الحركة الوطنية السورية في السنوات الثلاث الماضية

الإصلاح المحتجز

 

جاد الكريم الجباعي

أود في البداية أن أشير إلى أنني لا أمثل أحداً ولا أنوب عن أحد، وإلى أنني قد استقلت من مهمة الداعية، فأنا لا أدعوكم إلى أي شيء إلا إلى الحوار، ولا أرغب في إقناعكم بأي شيء، بل أرغب في أن نتدرب على التفكير معاً. ولكي يكون بيننا حوار لا بد أن نحرر كلماتنا، ولا سيما الكبيرة منها، من حمولاتها الأيديولوجية والقيمية، ونخرج من تقليدنا المألوف في تقديس الكلمات أو شيطنتها إلى نقدها والتحرر من سحرها والعناية بدلالاتها اللغوية والاصطلاحية قبل دلالاتها الرمزية والقيمية. فأنا لا أرى في الوطنية التي نصف بها الحركة السياسية، على سبيل المثال، سوى معنى العمومية، وصفة للدولة وتحديد ذاتي لجميع مواطنيها، ومن ثم فإن الحركة السياسية الوطنية تشمل جميع ألوان الطيف السياسي من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، وممن هم في السلطة إلى من هم في المعارضة، وليس بين هؤلاء من هو أكثر أو أقل وطنية من الآخر، فالأحزاب التي كانت توصف بالتقدمية والثورية ليست أكثر أو أقل وطنية من تلك التي كانت توصف بالرجعية؛ التقدميون والرجعيون وطنيون على السواء، والحاكمون والمحكومون كذلك، فجميعهم سوريون بالتساوي بانتمائهم إلى الوطن/الدولة، ومعنى كلمة وطنيين هنا يطابق معنى كلمة سوريين. الوطنية صفة لا تقبل التفاوت والتفاضل. والسلطة السياسية التي تنزع صفة الوطنية عن بعض مواطنيها أو عن أحدهم بلا سند قانوني ودستوري إنما تنزع صفة الوطنية عن الدولة وعن الحزب الذي يمسك بمقاليدها. أعترف أن هذه المسألة تصدم المشاعر "الوطنية" بالمعنى الدارج، وليس بوسع الوعي الأيديولوجي أن يقبلها بسهولة، ولكنني أدعي أن جميع مسائلنا تكمن هنا، أعني في إعادة تحديد الدولة الوطنية أو إعادة تعريفها، وفي إعادة تعريف السلطة والمعارضة والبحث عن العلاقة الجدلية المقطوعة بينهما؛ وفي تمييز مفهوم السيادة التي لا يمكن أن تكون إلا وطنية، (أعني سيادة الشعب، لا سيادة الحزب)، من مفهوم السياسة التي يمكن أن تكون أو لا تكون وطنية، ولا تكون السياسة وطنية إلا حين تتوخى المصلحة العامة. معضلة السياسة في سورية تكمن في هذه المسألة، أي في غلبة المصالح الخاصة على المصلحة العامة، وفي تقليص مجال الدولة إلى مجال السلطة، وسائر المشكلات الأخرى تفريعات على هذا الأصل.

