في مواجهة الجمود والفوضى

ما الذي تنتظره القيادات الفلسطينية ؟!

ماجد كيالي

باتت إسرائيل تتحرك ضد الفلسطينيين بحرية واسعة، أكثر من أي وقت مضى، فهي تستفرد بهم وتحاصرهم وتمعن فيهم قتلا وتدميرا، وهي توسّع نشاطها الاستيطاني بصيغة النقاط "العشوائية"، وتقتطع مساحة كبيرة من الأراضي المحتلة، في شرق الضفة وغربها، في إطار "جدار الفصل العنصري". أما على الصعيد الخارجي فتتمتّع إسرائيل بجبهات يسودها الهدوء المطلق! وبلغ التحالف بينها وبين الولايات المتحدة، في عهد إدارتي بوش وشارون، أكثر مما بلغه في أية مرحلة.

وبالتوازي مع ما تقدم، فإن إسرائيل تقوم يوميا بصنع معادلات ووقائع على الأرض، تمكنها من فرض املاءاتها ومخطّطاتها على الفلسطينيين ولو من طرف واحد؛ وهو ما أفصح عنه شارون مؤخرا، في محاولته للتملص من استحقاقات خطة "خريطة الطريق"، بعد أن دفن نهائيا اتفاقات أوسلو.

في مقابل ذلك يعيش الفلسطينيون في حال من الاضطراب والفوضى السياسية والميدانية، فهم لا يمتلكون أية مخططات عملية، قابلة للتنفيذ، وحتى أنهم لا يمتلكون القدرة على وقف المخططات الإسرائيلية، تماما؛ خصوصا إنهم، من الأصل، يعملون في إطار معادلة صراعية جد مجحفة، فثمة فجوة نوعية وكبيرة لصالح إسرائيل: في موازين القوى، وفي مدى السيطرة الإقليمية، وفي مستوى الإدارة، وفي المعطيات الإقليمية والدولية؛ كما قدمنا.

أما عنصر التفوق الذي يملكه الفلسطينيون، في هذه الظروف المختلة والمعقدة، فيتمثل، فقط، في عنادهم وتضحياتهم وبطولاتهم، وعدا عن ذلك فهم لا يملكون إلا طرح الشعارات وخوض المجادلات السياسية والتسلّي بالمبادرات المتعلقة بطرح خيارات مختلفة ومتباينة!

ولعل هذا الوضع هو الذي يظهر كفاح الفلسطينيين بمختلف تجلياته، بدون انجازات، وكأنه غاية في ذاته، لكأن الغرض منه الاستمرار في الصراع والاستنزاف المتبادل (مع حفظ الفارق)، نظرا لاستحالة تحقيق الإنجازات والانتصارات، في إطار المعطيات الحالية، مهما بلغت التضحيات الفلسطينية. 

وهكذا بينما تتقدم حكومة شارون بالتلويح بخطة الانسحاب الأحادي الجانب، الذي يتأسس على ضم حوالي 40 بالمئة من الأراضي الفلسطينية المحتلة (خلف الجدار)، وترك الفلسطينيين يتخبطون في تحديد مصيرهم وتدبير أمورهم في دولة أو "إمبراطورية"، في ما تبقى لهم (بحسب شارون)، فإن الفلسطينيين لا يجدون مخرجا من الوضع الحالي سوى التلويح بخيارات نظرية، تتضمن العديد من الإشكاليات، ضمنها: 1 ـ الإعلان عن دولة فلسطينية من جانب واحد، في الأراضي المحتلة عام 1967؛ 2 ـ التخلي عن مطلب الدولة المستقلة لصالح خيار الدولة "ثنائية القومية"؛ 3 ـ خيار حل السلطة الفلسطينية وفتح الصراع على مصراعيه وترك إسرائيل لتدبر أمورها مع المجتمع الفلسطيني، في هذه الأوضاع.

والواضح أن مشكلة الفلسطينيين لا تمكن في الخيارات، فعدا عن تعقيدات الصراع ضد المشروع الصهيوني، فإن مشكلتهم تكمن في ضعف تنظيمهم وتخلف إدارتهم لأوضاعهم وعدم استعدادهم للإجماع على أي من هذه الخيارات، في ظل الفوضى الحالية التي تسود ساحتهم، وغياب الأطر التشريعية فيها، وسيادة الروح الشعاراتية العاطفية في الشارع الفلسطيني، وطغيان البعد التنافسي بين الفصائل الفلسطينية لا سيما بين السلطة والمعارضة على حساب المصلحة الوطنية.

