : البعد السياسي والأمني، والبعد الاقتصادي والمالي، والبعد الاجتماعي والثقافي والإنساني .

أ - البعد السياسي والأمني : يمثل تجربة الاختبار الصعب بين الطرفين لكونه يتضمن ثلاث قضايا رئيسية : عملية التسوية العربية - الإسرائيلية، وميثاق الأمن والسلام والاستقرار، والوقاية ومحاربة الإرهاب . ويمكن أن نحدد أهم مبادئ هذا البعد من الشراكة كما يلي :

-                   احترام حق وسلامة أراضي الدول وإقامة علاقات حسن الجوار فيما بينها .

-                   عدم استخدام القوة في النزاعات بين الدول الأطراف وحثها على حل خلافاتها بالطرق السلمية .

-                   تقوية التعاون بين الدول الأطراف لمحاربة الإرهاب .

-                   عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأطراف .

-                   أهمية انضمام الدول المشاركة إلى الاتفاقيات ذات الصلة بخطر استخدام أسلحة الدمار الشامل ونظم التحقق الخاصة بها وكذلك منع الانتشار النووي .

-                   تضمن الإعلان الإشارة إلى عملية السلام في الشرق الأوسط، وورد بها ذكر مبدأي " الأرض مقابل السلام " و " عدم احتلال أراضي الغير بالقوة "، وكذلك حق الدول في استخدام الوسائل المشروعة وفقا لمبادئ القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة في ممارسة السيادة وحق الشعوب في تقرير مصيرها .

وإذا كانت أوروبا تركز على الجانب الأمني الذي يهمها ( الهجرة، والإرهاب، وأسلحة الدمار الشامل )، فإنّ الجانب العربي المتوسطي يهمه الكشف عن عمق التغيير في الموقف الأوروبي من قضايا الصراع العربي – الإسرائيلي، وبالتالي التسوية العربية – الإسرائيلية، باعتبار أنّ قضية فلسطين تحتل مركز هذه القضايا . ولذلك فإنّ اقتراح فرنسا، في مؤتمر مرسيليا عام 2000، حول " الشرعة الأورو – متوسطية للسلام والاستقرار "، واجه صعوبات عديدة : أولها، من قبل بعض الدول العربية الرافضة لفكرة إشراك إسرائيل في أية منظومة تعاونية أمنية طالما أنها لم تنسحب من الأراضي العربية المحتلة . وثانيها، أنّ دولا أوروبية رأت أنّ ذلك يحمل بذور انقلاب على حلف شمال الأطلسي عبر الحلول مكانه، سيما وأنّ دولا أوروبية عديدة تفتح منذ عقود مجالها لقوات الحلف . وثالثها، أنّ البنى التقنية لمثل هذا التعاون بحاجة إلى سنوات طويلة وذلك لأنّ مثل هذا الأمر يفترض التعامل بشفافية مع مواضيع الأمن والتعاون وعدم تفضيل دولة على أخرى وكيفية تطبيق مفاهيم الأمن والسلام، ناهيك عن شروط الحريات والديمقراطية ودولة القانون والعدالة وإمكانية التدخل في الشؤون الداخلية والانفتاح، المرتبطة بمفهومي الأمن والاستقرار .  

ومهما تبدلت أشكال هذا البعد من الشراكة، وتعددت أطرافه، فلا يمكن عزله عن تيارات السياسة الدولية، والصراع بين القوى السياسية والاقتصادية في العالم . ذلك لأنه، في نهاية المطاف، يرمي إلى تحقيق الأمن والاستقرار والسلام في الفضاء الأورو – متوسطي، التي تتركز فيها مجموعة واسعة من المصالح الأوروبية والعربية .

  ب - البعد الاقتصادي والمالي : وهو متعدد الجوانب، فالحاجات الاقتصادية العربية من أوروبا تتركز حول رفع كفاءة استغلال الموارد الاقتصادية، وخلق بدائل جديدة للدخل القومي بالإضافة إلى موارد النفط، وإقامة صناعات حديثة في مختلف قطاعات الإنتاج، وتنمية وتطوير التكنولوجيا الحديثة في الأقطار العربية . وفي المقابل، فإنّ أوروبا تحصل على مميّزات كثيرة في علاقاتها مع العرب، ليس حاجتها إلى النفط العربي فحسب، بل حاجتها إلى اتساع السوق الاستهلاكية العربية ( حوالي 300 مليون نسمة ) .

وتم التعبير عن ذلك من خلال الأهداف طويلة الأجل التي حددتها الدول الأعضاء  للشراكة، وهي : الإسراع في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة، وتحسين أوضاع المعيشة عن طريق زيادة فرص التوظيف والإقلال من حجم الفجوة التي تعانيها عملية التنمية في المنطقة الأورو – متوسطية، ودعم التعاون والتكامل الإقليمي .

