العرب والشراكات الإقليمية في عالم متغيير (1)

( مدخل )

الدكتور عبدالله تركماني

خلقت العولمة واقعا جديدا تجسد على الخصوص في امتداد مستوى التنافسية، بحيث لم تعد الكيانات القطرية قادرة لوحدها على مواجهة الرهانات التي يفرضها التنافس بين الدول، وهو ما أدى إلى إنشاء تجمعات إقليمية كبرى كقوة فاعلة جديدة في العلاقات الدولية عامة، والعلاقات الاقتصادية خاصة . ومن منطلق المحافظة – بالقدر الممكن – على استقلالية القرار الوطني أو التقليل – بالقدر المستطاع – من درجة تهميشها، اتجهت مجموعات من الدول إلى إقامة تكتلات اقتصادية بحيث تقوّي السيادة الوطنية تجاه الخارج كجزء من سيادة إقليمية أوسع لدول تجمع بينها عوامل جغرافية وتطلعات سياسية واقتصادية متقاربة .

إنّ الإقليمية الجديدة تختلف عن إقليمية الستينات في أنها ليست امتدادا أو تعبيرا عن مصالح إقليمية فحسب، بل هي استجابة للتطورات العالمية . فإذا كان المضمون السياسي والعسكري والاستراتيجي يحكم علاقات وتفاعلات النظم الإقليمية التقليدية، يبدو اليوم أنّ المحتوى الاقتصادي – التجاري، على الخصوص، يحكم علاقات وتفاعلات التكتلات الإقليمية الجديدة . وأياً كان نوع الاختيار ودرجة تكيّف الدول والنظم الإقليمية مع التكتلات والشراكات الجديدة، فإنها مطالبة بإجراء مراجعات دقيقة لأهدافها وهيكليتها وطبيعة علاقاتها مع بيئة عالمية جديدة .

 على أنّ خيار الشراكات يقوم على فرضية أساسية وهي إجراء عملية تكيّف داخلي مع البيئة العالمية الجديدة، وتفرض عملية التكيّف هذه تطوير طبيعة النظام الإقليمي وفق نماذج متعددة من السياسات :

1 – أن تكون كثافة التفاعلات والاعتماد الاقتصادي المتبادل هي المعيار الأساسي لتحديد عضوية النظام الإقليمي .

2 – أنّ الأولوية ستكون للعلاقات الوظيفية، وأنّ القضايا الأمنية سوف تكتسب معانٍ جديدة، حيث يتم الانتقال من صيغة الأمن القائم على توازن القوى إلى ما يسمى بـ " الأمن التعاوني " الذي يقوم على التكافل المشترك والتداخل في المصالح، بحيث يكون أساس هذا الأمن هو توازن المصالح وليس توازن القوى، خاصة في ظل الاسترتيجية الأمريكية الجديدة " الحرب العالمية ضد الإرهاب " .

3 – تطوير مؤسسات النظام كي تتواءم مع المهام الجديدة . والتطوير له جانبان : أولهما، نوعي يركز على خلق مؤسسات جديدة أو تطوير المؤسسات القائمة لتكون قادرة على أداء المهام الجديدة . وثانيهما، وظيفي يركز على إعطاء مهام وظيفية جديدة للمؤسسات الإقليمية، بحيث تكتسب المؤسسة الإقليمية بعض الخصائص السيادية على حساب الدولة الوطنية داخل النظام .

ومهما كان الحال فإنّ الشراكات الإقليمية تندرج ضمن عملية إعادة مأسسة النظام العالمي الجديد، بحيث يجعل من الكتل الاقتصادية الإقليمية حلقة وسيطة بين الدولة الوطنية من ناحية، والنظام العالمي من ناحية أخرى . ومن ثم فهي تجديد أو إعادة إحياء للنظم الإقليمية التي أصيبت بانتكاسة كبيرة مع المتغيّرات الجديدة في النظام العالمي، ولكنه إحياء من منظور الاقتصاد نظرا لأنّ العالم أضحى أكثر اقتصادية . وهي تجيء نتاجا لتطور السوق العالمية والنظام الاقتصادي العالمي، وما تتضمناه من شبكة ضخمة من المنظمات والمؤسسات الدولية، والاعتماد الاقتصادي المتبادل الكثيف، والثورة الصناعية الثالثة، وخاصة ثورة الاتصال والمعلوماتية .

وبعد أن أضحت ظاهرة الاعتماد المتبادل أداة فعالة للنهوض بالعمل الجماعي، باعتباره يمثل أحد تطبيقات السلوك الدولي المتطور وأحد أبرز الظواهر التي يتسم بها النظام الدولي الراهن، وبعد أن باتت الخريطة الاستراتيجية الدولية تتميز بالاتجاه نحو شبكة من " المحاور الإقليمية المتعددة " التي تشكل أساس العلاقات والتحالفات الإقليمية والدولية، أصبح من واجب حكوماتنا العربية أن تبحث عن أفضل السبل للنهوض بالعمل الجماعي العربي من جهة، وكذلك الحوار والشراكة مع دول الجوار الإقليمي في الجنوب والشمال والشرق .

