بمناسبة مشروع "الشرق الأوسط الكبير"

تناقضات السياسة الأمريكية إزاء المنطقة العربية

ماجد كيالي

يبدو أن المنطقة العربية باتت الشغل الشاغل للإدارة الأمريكية الحالية، التي طرحت مؤخرا مشروعها لصوغ "الشرق الأوسط الكبير"، المتضمن إيجاد نوع من الشراكة الدولية لفرض إصلاحات، وربما تغييرات، في البني والمفاهيم السياسية والاقتصادية والثقافية في هذه المنطقة، بما يتلاءم مع المصالح الغربية، ولا سيما الأمريكية.

والمشروع المذكور هو الرابع ضمن قائمة المشاريع التي طرحتها الولايات المتحدة، في ظل إدارة بوش، في سياق محاولتها فرض املاءاتها وتعزيز نفوذها في المنطقة العربية، والتي كان أولها، "رؤية" الرئيس بوش لحل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي (يونيو 2002)، التي تم تضمينها، فيما بعد، بخطة "خريطة الطريق"؛ وثانيها، مشروع قيام منطقة تجارة حرة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط في غضون 10 سنوات؛ أما ثالثها، فهو البرنامج المتعلق بنشر الديمقراطية في المنطقة (نوفمبر 2003).

ومن المعروف أن محاولات الولايات المتحدة الأمريكية إعادة هيكلة الشرق الأوسط، بدعوى إصلاحه أو تغييره وفرض الاستقرار والازدهار فيه، ليست جديدة، ففي مطلع التسعينيات طرحت إدارة بوش (الأب) مشروع إقامة "نظام شرق أوسطي جديد"، بعد هيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي كقطب أوحد وإثر التداعيات الناجمة عن انهيار الاتحاد السوفييتي (السابق) وحرب الخليج الثانية، وذلك بالتوازي مع إطلاقها لعملية التسوية من مدريد (1991).

وقد حاولت الإدارة الأمريكية، سواء في عهد بوش الأب أو في عهد كلينتون، على تكريس هذا المشروع تحت صيغة المفاوضات متعددة الطرف، التي تتعلق بتعزيز التعاون الإقليمي خصوصا بين الدول العربية وإسرائيل في مجالات: الاقتصاد، والبيئة، والمياه، ونزع التسلح. وفيما بعد تم تطوير هذه الصيغة بإنشاء آلية مؤتمرات "القمة الاقتصادية الشرق أوسطية"، التي عقدت خلال الأعوام 1994 ـ 1997، أربعة مؤتمرات من نوعها في: الدار البيضاء وعمان والقاهرة والدوحة. وهي المسارات التي شاركت فيها إسرائيل والدول العربية وعددا من الدول الإقليمية، إلى جانب أطراف دوليين (الولايات المتحدة ـ أوروبا ـ اليابان ـ كندا ـ روسيا).

وفي حينه نتج عن هذه اللقاءات والمؤتمرات الاتفاق على إنشاء هياكل إقليمية مثل: مجلس رجال الأعمال، لتنمية القطاع الخاص، وهيئة تنمية السياحة وهيئة التعاون التجاري، كما تم إنشاء صندوق دولي لتمويل مشروعات التعاون الإقليمي، التي من ضمنها مشاريع في مجالات: الطاقة والمياه والبيئة والبني التحتية والاتصالات والمواصلات..الخ.

وكما بات معروفا فقد كان نصيب كل هذه المشاريع الإخفاق إن بالنسبة لإطلاق نظام إقليمي جديد، أو بالنسبة للتشجيع على إنهاء الصراع العربي ـ الإسرائيلي، كما بالنسبة لوعود الرخاء والازدهار التي روّجت لها، وذلك بسبب التناقضات التي اعتورت المشاريع الأمريكية من أساسها؛ والتي يمكن إيجازها في ما يلي:

أولا، أن هذه المشاريع كانت تنطلق غالبا من محاولة تجاوز الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وأساسه اغتصاب حقوق الشعب الفلسطيني واحتلال إسرائيل أراضي أكثر من دولة عربية. وإذا تجاوزنا هذه النقطة فإن هذه المشاريع ظلت دوما تتجاهل المواقف المتعنتة لإسرائيل وسياساتها العدوانية والعنصرية في المنطقة، وسعيها إلى التملص من استحقاقات عملية التسوية.

وهكذا، مثلا، اصطدم المشروع الشرق أوسطي، في عهد كلينتون، بصعود بنيامين نتنياهو إلى سدة السلطة في إسرائيل (1996 ـ 1999)، والذي كان يتبنى عقيدة مفادها أن إسرائيل تنتمي للغرب وليس للشرق الأوسط، وأن إسرائيل بامكانها فرض التسوية التي تريد، بما في ذلك فرض النظام الإقليمي الذي يلائم الولايات المتحدة، على المنطقة من دون أن تقدم أية "تنازلات" من جهتها، وأنه ينبغي على الولايات المتحدة أن تدعم سياسة إسرائيل وأن لا تضغط عليها!

