غزة مقابل الضفة!

خطة شارون تدشّن مرحلة جديدة من الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي

ماجد كيالي

      شكّلت خطة شارون، المتعلقة بالانسحاب من معظم قطاع غزة، تحدّيا جديدا بالنسبة للفلسطينيين وامتحانا جدّيا لهم، ففيها انتقل شارون إلى مرحلة الدمج بين الوسائل العسكرية والسياسية في حربه المتواصلة ضدهم.

وفي الواقع فإن هذه الخطة ليس لها علاقة بعملية التسوية (كما قد يعتقد البعض)، إذ أنها أقرب إلى المناورة السياسية وهي بمثابة محاولة من إسرائيل لفرض املاءات الأمر الواقع على الفلسطينيين، بالمواصفات: السياسية والأمنية والجغرافية والديمغرافية، التي تتلاءم معها؛ مستغلة في ذلك أوضاعهم الصعبة، في ظل المعطيات الدولية والإقليمية الراهنة.

وفوق هذا وذاك فثمة معاني وظيفية لهذه الخطة تتمثل بالتملص من "خريطة الطريق" واستحقاقات اتفاقات "أوسلو" وغيرهما من الخطط التي تعجّ بها الساحة الإسرائيلية هذه الأيام؛ إضافة إلى تحسين صورة إسرائيل أمام العالم، في مقابل تحميل المسؤولية للفلسطينيين، مرة جديدة، عن إخفاق عملية التسوية.

أما ما اعتبره المراقبون بمثابة نقلة نوعية في توجهات شارون السياسية فيمكن تلخيصه في ثلاث نقاط: أولها، استعداده لتفكيك المستوطنات القائمة في قطاع غزة مع بعض المستوطنات المتناثرة في الضفة الغربية؛ في حين أنه كان حتى وقت قريب يرفض تفكيك أية مستوطنة؛ فهو الذي قال أن نتساريم (مستوطنة في غزة) بمكانة تل أبيب! وثانيها، استعداده للانسحاب من جانب واحد، من قطاع غزة وبعض مناطق الضفة، برغم استمرار الانتفاضة، على خلاف المواقف التي كان يعتمدها سابقا، والتي كانت تنطلق من ممانعة أية خطوة أحادية من هذا النوع، باعتبار أنها قد تفهم من قبل الفلسطينيين على أنها نتيجة لكفاحهم، أو على أنها جائزة للمقاومة أو للإرهاب (بالمصطلحات الإسرائيلية)؛ وثالثها، معاودته التأكيد على الالتزام بخطة خريطة الطريق، بشأن إقامة دولة للفلسطينيين ذات تواصل إقليمي.

وبرغم من أهمية هذه التحولات في الخطاب الشاروني، فإنها لم تكن لتحصل لولا تعب إسرائيل من الانتفاضة، وصمود الفلسطينيين وكفاحهم ضد الاحتلال والاستيطان، وتصاعد مخاوف الإسرائيليين من "الخطر الديمغرافي" (عدد سكان قطاع غزة 1.5 مليون فلسطيني)، وأيضا، لولا تدهور صورة إسرائيل على الصعيد العالمي، والضغوط الأمريكية عليها؛ فهذه العوامل كلها هي التي تقف في خلفية سعي إسرائيل للتخلص من تبعات السيطرة: السياسية والأمنية والاقتصادية والديمغرافية على الفلسطينيين، إلا أن غرض شارون الحقيقي منها ليس إلا "دس السم في الدسم"، والتلاعب في الوقائع، لفرض الاملاءات الإسرائيلية على الفلسطينيين، إن لم يكن بالطرق العسكرية أو بالمفاوضات فبسياسة الأمر الواقع.

ويشرح بن كسبيت سياسة شارون هذه بقوله:" إذا لم تسر الأمور بالحسنى، فستأتي الطريق السيئة. أو: ما لا يتم بالقوة، سيتم بمزيد من القوة. شارون سيثبت حقائق على الأرض وسيقيم، عمليا، الدولة الفلسطينية التي حلم بها دوما: صغيرة، منعزلة، منقطعة، محوطة بمناطق أمنية إسرائيلية واستيطان يهودي. شيء مثل 55 في المئة للفلسطينيين، 45 في المئة لنا..لليمين سيقول انه يوجد تحسن جوهري لوضعنا حفاظا على الأغلبية القائمة وإدخال الفلسطينيين العاقين إلى حبس كبير. ولليسار والوسط (شينوي) سيقول انه وبضربة واحدة يخلي المجانين من التلال (المستوطنين) ويثبت ما وعد به". (معاريف21 /11/2003)

ومن الواضح أن شارون في مخططاته الأحادية هذه يشتغل على عدة محاور فهو، أولا، يحاول استباق أية مبادرة، دولية أو أمريكية للتسوية، من خلال تقويض مفهوم حدود الرابع من حزيران نهائيا وعلى الأرض؛ ثانيا، يسعى شارون لفرض سياسة الأمر الواقع، على الفلسطينيين والعالم، بحيث تكون حدود الأمن والاستيطان هي الحدود الأمنية والسياسية لدولة إسرائيل؛ ثالثا، يحاول شارون، في حال عجز عن منع قيام دولة فلسطينية، خلق الوقائع التي تتيح له خنق هذه الدولة أو تحديد حدودها، ما أمكن ذلك، أو السيطرة عليها؛ رابعا، يريد شارون اللعب على قضية الدولة الفلسطينية، مع الفلسطينيين، من أجل فرض الاملاءات الإسرائيلية عليهم في التفاوض حول قضايا الحدود والقدس والمستوطنات وخصوصا قضية اللاجئين.