لقد لحظت اتفاقية برشلونة وضع آلية لإقامة منطقة للتبادل الحر قبل العام 2010 مع الأخذ بعين الاعتبار خصوصيات عديدة لدول جنوب المتوسط، فمثلا تركيا تشكل منذ عام 1996 جزءا من " الاتحاد الجمركي الأوروبي " ، وتونس والمغرب ومصر وقعت تباعا في الأعوام 1995 و 1996 و 2001 اتفاقيات شراكة ثنائية مع الاتحاد الأوروبي، وستوقع سورية قريبا بعدما استكملت المفاوضات الأورو – سورية . وكل ذلك يندرج ضمن إطار الإعلان التأسيسي في برشلونة الذي ينص على " مواصلة وتطوير السياسات المبنية على مبادئ اقتصاد السوق ... والبدء بإصلاح وتحديث البنى الاقتصادية والاجتماعية انطلاقا من الأولوية المعطاة لتنمية القطاع الخاص " .

وكان برنامج " ميدا 1 " قد تم تبنيه في اجتماع مجلس وزراء الاتحاد الأوروبي في صيف 1996، وهو بمثابة وسيلة التمويل الأساسية للشراكة الأورو - متوسطية التي تنطلق من ثلاثة أهداف هي : أولا، مساعدة دول  جنوبي المتوسط، بغية إيجاد منطقة تبادل حرة والعمل لدعم التحولات الاقتصادية . وثانيا، دعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية الدائمة . وثالثا، دعم التعاون الإقليمي وعبر الحدود . وتتمحور أبرز النشاطات التي تمولها المساعدات والاعتمادات على المستوى الثنائي، حول تصحيح البنى الاقتصادية والاجتماعية ( صحة وتربية، بغية التخفيف من الانعكاسات السلبية للتحولات الاقتصادية ) والاستثمارات في حقول البيئة و الزراعة والمشاريع الإقليمية، إضافة إلى ندوات تدريبية للدبلوماسيين . ووصل المبلغ المخصص لبرنامج " ميدا 2 " إلى 5.350 مليارات يورو للفترة بين عامي 2000 و2005، يضاف إليها 7 مليارات يورو من البنك الأوروبي للاستثمار كقروض . حيث تقرر أن توجه لتمويل برامج لخلق تنمية اقتصادية وثقافية في دول جنوب المتوسط، بهدف إيجاد مناطق جذب لسكان تلك المناطق، وبذلك يمكن الحد من الهجرة البشرية إلى الشمال .

      ج- البعد الاجتماعي والثقافي والإنساني : وهو أعم وأشمل من البعدين السياسي والاقتصادي، لأنه يتجه - في جوهره - إلى الإنسان، ليس من خلال الصلات الحكومية فقط، بل من خلال تنشيط العلاقات بين المنظمات غير الحكومية، فضلا عن أنه يتسم بالحركية والتنوع والاستمرار . ويثير هذا البعد عدة قضايا رئيسية، من أهمها : إشكالية تنقل الأشخاص في الفضاء الأورو – متوسطي، ومسألة حقوق الإنسان وعلاقات الدول بالمنظمات غير الحكومية .

ويفترض البعد الثقافي التعمق في أوجه التعاون للتقريب بين المفاهيم والقيم بين شعوب بلدان البحر الأبيض المتوسط، وإيجاد تيارات ثقافية تخدم ذلك التواصل . عندئذ تستطيع الشعوب المتوسطية، أوروبيون وعرب وغيرهم، أن يتفهم كل منها مشاكل وقضايا الشعوب الأخرى، ولأن يحدد القضايا المشتركة أيضا .

وضمن هذا السياق، ورد في الإعلان الختامي للمؤتمر التأسيسي في برشلونة في 28 نوفمبر/تشرين الثاني 1995  بالتزام الدول الموقعة بـ " تطوير دولة القانون والديمقراطية في نظامها السياسي ... احترام حقوق الإنسان والحريات الأساسية وضمان الممارسة الحقيقية والشرعية لهذه الحقوق والحريات، بما فيها حرية التعبير والجمعيات لأهداف سلمية وحرية التفكير والعبادة الفردية والجماعية من دون أي تمييز بسبب عرق أو جنسية  أو دين " . ويقول أيضا بضرورة " احترام وفرض احترام التنوع والتعددية في مجتمعات هذه الدول وتشجيع التسامح، ومحاربة العنصرية وكره الأجانب " .

وتجسدت هذه الأبعاد في المؤتمر الأول للشراكة الأورو - متوسطية ببرشلونة، حيث بحث المشاركون فيه مبادئ المشاركة السياسية والأمنية والاقتصادية والمالية، وفي المجالات الاجتماعية والثقافية والإنسانية . كما بحثوا موضوعات حيوية، من أهمها : التخلي عن التهديد بالقوة أو استخدامها ضد سيادة الدول الأخرى، والعمل على عدم انتشار الأسلحة النووية وتنفيذ اتفاقيتي حظر الأسلحة الكيماوية والبيولوجية، والعمل على تنفيذ التعهدات في إطار الاتفاقات الخاصة بضبط التسلح ونزع السلاح . ولكنّ مسيرة الشراكة الأورو – متوسطية منذ العام 1996 تثير جملة تساؤلات عديدة سنتطرق لها في الحلقة القادمة .

 

تونس في 20/2/2004                            الدكتور عبدالله تركماني

                                             كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

                                                                    teab@planet.tn