عن الفوضى في الساحة الفلسطينية

ماجد كيالي

بات الوضع الفلسطيني يتّسم بفوضى عارمة، ولا سيما منذ ثلاثة أعوام. فالفلسطينيون يخوضون كفاحهم ضد إسرائيل بدون استراتيجية سياسية واضحة، فثمة من يتحدث عن تحرير فلسطين (من النهر إلى البحر)، ومنهم من يتحدث عن تسوية عادلة مع إسرائيل، وهناك من يتحدث عن ولوج أية تسوية.

وحتى في معسكر التسوية تشعبت الآراء، فهناك من يتمسك بمشروع الدولة المستقلة (بالاتفاق مع إسرائيل)، وثمة من يتحدث عن الإعلان عن ذلك من طرف واحد، وآخرون يتحدثون عن ضرورة حلّ السلطة لنفسها، وتحميل المسؤولية عن تدهور الوضع لإسرائيل، كما ثمة من بات يميل لحل الدولة "ثنائية القومية".

ويمكن تلمّس الاضطراب السياسي في الخيارات المطروحة، فالانتفاضتين الأولى (1987) والثانية (2000) اندلعتا لتخليص فلسطيني الأراضي المحتلة من الاحتلال، ولكن هذا الهدف، بنظر البعض، يتعارض مع طموحات باقي الفلسطينيين (اللاجئين) في العودة إلى وطنهم؛ ومازالت هذه العقدة تؤزّم الوضع الفلسطيني، وهي معادلة لم تشأ القيادة الفلسطينية (ومعها المثقفون الفلسطينيون) الخوض فيها وإيجاد نوع من الحلول المواتية لها، في هذه الظروف الصعبة والمعقدة.

وحتى "حق العودة" فثمة خلاف عليه، فثمة من يرى أنه لا ينبغي القبول بتسوية تتضمن إقامة دولة فلسطينية في الضفة والقطاع بدون عودة جميع اللاجئين إلى ديارهم وأراضيهم، التي شردوا منها في العام 1948، وثمة من يربط العودة بالتحرير، بمعنى أن العودة لا يجب أن تكون إلا بعد تقويض كيان إسرائيل، لأن العودة قبل ذلك تعتبر بمثابة خيانة كونها تتضمن الاعتراف بإسرائيل.

ومثلا، بعد طرح شارون لمشروع الانسحاب من طرف واحد من غزة، دبت الحيرة في الأوساط السياسية الفلسطينية، فهل يمكن قبول هذا الانسحاب، برغم أنه لا يلزم الفلسطينيين بأي ثمن؟ أو هل من المنطقي معارضة انسحاب إسرائيل من أي شبر من الأرض الفلسطينية؟..وفي هذا الإطار من الطبيعي أن يعبر أهالي غزة عن ارتياحهم لأي انسحاب إسرائيلي من أراضيهم، ولكن أهالي الضفة من حقهم، أيضا، أن يتوجسوا من ذلك لأنه ربما يكون على حسابهم..

ومن ناحية أخرى فهذا رجا اغبارية زعيم حركة أبناء البلد (وهي حركة قومية للفلسطينيين في مناطق 48 ولا تعترف بإسرائيل)، يعرب عن موافقته لمقترح إسرائيل بضم أم الفحم لدولة فلسطينية قد تنشأ في الضفة والقطاع، في حين أن عزمي بشارة (وهو مفكر قومي) يرفض ذلك لأن هذا الأمر (برأيه) ربما يمهد لترانسفير جديد، مؤكدا أن هذا المقترح دليل على عنصرية إسرائيل وهشاشة الديمقراطية فيها واستهتارها بالتعايش مع الشعب الفلسطيني؛ وفي هذا المجال أكد بشارة أن عرب 84 هم أهل البلاد ولا يجوز مبادلتهم بمستوطنين صهاينة...

وعلى الصعيد الميداني، فإن الوضع ليس أحسن حالا، فثمة من يطالب باعتماد الوسائل التفاوضية والسياسية في التعامل مع إسرائيل، ومن يطالب بالضغط عليها بالانتفاضة وبوسائل الكفاح الجماهيري، وهناك من يدعو لاستمرار دمج الانتفاضة بالعمل المسلح، والبعض مازال يدعو لاستخدام أقصى أشكال العنف ضد إسرائيل ومن ضمنها العمليات الاستشهادية في المدن داخل إسرائيل ذاتها (إلى يوم الدين).

على صعيد أخر يصعب، اليوم، الحديث عن وجود قيادة واحدة ومحددة للساحة الفلسطينية، لاسيما أن القيادة الرسمية (الشرعية) كرّست هذه الفوضى، باستقالتها من مسؤولياتها القيادية، عندما حاولت التلاعب بالانتفاضة والمفاوضة (على طريقتها المعهودة)، اعتقادا منها أنه مازال ثمة متسع من الزمن للتجريب!

وهكذا يبدو الرئيس عرفات مسؤولا عن كل شيء، من السياسة اليومية إلى السياسة الاستراتيجية، ومن صرف الفواتير إلى صرف الموازنات، ومن الانتفاضة إلى المفاوضة، وهو زعيم الشعب الفلسطيني ورئيس السلطة وقائد فتح ولكنه المسؤول عن اصغر مجموعة في جهاز الأمن، وبرغم من كل ذلك فإن عرفات يبدو فاقدا للسيطرة ولا يبدو متحكما بأي شيء، لا بالسياسة ولا بالمال ولا بالأمن ولا بالإدارة! وفي ظل هكذا وضع لم يعد معروفا من يسيطر على من.. ومن مسؤول ومن لا، فالمسؤول الأمني بات نجما إعلاميا والمسؤول المالي بات يتحكم بالقرار السياسي ومسؤول الجهاز بات قائدا سياسيا!