ومن البديهي أن يؤدي هذا الاختلال في التوازن بين المصلحة العامة والمصالح الخاصة العمياء إلى أزمة سياسية لم تن تتعمق وتتسع حتى بلغت ذروة لم يعد ممكناً معها الاستمرار والاستقرار، فبات الإصلاح ضرورة ملحة. لذلك دخلت سورية منذ ثلاث سنوات وبضعة أشهر مرحلة انتقالية معلنة ومفتوحة على احتمالات شتى، أفضلها الانتقال الهادئ والآمن والتدريجي إذا شئتم من نظام شمولي، نظام الديمقراطية الشعبية القائم على المشروعية الثورية إلى دولة القانون والمؤسسات، المقدمة الضرورية لنظام ديمقراطي يقوم على مبدأ سيادة الشعب وعلى الشرعية الدستورية. ويعتقد كثيرون أن هذه المرحلة بدأت بتسلم الدكتور بشار الأسد مقاليد الحكم، ويتحدثون عن مشروع رئاسي للإصلاح أو للتطوير والتحديث، تحت مقولة "الاستمرار والاستقرار"، ويرون أن مدة ثلاث سنوات ليست كافية لتقدم هذه "المسيرة" التي تعترضها عقبات جمة. بيد أن دراسة موضوعية لبنية السلطة وآليات عملها واستجاباتها للأزمات الداخلية تبين أن لهذه المرحلة مقدمات موضوعية ترجع إلى أواسط ثمانينات القرن الماضي، وقد تبلورت ملامحها الأساسية في تسعيناته، ولا سيما حين شل الركود جميع مستويات السلطة، وصار الحديث عن الفساد جهراً، حتى في الصفحات الداخلية للصحف الحكومية، وانبرى مثقفون وسياسيون لم يبيعوا أقلامهم وضمائرهم لنقد الأوضاع السياسية والاقتصادية المتردية علناً. ويجدر التنويه هنا بنشاط جمعية العلوم الاقتصادية، وبالأسبوع الثقافي الذي كانت تقيمة كلية الآداب بجامعة دمشق، بمبادرة من قسم الدراسات الفلسفية والاجتماعية، وبالنشاط الثقافي لرابطة الخريجين بحمص، ولبعض المراكز الثقافية في دمشق وحمص ومصياف ودير الزور وغيرها. في هذا المناخ نشأت في بعض المدن ندوات ثقافية ضيقة ونصف علنية ضمت مثقفين ومهتمين بالشأن العام وكوادر سياسية من مختلف الاتجاهات. وطرحت بقوة في أحزاب التجمع الوطني الديمقراطي قضايا العمل الديمقراطي السلمي وأساليبه والخروج من حالة السرية وضرورة الحوار الوطني مبدأ حاكماً في العلاقات السياسية، وكان لبعض المثقفين أثر مهم في تعزيز هذا الاتجاه. وتجدر الإشارة إلى ما أثارته البريسترويكا، ثم انهيار دول المنظومة الاشتراكية وزوال الاتحاد السوفييتي من نقاشات وحوارات أبرزت أهمية الديمقراطية وضرورتها، لا في أوساط الشيوعيين فحسب، بل في الأوساط السياسية والثقافية بوجه عام. وإلى البيان الذي وقعه اثنان وخمسون مثقفاً احتجاجاً على العدوان الأمريكي على العراق وعلى مشاركة السلطة في ما سمي التحالف الدولي لتحرير الكويت، فكان أول خطوة جماعية في طريق استقلال المجال الثقافي عن السلطة وإبراز الفروق الواقعية بين المثقف الوطني ومثقف السلطة الشمولية والحزب الشمولي أو الحزب الأيديولوجي. وبيان الـ 99 ووثيقة الألف والبيانات المطلبية التي وقعها مئات المثقفين والمهتمين بالشأن العام خطوات لاحقة عمقت هذا الميل. ويبدو لي أن هذه المسألة، أي مسألة استقلال المجال الثقافي عن السلطة السياسية من أهم المسائل التي تحتاج إلى وقفة متأنية، أدعو جميع المعنيين بالثقافة الوطنية إلى إيلائها الأهمية التي تستحق. ولا سيما إذا علمنا أن النظام الشمولي الذي يقوم على مبدأ الاحتكار الفعال للسلطة والثروة وقوة العدد والتنظيم يدمج جميع مجالات الحياة الاجتماعية: الاقتصادية والسياسية والثقافية في مجال واحد هو مجال السلطة، وأن هذين الاحتكار والإدماج هما ما يجعلان منها سلطة شمولية تخترق المجتمع المدني وتمتص قوته وتعيد تنسيق بناه على نحو يديم سيطرتها ويجعلها في حاجة ماسة إلى مراكمة السلطة ومراكمة العنف والإرهاب. ثمة علاقة ضرورية بين استقلال مجالات الحياة الاجتماعية وبين الحقوق المدنية والحريات الأساسية، ولا سيما حرية الرأي والتعبير؛ وثمة علاقة ضرورية بين استقلال مجالات الحياة الاجتماعية ومبدأ فصل السلطات وسيادة القانون. وتلكم هي الدلالة الأعمق لإصرار السلطة على إدامة حالة الطوارئ والأحكام العرفية.

