أليس منكم رجل رشيد؟

 

بقلم: الطاهر إبراهيم *

 

الكل يتحدث عن أزمة مستعصية بين النظام السوري والإدارة الأمريكية.

دول السوق الأوروبية لم تخف قلقها، وخصوصا فرنسا على لسان الرئيس شيراك.

دول الجوار العربي صرحت بذلك، وجاءت الإشارة مبطنة، ولكنها واضحة من الرئيس مبارك الذي لا يعرف أحد حقيقة موقفه، وإن كان الجميع يعتقدون أن دوره لن يتأخر. المعارضة السورية الممنوعة مهيضة الجناح، وإحساسها بالخطر المحدق بالوطن حقيقي، لكنها يائسة من إمكانية إسماع صوتها للنظام الحاكم.

أما المعارضة المصنوعة فقد جاءت في الوقت الضائع عند أمريكا، بعد أن خاب ظنها بمثيلتها، المعارضة العراقية، التي كانت تعول عليها كبديل من نظلم صدام حسين، مقبول من الشعب العراقي.

الإدارة الأمريكية اللاعب الرئيسي، أوضحت بأجلى بيان أن السياسة السورية تسير باتجاه غير ما تريده تلك الإدارة، على ألسنة صقورها وحمائمها بل وحتى العصافير فيها. وآخر ما جاء في ذلك، كتهديد شديد مبطن، كان على لسان "باول" في لقائه مع الصحفيين والمحررين في صحيفة "واشنطن بوست"، عندما أشار إلى انه حان الوقت أمام السوريين "أن ينظروا جدياً إلى ما يحدث في المنطقة، ويحددوا ما إذا كانوا يريدون، أم لا، تعديل بعض سياساتهم"، مضيفاً إن سورية أصبحت الآن "أبعد مما كانت عليه العام الماضي، بعدما أخفقت في الرد على ما أوضحته خلال محادثاتي مع الرئيس بشار الأسد".

وحدهم رموز نظام الحكم السوري يتصرفون وكأنهم غير معنيين بالأمر، ظناً منهم أن "أجندتهم" التي ورثوها عن عهد الأسد "الأب"، والمعتمدة أساساً على مقايضة الخدمات السورية مع الرضا الأمريكي، ما زالت صالحة للاستعمال في مواجهة التهديدات الأمريكية. ويرون أيضاً أن الأمر لا يتعدى اختلافاً في وجهات النظر، وأنه، في أسوأ الأحوال، نوع من الابتزاز الأمريكي لا أكثر ولا أقل. وإذا ما اتصلت إحدى الفضائيات العربية بنائب الرئيس عبد الحليم خدام، مستوضحة عن حقيقة هذه التهديدات، أحالها إلى "فصيح النظام"، الذي حفظ/ أو حُفّظ، لازمته المعهودة: بأن تلك التهديدات "فقاعات صابون".

التهديد الأمريكي لسورية حقيقي، ويدخل في صميم المخطط الجديد لمنطقة الشرق الأوسط، الذي وضعه غلاة "المحافظين الجدد" في البنتاغون، وقد اعتمدته، إدارة بوش، وتعمل على تطبيقه، وحتى إشعار آخر. ونحن نعتقد أن هناك طريقين لا ثالث لهما أمام النظام السوري، عليه أن يسلك أحدهما في مواجهة استحقاق هذا التهديد:

الطريق الأول: هو أن يقتفي هذا النظام أثر خطى العقيد القذافي، الذي باتت طريقته معروفة للجميع. لقد أصبح سلوك هذا الطريق مطلوبا أمريكيا من كل دول المنطقة وسورية واحدة منها. وقد كان آخر تصريح لمسؤول أمريكي ما جاء على لسان وزير الدفاع الأمريكي "رامسفيلد" عندما قال يوم 10 شباط "إن هناك دولا استفادت من الحرب على الإرهاب"، مشيرا بذلك إلى ليبيا المتهمة أمريكياً بدعم "الإرهاب". وقد يعتقد البعض أن هذا الطريق مفيد ومختصر أمام القيادة السورية. وهو ليس بالمفيد لأن النظام السوري لن يأمن غضب أمريكا حتى ولو اقتدى أثر "القذافي"، لأن هذا الأخير قد وضع رجله على بداية طريق التنازلات، ولكنه لا يعرف أين يقف به هذا الطريق. وليس بالمختصر لأن طلبات أمريكا كثيرة وصعبة، وتجرع السم قد يكون أسهل منها. وقد باتت تلك الطلبات معروفة عند النظام السوري، كما جاء في تصريح "باول" الذي أشرنا إليه آنفا، عندما قال إن سورية أخفقت في الرد "على ما أوضحتْه خلال محادثاتي مع الرئيس بشار الأسد". وإن ما أوضحه "باول" يتضمن قائمة طويلة قد يكون أشد ما يؤلم نظام الحكم - وليس هو الأسوأ الذي تبيته أمريكا لسورية - هو تفكيك تركيبة نظام الحكم الحالية، ومن ثم شطب حزب البعث من معادلة الحكم، بعد أن رفعت إدارة "بوش" البطاقة الحمراء في وجه حزب البعث العراقي.