وهكذا، يبدو جليا اليوم أنه بات من المستحيل للأقطار العربية مواجهة تحديات العولمة، بما تنطوي عليه من قوى احتكارية متوحشة، بالاعتماد فقط على السياسات الوطنية في كافة المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية . ومن هنا تبدو أهمية الرهان على الشراكات الإقليمية، لعلها تصبح مكوّنات فعالة في بناء نظام عالمي جديد متعدد الأقطاب .

وفي المنطقة العربية تتنافس عدة رؤى حول إعادة تشكيل منطقة الشرق الأوسط : الرؤية العربية، والرؤية الشرق أوسطية، والرؤية المتوسطية، والرؤية الأمريكية الجديدة للشرق الأوسط الأوسع . وعلى الرغم من أنّ المشروع العربي هو الأقدم بين هذه المشاريع، إلا أنّ مجموعة من الانتكاسات العربية، بدأت بهزيمة العام1967 ولم تنتهِ بمأساة الوضعين الفلسطيني والعراقي حاليا، إضافة إلى التغيّرات الدولية مع نهاية الحرب الباردة وبروز نزعة الهيمنة لدى الإدارة الأمريكية الحالية، قد أدت إلى تراجع ملحوظ في فرص تحقُّق هذا المشروع .

وهكذا ، تثير الشراكات المطروحة على العالم العربي مجموعة أسئلة حول مدى الاستجابة العربية للتحديات المطروحة : هل فهمنا منطق المرحلة الدولية الجديدة ؟ هل استجبنا لمنطقها على الأصعدة الفكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وخاصة على صعيد التخطيط والتنظيم والممارسة ؟ وما هي الظروف التي ينبغي أن توفرها جامعة الدول العربية لجعل الشراكات ذات جدوى في المجالات الاقتصادية والسياسية والأمنية والاجتماعية – الإنسانــية ؟ .

 إنّ الجدل العربي حول الشراكات يتم في ظل متغيّرات كلية هامة :

(1)                 - أنّ هناك أزمة عميقة يعيشها ويعايشها النظام العربي الإقليمي بكل عناصره المؤسسية . ويبدو ذلك واضحا فيما يتعرض له المكوِّن الثقافي / القومي العروبي من هجمات مخططة ومنظّمة جيدا سواء من بعض العرب، أو من خارج المنطقة، وهو ما يمهد لقبول الانضواء الطوعي تحت مظلة أية شراكات إقليمية أخرى .

(2)                 -  أنّ التعاون الاقتصادي العربي لا يتوافق مع الآمال والطموحات التي عقدت عليه من حيث تحقيق نموذج للتكامل الاقتصادي العربي – العربي . ومثل هذا التوصيف يبرز تلك المفارقة الكبرى مع ذلك الزخم العالمي الذي يعلّي من قيمة الاعتبارات الاقتصادية في عملية التكامل الإقليمي، ومردوداتها الإيجابية المتدرجة على التكامل والتنسيق في باقي المجالات الأخرى . وهو ما بات يعرف بالتحول من الجيو - سياسي إلى الجيو - اقتصادي، كمحدد رئيسي في اتجاهات التكامل الإقليمي .

(3)                 - إنّ التعبير المؤسسي للنظام العربي يعاني من أزمة فعالية غير مسبوقة، مما يجعل البعض يعتقد أنّ هذا مؤشرا على إرهاصات حقيقية لوفاة النظام العربي .

(4)                 - أنّ هناك حركية أمريكية غير مسبوقة لإعادة بناء التفاعلات الإقليمية في المنطقة استنادا إلى أنها الدولة الأقوى في عالم اليوم، إضافة إلى صيرورتها جزء من المعادلة الجيو - استراتيجية بعد هيمنتها على العراق ودورها المحوري في مسار عملية المفاوضات العربية – الإسرائيلية .

(5)                 - أنّ أوروبا الموحدة، في محاولة منها لاستعادة موقع قدم في المنطقة، وتخوفا من الهيمنة الأمريكية الكاملة على مسار الأحداث فيها، وسعيا لحل بعض مشاكلها ذات الصلة بالحوضين الجنوبي والشرقي للبحر الأبيض المتوسط، طرحت الشراكة الأورو – متوسطية .

وهكذا، سنتناول تباعا : الشراكة العربية – العربية، محاولات الشراكة الشرق أوسطية في تسعينات القرن العشرين ودلالاتها، الشراكة الأورو – متوسطية وأبعادها، المبادرة الأمريكية للشراكة مع الشرق الأوسط الواسع .

تونس في 18/2/2004                  الدكتور عبدالله تركماني

                                    كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

                                              teab@planet.tn