كثيرة هي العوامل التي أدت إلى تحول ملموس في حياتنا السياسية، إذ انتقلت السلطة والمعارضة على السواء من موقف القبول التام والرفض التام إلى القبول النسبي والرفض النسبي، وهذه علامة صحة أكيدة في الحياة السياسية. قبل ذلك كان خطاب السلطة يقتصر أو يكاد يقتصر على ذكر المآثر والمنجزات بما يوحي بأن الأوضاع على خير ما يرام وليس هنالك ما يحتاج إلى إصلاح، وكان خطاب المعارضة يقتصر أو يكاد على ذكر المثالب والسلبيات ما يوحي بأن التردي والفساد بلغا حداً لا يمكن معه إصلاح أي شيء، ولعل خطاب القسم الذي صار علماً على "مشروع الإصلاح الرئاسي" يأتي في هذا السياق وكذلك البيانات والعرائض والنقاشات الحارة في المنتديات.

في ضوء هذه المقدمات أدعي أن في سورية اليوم رؤيتين إصلاحيتين ومشروعين إصلاحيين: رؤية السلطة ومشروعها الذي يرمي إلى إصلاح السلطة لذاتها وترميم مشروعيتها الثورية التي أخذت تتآكل على نحو ملحوظ منذ بداية التسعينات، وهو مشروع محتجز بعطالة السلطة وفسادها من جهة وبضغوط الخارج وتهديداته من جهة أخرى، ورؤية المعارضة، ولا سيما التجمع الوطني الديمقراطي، ومشروعها الذي يرمي إلى استعادة عمومية الدولة ومبدأ المواطنة وإلى سيادة القانون وفصل السلطات والتداول السلمي للسلطة وإعادة توزيع الثروة الوطنية والناتج القومي وعوامل الإنتاج على نحو يتناسب وموقع الفئات الاجتماعية على سلم الإنتاج ودور كل منها في عملية الإنتاج الاجتماعي ويحقق قسطاً ما من العدالة الاجتماعية .. وهو مشروع محتجز بضعف المجتمع وإضعافه وضغوط السلطة التي لم تحسم خياراتها بعد. وما زلت أعتقد أن المشروعين يتقاطعان أيديولوجياً في عدة نقاط، بحكم الطابع الأيديولوجي الهش والمثلوم للسلطة والمعارضة على السواء. وأدعي من ثم أن المناخ الثقافي والسياسي في العهد الجديد فتح إمكانية تقاطع المشروعين سياسياً، وأن قوى المعارضة تقدمت على هذا الصعيد خطوات ملموسة لم تلق حتى اليوم استجابات مناسبة من السلطة، فضاعت على سورية فرصة الاستفادة من قوة الدفع الإصلاحية في الجانبين، ولكن الفرصة التاريخية لم تضع كلياً بعد، فما زال ممكناً توليف المشروعين المحتجزين في مشروع وطني ديمقراطي يستجيب لحاجات الواقع ومنطق العصر ويحقق مصلحة عامة يربح بتحقيقها الجميع؛ من دون أن يعني ذلك إلغاء مبدأ المعارضة، و "التفاف قوى المعارضة حول السلطة أو ذوبانها فيها بحجة مواجهة الضغوط والتهديدات الخارجية، كما يرى الرفاق البعثيون، لأن مثل هذه الرؤية الأحادية تثبتنا في حالة الركود والاستنقاع وإلغاء السياسة واحتكار السلطة واحتكار الوطنية. فليس من ضمانة موضوعية لانتهاج سياسات صائبة وناجعة إزاء التهديدات والضغوط الخارجية سوى قوة السياسة واستقلال المعارضة وحريتها ومشروعيتها القانونية والدستورية. ولو افترضنا جدلاً أن قوى المعارضة استجابت لمطلب السلطة وانضوت في مشروعها الإصلاحي المحتجز، فإن المسألة تتعدى، في اعتقادي، قوى المعارضة إلى موقف المجتمع الذي هو الحكم الفصل، في نهاية التحليل؛ فأكثرية المجتمع ليست مع السلطة وليست بعد مع المعارضة، ولا تزال خارج السياسة وخارج الثقافة، متروكة للثقافة التقليدية ولإعادة إنتاج البنى والعلاقات التقليدية ما قبل الوطنية؛ وهنا يكمن المأزق الفعلي للسلطة والمعارضة على السواء. فالسلطة واهمة وهماً خطيراً إذ تظن أن شعارات الدفاع عن الوطن والوطن في خطر والعدو على الأبواب وكلنا مستهدفون يمكن أن تجدي نفعاً، وهي واهمة وهماً خطيراً إذ تظن أن حزبها القائد وجبهتها الوطنية، في وضعهما الراهن قادران على تعبئة "الجماهير" للدفاع عن الوطن قدرتهما على تعبئتها لمسيرات مليونية. ووهمها هذا ناجم عن جهل العلاقة الموضوعية بين الوطن والدولة أو تجاهلها، فحيث لا تكون هناك دولة حق وقانون لجميع مواطنيها بلا استثناء ولا تمييز لا يكون هناك وطن، بل بيئة طبيعية فحسب، وهذه باقية بغض النظر عن السلطة السياسية ونظام الحكم. ودرس العراق ليس أول دروس التاريخ، في هذه الحيثية وليس آخرها. وفكرة المصالحة الوطنية التي طرحتها المعارضة تعني المصالحة مع المجتمع والاعتراف بحقوق الناس.