وفي هذا الوضع السريالي باتت الطبقة السياسية الفلسطينية (في السلطة والمعارضة) منخرطة في اللعبة من رأسها إلى أخمص قدميها، فهذه الطبقة بنت ورسخت مكانتها على أساس بني وشعارات وطرق عمل قديمة ومستهلكة، وهي غير معنية البتة، بمراجعتها أو تغييرها أو تطويرها، لأن شرط استمرارها هو استمرار وجود "عدّة الشغل" هذه.

وهذا ما يفسّر أن الحوارات الفلسطينية تصل، على الأغلب، إلى طريق مسدود، وأن أي تقدم قد يحصل في المجالين السياسي والميداني، لا ينبع من الضرورات الذاتية، وإنما يتم بفضل ضغوطات (أو إغراءات) خارجية. أما علاقة الطبقة السياسية بمجتمعاتها (أو بالجماهير) فهي علاقة وصاية وإملاء، وليست علاقة تفاعل وتواصل؛ واللافت أن القيادات السياسية على اختلاف أهوائها ومشاربها، تحيل أي موقف تتخذه إلى الجماهير، في حين أنها هي التي تثير في هذه الجماهير عواطفها وغرائزها، لتبرير وتغطية سياساتها وشعاراتها.

وهكذا فإن أعلام الفصائل باتت تعلو على علم فلسطين، والفصائل العلمانية (بل واليسارية) تغازل التيار الديني، وهذا يغازل المزاج الشعبي، وحركة فتح باتت فصيلا معارضا، والعشائر والعوائل حلت محل المجتمع المدني وأحزابه ونقاباته ومنتدياته. أما السلطة فباتت شكلا هلاميا غير واضح المعالم والمسؤوليات، فأجهزة الأمن باتت جهازا لتحصيل الضرائب (أو قل الخاوات)، وقائد الشرطة (غازي الجبالي) يتعرض للضرب بمكتبه، وهو من المفترض أن يحمي أمن الفلسطينيين، ونائب رئيس المجلس التشريعي (إبراهيم أبو النجا) يجري تخريب مكتبه، وهو المفترض به تمثيل المواطنين، وجهاز الأمن الوقائي في الضفة وغزة يسيّر المظاهرات لمعارضة قرارات القيادة، بدل الحفاظ على استقرار السلطة وهيبتها! والصحفيون يتعرضون للضرب ووسائل الإعلام للتخريب، في أكثر مكان يحتاج فيه الفلسطينيين إلى الإعلام باعتباره سلاحا من أسلحتهم!

المهم في كل ذلك أن المجتمع الفلسطيني لم يعد له حول ولا قوة في كل ما يجري حوله وفي كل ما يدبّر له، فعلاقته بالسياسة هي، غالبا، علاقة انفعالية عاطفية وطقسية، والسياسة الفلسطينية باتت محتكرة أو معلبة في أطر أو في مراكز قوى معينة، مالية أو أمنية أو ذات ولاءات خارجية، تتحكّم بها وتسيّرها.

والفلسطينيون في هذه الحالة، برغم معاناتهم، يعوّضون عن هذا الفراغ، في مواجهتهم لعسف إسرائيل، بقوة عنادهم وبروح التضحية المقدس عندهم، أكثر من إيمانهم بالقدرة على تحقيق المنجزات، في ظل هذه الفوضى وهذا الخلل الفادح في موازين القوى والمعطيات الدولية والعربية، المواتية لإسرائيل.

ومعضلة الفلسطينيين أنهم في كل مرة يواجهون خطر تآكل أراضيهم وحقوقهم ومنجزاتهم، فقد أطلقوا انتفاضتهم، قبل أكثر من ثلاث سنوات، للتخلص من الاستيطان والاحتلال، فإذا بهم اليوم يواجهون مخاطر انتشار النقاط الاستيطانية في كل بقعة من الضفة الغربية. وبينما كانوا يطالبون بتجميد الاستيطان واقتلاعه من أراضيهم، إذا بهم يواجهون اليوم مخاطر اقتلاع أراضيهم منهم لضمها إلى إسرائيل. وبينما كانوا يكافحون من أجل فتح المعابر أمامهم وتعزيز التواصل بين مدنهم، إذا هم اليوم وجها لوجه أمام جدار الفصل العنصري وأمام مخاطر تحول مناطقهم إلى كانتونات منعزلة عن بعضها البعض. وبينما كانوا يطالبون بحق العودة للاجئين إذا بإسرائيل تلوح بامكان التخلص من عرب 48 (منطقة المثلث)!

وبالطبع فإن المشكلة لدى الفلسطينيين لا تكمن في الانتفاضة أو في المقاومة، ولكنها تكمن في الفوضى في خطاباتهم السياسية وعلاقاتهم الداخلية والخارجية وفي شكل كفاحهم، وفي عقلية خوض الصراع من دون تحديد أهداف ممكنة، ودون التحكم في وتائر هذا الصراع.

وكي لا نجحف بحق الفلسطينيين، فإن الأوضاع الدولية (11 أيلول) واحتلال العراق والتحول نحو اليمين في إسرائيل سهّل على شارون بطشه بالفلسطينيين وشجعه على الاستفراد بهم. لذا من الصعب على الفلسطينيين مواجهة التحدي الشاروني الجديد بطرقهم أو بأوضاعهم الحالية.