عموما فإن مشكلة الحركة الوطنية الفلسطينية هذه ليست جديدة فهي تعاني من الجمود والتكلس في بناها وشعاراتها وطرق عملها وعلاقاتها الداخلية والخارجية. وأصلا فهي (برغم خبراتها وخبرائها) لم تبد ميلا لمراجعة أحوالها، على رغم ما حصل من تطورات وتحولات إقليمية ودولية، في العقد الماضي، يمكن تمثّلها بالنواحي التالية:

1 ـ انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق) وهيمنة الولايات المتحدة على المجالين الدولي والإقليمي، وتفردها في معالجة الملفات الشرق أوسطية.

2 ـ انكفاء البعد العربي في الصراع مع إسرائيل وتراجع مستوى التضامن العربي، على خلفية غزو العراق للكويت (1990) وتداعياته.

3 ـ اهتمام الدول العربية بشؤونها الداخلية: الاقتصادية والاجتماعية، لمواجهة التحديات الناشئة عن مسارات العولمة والتحديات الخارجية.

4 ـ إطلاق عملية التسوية من مدريد (أواخر 1991) ما جعل الصراع محدودا، أولا، بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ وثانيا، أنه بات يتعلق بمصير الأراضي المحتلة عام 1967؛ وثالثا، اقتصاره على المفاوضات والوسائل السياسية والدبلوماسية؛ وقد نجم عن ذلك انتهاء الدور التقليدي لفصائل المقاومة الفلسطينية في الخارج، بأشكالها وطرق عملها.

5 ـ قيام السلطة، ما حمل الحركة الوطنية الفلسطينية طابعا مزدوجا، فهي سلطة وحركة تحرر في آن معا، برغم ما لذلك من تبعات وتناقضات.

6ـ إخفاق التسوية المتمثلة باتفاق أوسلو (1993)، واندلاع الانتفاضة (أواخر 2000)، نتيجة يأس الفلسطينيين من مماطلات إسرائيل ومحاولاتها فرض الاحتلال والتهويد والاستيطان كأمر واقع.

7 ـ تحول الانتفاضة من حركة شعبية تتوسل وسائل العصيان المدني، إلى حركة مقاومة للمحترفين تتوسل العمليات المسلحة، وضمنها العمليات الاستشهادية، ما أدخل الانتفاضة في حال من التجاذب السياسي والميداني، انعكس على صورتها وعلى امكاناتها سلبا، وأدخل الفلسطينيين في حال من الفوضى والإنهاك، برغم من كل العناد والتضحيات التي يبذلونها.

8 ـ التحولات في السياسة الأمريكية والدولية الناجمة عن تداعيات الهجوم الإرهابي الذي استهدف الولايات المتحدة في أيلول 2001، وانعكاسات ذلك سلبا على المقاومة الفلسطينية والصراع العربي ـ الإسرائيلي، مع بروز سياسة أمريكية تدخلية وتغييرية في المنطقة.

 9 ـ نشوء واقع دولي جديد يتمثل بتقبل العالم، لضرورة نشوء دولة فلسطينية، مع الرفض المطلق لعمليات المقاومة المسلحة، خصوصا تلك التي تستهدف المدنيين في المدن الإسرائيلية، لا سيما أن حدث أيلول (2001) في الولايات المتحدة، سهّل على إسرائيل وصم المقاومة الفلسطينية المسلحة بالإرهاب.

10 ـ احتلال الولايات المتحدة للعراق ووجودها بشكل مباشر في المنطقة، وهو ما يمكن أن يعزز وجود إسرائيل كما يمكن أن يشكل إضعافا لها في المنطقة، إذ أنها لم تثبت جدارتها في الدفاع عن المصالح الأمريكية بل إنها تبدو يوما بعد يوم عالة وعبئا عليها.

اللافت أن كل هذه التحولات لم تجد تمثّلا لها في السياسة الفلسطينية، التي تبدو وكأنها جامدة عند نقطة انطلاقها في الستينيات، في شيء من المكابرة والعناد، ليس لهما علاقة بعالم السياسة وموازين القوى.

 واللافت أيضا أنه برغم كل الظروف الحرجة والصعبة فإنه لا يمكن تلمس نوع من مراجعة جادة وحقيقية لأحوال الساحة الفلسطينية في الأطر المعنية، فإلى متى؟ وما الذي تنتظره حقا القيادات المتحكمة في هذه الساحة؟!