قد يكون من المفيد جرد جميع المراسيم والإجراءات الإيجابية التي قامت بها السلطة منذ أكثر من ثلاث سنوات، وجميع ما قامت به قوى المعارضة وما تضمنه خطابها من إيجابيات، واعتبار السلبيات في الجانبين من مخلفات الماضي وآثاره واستطالاته، فتتحدد على نحو أكثر موضوعية ملامح الحاضر وآفاق المستقبل، وحظوظ النجاح في توليف مشروع وطني ديمقراطي لا أريد أن أطنب في مديحه، وهو عمل لا بد أن يقوم به أحدنا أو بعضنا، ولكن ذلك أكثر مما تتحمله جلسة حوار، وكله أو جله معروف ويمكن لأي مهتم أن يجده في مظانه. لذلك سأكتفي ببعض الخلاصات التي لا تعدو كونها قراءة شخصية، وقد أفاجئكم بالقول إنني أعدها صحيحة، فليس هناك عاقل يرغب في أن يكون على خطأ، وذلكم هو مجال الذاتية، أما مجال الموضوعية فلا يُبلَغ إلا بالحوار، وهذا يعني أن القراءات الأخرى المختلفة مشروعة بالتساوي. وأهم هذه الخلاصات:

1-  المناخ السائد اليوم في سورية يتوفر على درجة ما من الانفراج السياسي، وأحب أن أقول على هامش ما من الحرية، لا يزال ضيقاً ومحدوداً بالخطوط الحمر وبالإرادات الفردية المتعسفة لكثير من رموز السلطة وأجهزتها الأمنية، ولا يزال مهدداً بالتقلص أو بالضياع ما لم ترفع حالة الطوارئ وتلغى الأحكام العرفية، وما لم يصدر قانون عصري وحديث وديمقراطي ينظم عمل الأحزاب والجمعيات. وأن الحركة الوطنية قد كسبت هذا الهامش بعملها وتضحياتها، فهو ليس مجرد هبة من هبات السلطة أو مكرمة من مكرماتها. فإلى جانب محاكمة الناشطين الأربعة عشر أمام المحكمة العسكرية بحلب لمجرد عزمهم على حضور محاضرة في منتدى الكواكبي، هناك نحو مئتين وخمسين محامياً تطوعوا للدفاع عنهم، ومئات المعتصمين أمام المحكمة في كل مرة تنعقد فيها جلسة لمحاكمتهم. ولا بد من استنهاض جميع القوى الحية في المجتمع لا للحفاظ على هذا الهامش بل لتوسيعه وتعميقه باطراد. على أن هذا الهامش المكتسب مكسب للسلطة والمعارضة معاً.