أما الطريق الثاني "الحل الوطني": فهو إعادة الحق إلى صاحبه، الشعب السوري، بعد أن اختطف حزب البعث هذا الحق منه لأكثر من أربعة عقود. وبدلا من اللجان الثلاث، التي قيل إن حزب البعث شكلها مؤخرا لدراسة أهداف الحزب في الوحدة والحرية والاشتراكية، - وقد لا تتمكن هذه اللجان من إكمال بحوثها الأكاديمية! للأسباب إياها التي أفردنا هذا المقال من أجلها - يتحتم أن يقوم هذا الحزب نفسه بالدعوة العاجلة إلى عقد مؤتمر وطني يكون "البعث" واحداً من فصائله، وليس الفصيل الوحيد فيه كما جرت العادة. ومن ثم يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية تدعو إلى انتخاب لجنة تأسيسية، تكون مهمتها وضع دستور جديد، يشطب منه كل المواد التي فصلها حزب البعث على مقاسه. وبصورة أوضح يتم تفكيك التركيبة البعثية الحاكمة، ولكن بالأسلوب الوطني، وليس على الطريقة الأمريكية التي جرت في العراق.

ولن يكون صحيحا أن يقول قائل، إنك بهذه الطريقة سوف تصل بحزب البعث إلى النهاية التي يهرب برأسه منها في مواجهة أمريكا. لأنه شتان بين الحل الوطني الذي يذوب فيه الكل لمصلحة الكل، وبين ضياع البلد بما فيه ومن فيه تحت جنازير دبابات "بوش". وخير له ألف مرة، أن يكون حزب البعث في بطن السبع (الشعب السوري)، من أن يصبح في بطن الضبع"بوش".

إن لجوء حزب البعث إلى "الطريق الثاني" الذي بيناه آنفا، احتمال بعيد جدا. بل إننا نجزم أنه لم يخطر لرموزه ببال. ولم يظهر حتى الآن ما يشير إلى أن حزب البعث قد استوعب المتغيرات الدولية والأخطار المحدقة، وأنه في طريقه إلى سلوك "الحل الوطني". فهو على سبيل المثال لم يفعل أقل من ذلك بكثير، مثل تبييض السجون وإطلاق المعتقلين الدهريين من معتقلات البعث سيئة السمعة، مثل "عماد شيحا" الذي دخل عامه التاسع والعشرين في السجن.

ولعل من أهم ما دعا حزب البعث إلى عدم سلوك طريق "الحل الوطني"، هو قناعته بأن المعارضة الممنوعة قد جعلت الاستعانة بأمريكا خطاً أحمر، كما جاء في البيان الختامي لمؤتمر لندن الذي عقدته معارضة الخارج في شهر آب من عام 2002: "إن الاستقواء بالآخر على الوطن، كياناً ومؤسسات وإنساناً، هو خط أحمر لا يقترب منه إلا من هانت عليه نفسه". كما أن أدبيات هذه المعارضة قد تواتر فيها رفض اللجوء إلى الحرب الأهلية سبيلا للتغيير، بعد أن رأى الجميع ما جر ذلك على سورية من ويلات.

ولكن أسلوب القمع والتصفيات، الذي استعمل في سورية منذ اليوم الأول لوصول حزب البعث للسلطة، وكذلك سياسة النهب المنظم لثروات الشعب السوري، وتهميش كل الفعاليات الوطنية، واحتكار الوطن كله كأنه مزرعة، وازدياد اليأس لدى شباب الجيل الحالي، الذي يضخ منه سنوياً ما يزيد على 200 ألف عاطل عن العمل من الجامعيين والخريجين، وما يراكمه كل ذلك، مما قد يوصلهم إلى لحظة الانفجار الكبير والعصيان المدني الذي لا يعرف أحد متى يكون وكيف يكون، وعندها لن ينفع المتشبثين بالحكم المقولة المشهورة "انجُ سعد فقد هلك سعيد".

كلمة أخيرة لا بد منها، نوجهها للحرس القديم والجديد في حزب البعث: إن السد الذي يستطيع أن يقف في وجه طغيان العاصفة الهوجاء التي تعصف بسورية ومن حولها، لن يكون إلا بتكاتف قوى الشعب كله، وليست بالكوادر النخبوية المثقفة تثقيفاً رفيعاً بمبادئ الوحدة والحرية والاشتراكية.

لا بد من التخلي كلياً عن عقلية الوصاية واحتكار الوطن والوطنية، بعد أن أوصلنا ذلك إلى حكم ضعيف وشعب مشلول. ولو أن رموز البعث تبصروا بالعواقب لبادروا إلى التغيير قبل أن تطالهم يد الغيير الأمريكي وشعارهم في ذلك "بيدنا لا بيدك يا بوش".

لا بد من هدم كل الحواجز التي تحول بين الشعب السوري وبين الدفاع عن وطنه. كفانا هزائم. كفانا إخفاقات. كفاكم مقامرة بمصير هذا الوطن. أليس منكم رجل رشيد؟

_________ 

* كاتب سوري، عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام - السعودية