وباختصار فإن شارون يحاول أن يعوم حكومته وأن يفرض نفسه في الوسط السياسي الإسرائيلي كرجل إجماعي، فهو سيرضي اليسار بتفكيك بعض المستوطنات وبالانسحاب من غزة، وسيرضي اليمين والمستوطنين المتطرفين بتسمين مستوطنات الضفة الغربية وضم مساحات واسعة من الضفة الغربية إلى السيادة الإسرائيلية. أما بالنسبة للمجتمع الدولي فهو سيوحي بأنه قام بخطوات تاريخية من جهته، ولكن الفلسطينيين "ناكري الجميل" لا يسهلون الأمر عليه! وربما أن شارون في مرحلة لاحقة (إذا سارت خطته في طريقها) يعمد إلى إرضاء الإدارة الأمريكية بالموافقة على إقامة دولة فلسطينية بحدود مؤقتة في قطاع غزة وفي 50 ـ 60 بالمئة من الضفة الغربية، ضمن تسوية طويلة الأمد قد تمتد إلى 10 ـ15 عاما (مع بقاء المستوطنات وجدار الفصل العنصري في الضفة وضم أجزاء منها للسيادة الإسرائيلية!) للإيحاء من خلال ذلك بأنه قدم أقصى ما عنده وأنه لم يخرج عن خطة "خريطة الطريق"، خصوصا أنه يعلن بأن الحدود التي يدشنها اليوم، كأمر واقع، ليست حدودا نهائية، وأنه سينتظر الفلسطينيين لتحقيق الاتفاق النهائي معهم حالما يتوقفون عن السير في طريق المقاومة (الإرهاب بمصطلحاته)، وحين يغيرون قياداتهم!

وبرأي عميت كوهين فإنه: "عندما ستنفذ إسرائيل خطوة من طرف واحد، فان بوسع الفلسطينيين أن يعلنوا عن يوم نكبة جديد. كارثة..فعشر سنوات أخرى من السيطرة الإسرائيلية خير من هذه الخطوة، التي ستبقيهم عالقين خلف جدار، بعيدا عن اهتمام العالم. هذا هو السيناريو الأبعد عن الحلم الفلسطيني. انه الكابوس الفلسطيني، وبهذه الروح سيتبلور رد فعلهم العنيف تجاهه. ومع اكتمال بناء الجدار سيبقى في ايدي الفلسطينيين أقل من 60 في المئة من الضفة، وحتى هذه المناطق لن تكون متواصلة بل مقسمة إلى كانتونات". (معاريف 9/12/2003)

من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن الفلسطينيين باتوا أمام مرحلة جد خطيرة ودقيقة في صراعهم مع إسرائيل، فما كانت إسرائيل تبنيه على أرض الواقع بات يتحول إلى حقيقة في الخرائط السياسية والجغرافية والديمغرافية ستفرض على الفلسطينيين فرضا بالرغم عن إرادتهم.

ومعضلة الفلسطينيين أنهم في كل مرة يواجهون خطر تقليص أو تآكل أراضيهم وحقوقهم ومنجزاتهم، فقد أطلقوا انتفاضتهم، قبل أكثر من ثلاثة سنوات، من أجل التخلص من الاستيطان والاحتلال، فإذا بهم اليوم يواجهون مخاطر انتشار النقاط الاستيطانية في كل بقعة من الضفة الغربية. وبينما كانوا يطالبون بتجميد الاستيطان واقتلاعه من أراضيهم، إذا بهم يواجهون اليوم مخاطر اقتلاع أراضيهم منهم لضمها إلى إسرائيل. وبينما كانوا يكافحون من أجل فتح المعابر أمامهم وتعزيز التواصل بين مدنهم، إذا هم اليوم وجها لوجه أمام جدار الفصل العنصري وأمام مخاطر تحول مناطقهم إلى كانتونات منعزلة عن بعضها البعض. وبينما كانوا يطالبون بحق العودة للاجئين إذا بإسرائيل تلوح بامكان التخلص من عرب 48 (منطقة المثلث)!

وبالطبع فإن المشكلة لا تكمن في الانتفاضة أو في المقاومة، ولكن المشكلة لدى الفلسطينيين كانت تكمن في الفوضى في خطاباتهم السياسية وفي علاقاتهم الداخلية والخارجية وفي شكل كفاحهم، وفي عقلية خوض الصراع من دون تحديد أهداف ممكنة، ومن دون التحكم في وتائر هذا الصراع.

وحتى لا نجحف بحق الفلسطينيين كثيرا، فإن الأوضاع الدولية (11 سبتمبر) والإقليمية (احتلال العراق) والإسرائيلية (التحول نحو اليمين) سهّلت على شارون بطشه بالفلسطينيين وشجعته على فرض املاءاته الأحادية عليهم. لذا وبرغم كل ذلك من الصعب على الفلسطينيين مواجهة التحدي الشاروني الجديد بطرقهم أو بأوضاعهم الحالية.