2-  أخذ المجال الثقافي ينفك تدريجياً، وإن ببطء شديد، عن مجال السلطة ليغدو مجالاً وطنياً، أي عاماً، مستقلاً، وهذا ما يعبر عنه أحياناً بأن في سورية أصواتاً أخرى أبرزها صوت المثقفين صارت تسمع في الداخل والخارج إلى جانب صوت السلطة. إن نوعاً من السمفونية الوطنية آخذ بالتشكل بدلاً من العزف الأيديولوجي المنفرد. ولا يزال الحوار بين المثقفين في بداياته ويحتاج إلى مزيد من التصميم والمثابرة. وبخلاف من يتهمون الحركة الوطنية بالنخبوية أرى أن هذا الطابع النخبوي الليبرالي شرط لازم لتجاوز الحالة الجماهيرية أو الشعبوية التي هي أخص خصائص الاستبداد المحدث. وما زلت أعتقد أن المثقف أستاذ السياسي، وأن أي مشروع سياسي لا بد أن يمهد له ويواكبه مشروع ثقافي يمنحه مضموناً وطنياً وإنسانياً، ويضبط مساره على هدي القيم التي تتبناها الثقافة الوطنية، ولا سيما قيم الحرية والمساواة والعدالة. وتلكم هي ثمرة الندوات والمنتديات والملتقيات والنقاشات والحوارات المفتوحة والكتابات السياسية والأعمال الأدبية والفنية، وثمرة البيانات والعرائض التي وحدت الموقعين عليها والراغبين في ذلك ولم تسنح لهم الفرصة لأسباب شتى في طريق العمل الديمقراطي السلمي والعلني. وحين اتهمت السلطة المثقفين بالعمالة للسفارات الأجنبية وبالتواطؤ مع قوى خارجية وحمَّلت فكرة المجتمع المدني الذي يدعون إلى إحيائه جميع الآثام، كانت على يقين أن المثقفين ليسوا كذلك، فهي تعرفهم واحداً واحداً أكثر مما يعرفون بعضهم بعضاً، ولكن الدلالة العميقة لحملة التشهير والتخوين ولتجريدة القيادة القطرية وأجهزة الأمن وبعض أحزاب الجبهة الوطنية التقدمية هي محاولة قطع الطريق على عملية استقلال المجال الثقافي عن السلطة، وإخماد صوت المثقفين. فلم يجدها ذلك، فلجأت إلى اعتقال بعضهم ومحاربة بعضهم الآخر بلقمة عيشه وبتنغيص حياته. وأراني متفائلاً في هذا الجانب، لأن كثيرين من مثقفي السلطة ومثقفي الأحزاب سوف يستعيدون حريتهم عما قريب ليدافعوا عن الحقيقة، لا عن الحزب، وعن الوطن والشعب والدولة، لا عن السلطة، فهذه الأخيرة لا تحتاج إلى من يدافع عنها، بل إلى من ينتقدها.

3- بدأت تتضح ملامح علاقة جديدة بين الثقافة والسياسة، وإن في صورتها السلبية، فقد باتت السلطة ترى في المثقفين نوعاً من معارضة سياسية، فصبت عليهم جام نقمتها، وأحزاب التجمع الوطني الديمقراطي رأت فيهم قوة منافسة فتعاملت معهم بحذر وارتياب، وفي الحالين تسرب خطاب المثقفين إلى الخطاب السياسي. وتجلى ذلك لا في فيض المقالات والدراسات التي كتبت عن المجتمع المدني والدولة الوطنية فحسب، بل في برنامج التجمع الوطني الديمقراطي وجريدته المركزية، "الموقف الديمقراطي"، وفي مشروع ميثاق الشرف للعمل السياسي في سورية الذي وضعه الأخوان المسلمون في الخارج، ثم صار "ميثاق الشرف للعمل السياسي في سورية"، بعد أن أقره مؤتمر لندن. هذه العلاقة الجديدة البادئة هي بالأحرى استقلال الثقافة لا عن السلطة فقط، بل عن السياسة أيضاً، فقد آن لزمن السديمية والاختلاط، إذ السياسي سيد المثقف وولي نعمته أن يمضي إلى غير رجعة.