والآن يبدو أن الإدارة الأمريكية الحالية مصرة على تجاهل هذا الدرس، لا سيما أنها تتبنى وجهة نظر مفادها بأن سبب عدم الاستقرار في المنطقة لا ينبع من وجود إسرائيل وسياساتها بقدر ما ينبع من النظم السائدة فيها! وأن قضية الفلسطينيين ليست قضية عدوان واستيطان واحتلال، من قبل إسرائيل، بقدر ما هي قضية وقف العنف من قبلهم، وإصلاح سلطتهم وتغيير قيادتهم!

ثانيا، برغم من أن إدارتي الرئيسين بوش وكلينتون، واللتين فرضتا مبدأ "الأرض مقابل السلام"، كانتا غير مقتنعتين بضرورة حل الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وخصوصا انسحاب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة قبل الدخول في علاقات التطبيع والتعاون الإقليمي معها، إلا أنهما كانتا تؤكدان على ضرورة الترابط والتكامل بين هذين المسارين. أما الإدارة الحالية فقد ذهبت بعيدا، في تساوقها مع الاملاءات الإسرائيلية (وخصوصا الليكودية)، بالنسبة لاستهتارها بعملية التسوية، ولا سيما بالنسبة لإصرارها على التدخل في الشؤون الداخلية العربية ووضعها على رأس جدول أعمالها؛ بدعوى الإصلاح ونشر الديمقراطية والازدهار في المنطقة.

ثالثا، أن الإدارة الأمريكية الحالية تحاول فرض ما تريد على حكومات المنطقة وشعوبها متجاهلة الشبهات التي تحوم حول سياساتها ومصالحها في هذه المنطقة؛ ومن ضمنها: دعمها لإسرائيل وتغطية لاحتلالاتها وسياساتها العدوانية، واحتلالها العراق، وكذب ادعاءاتها بوجود أسلحة دمار شامل فيه، ودعمها (سابقا) للجماعات المتطرفة، وحرصها على الهيمنة على العالم العربي، ومحاولاتها إضعاف دور الأمم المتحدة وشركائها الأوروبيين، لتكريس ذاتها كدولة عظمى وحيدة، وأخيرا انتهاجها لغة الحرب وتبني مبدأ الحرب الوقائية.

رابعا، تجاهل المشاريع الأمريكية الإصلاحية (وبالاحرى الانقلابية) حاجات أو أولويات المجتمعات العربية، ومستوى التطور السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي فيها. فهذه المشاريع التبشيرية تبدو أقرب ما تكون إلى مشاريع استعمارية تستعير الديمقراطية لتظهرها وكأنها "عصا سحرية" يمكنها أن تحل بضربة واحدة مجمل التحديات والمشكلات التي يواجهها العالم العربي! كونها تقرن مكافحة الإرهاب وتحقيق السلام (مع إسرائيل) وجلب الرخاء والازدهار، في المنطقة العربية، بإحلال الديمقراطية فيها.

وبغض النظر عن أهمية الديمقراطية للمجتمعات العربية فإن مشاريع الديمقراطية الأمريكية المعلبة تعتورها ثغرات كبيرة في مجالات مهمة، لعل أهمها: 1 ـ أنها تحمّل الديمقراطية أكثر مما تحتمل، لا سيما أن كل مشكلة من مشاكل العالم العربي، الداخلية أو الخارجية، لها جذورها ومصادرها التي تختلف عن غيرها. 2ـ أن الديمقراطية لا يمكن أن تفرض فرضا بوسائل القوة والإكراه، لأن هذا يتناقض مع الديمقراطية ذاتها، ولأن الديمقراطية تتأسس على الاجماعات وبالوسائل الشرعية والسلمية، وربما أن هذا الأمر يشكل ردة فعل سلبية معكوسة؛ فكيف إذا كانت الولايات المتحدة هي التي تأخذ على عاتقها هذه المهمة بطريقتها الفجة والمتغطرسة، وهي التي تحوم حول سياساتها في العالم العربي شبهات كثيرة؟! 3 ـ لأنه لا يمكن استيراد الديمقراطية من الخارج، وفق صيغ معلبة مسبقة، فالديمقراطية تتولد داخليا، وعبر آليات ذاتية، آخذة بعين الاعتبار خصائص المجتمعات المحلية ومستوى تطورها السياسي والثقافي والاقتصادي. 4ـ الأهم من كل ذلك أن التغييرات الحقيقية والجذرية، لا تحدث بطريقة فجائية أو انقلابية وإنما تشق طريقها بطريقة تراكمية تدرجية، تتيح لها العمق والاستمرارية.

عموما فإن المهم في الأمر ليس وجود استراتيجية أمريكية إزاء المنطقة العربية، فهذا أمر طبيعي من دولة كبرى لها مصالح استراتيجية في العالم، إذ أن الأخطر من ذلك هو غياب استراتيجية عربية على مستوى الأنظمة كما على مستوى النظام العربي، للاستجابة للتحديات المطروحة، في مختلف المجالات: السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، سواء مع وجود الشرق أوسطية، أو من دونها.