4- يمكن أن نصف هذه المرحلة بأنها مرحلة الحوار الوطني. ولعل من أهم نتائج هذا الحوار طرح القضية الكردية في سورية على أنها قضية وطنية تهم جميع المواطنين السوريين، أعني قضية الاندماج الوطني، وقضية الدولة الوطنية التي يتمتع فيها جميع المواطنين بحقوقهم المدنية والسياسية والثقافية. وقد حققت النقاشات والندوات، التي عقدت حول هذه القضية تقدماً ملموساً. وآخر هذه الندوات المائدة المستديرة التي أقامها منتدى جمال الأتاسي للحوار الديمقراطي، الشهر الماضي، وشارك فيها متحاورون من الحزب الديمقراطي التقدمي الكردي ومن حزب البعث العربي الاشتراكي ومن التجمع الوطني الديمقراطي وجمعية حقوق الإنسان في سورية ولجان إحياء المجتمع المدني. وقد شمل هذا الحوار الوطني جميع الأحزاب السياسية الكردية وعدداً من المثقفين الكرد والعرب السوريين.

5- كشفت هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى عن ضعف الأحزاب السياسية بوجه عام، وعن تكلس بناها الفكرية والسياسية والتنظيمية وعجزها عن ضخ دماء جديدة ونظيفة في عروق قياداتها الهرمة والمتصلبة، وأخص بالذكر حزب البعث العربي الاشتراكي الذي يؤلف أعضاؤه الكتلة الأساسية والشابة في الجسم السياسي، ويبدو لي أنه سيظل كذلك ما لم يضع نفسه على مسافة كافية من السلطة السياسية والإدارة العامة والأجهزة الأمنية.

6- لا تزال الحركة مقصورة على دائرة ضيقة من النخبة أو الإنتلجنتسيا تفتقر إلى أدوات التواصل مع كتلة المجتمع، وستظل كذلك ما لم تنهض النقابات والحركة الطلابية لتدافع عن مصالح أعضائها، فتدافع بذلك عن مصالح اجتماعية ملموسة لفئات اجتماعية مختلفة، وتعيد تعريف المصلحة الوطنية والسياسات الوطنية الكفيلة بتحقيقها، فإن إصلاح القضاء والتعليم والمرافق العامة والخدمات الاجتماعية، وكذلك الإصلاح الاقتصادي والإداري، مشروط بهذا النهوض، لا بالمراسيم والقرارات الإدارية، ولا بشعارات المعارضة ونياتها الطيبة، والله أعلم. وقبل أن تتحقق هذه النقلة النوعية في الحياة العامة، أعني استقلال النقابات والتنظيمات الاجتماعية عن السلطة السياسية وأجهزتها الأمنية وعن الأحزاب السياسية أيضاً، ستظل الحركة حركة اعتماد، أي مراوحة في المكان، لا حركة نقلة على طريق الإصلاح والتقدم.

7- ولعل أهم ما يلفت النظر هو اهتمام المثقفين والناشطين وأحزاب المعارضة بقضية حقوق الإنسان بوجه عام وحقوق المرأة والطفل بوجه خاص، وقيام منتدى المرأة الثقافي والمنتدى الثقافي لحقوق الإنسان ولجان الدفاع عن حقوق الإنسان وجمعية حقوق الإنسان في سورية وفرع للمنظمة العربية لحقوق الإنسان. فإن قيام هذه الجمعيات ونشاطات لجان إحياء المجتمع المدني وما تبقى من ندوات ومنتديات ومشاركة عدد من النساء في الشأن العام مما يجعلنا نتحدث عن تجربة جديدة في حقل العمل الوطني، وعن سمة جديدة من سمات هذه المرحلة الانتقالية لا يجوز أن نبالغ في تقريظها ولا أن نتستر على عيوبها وأخطائها.

8- صارت قضية المجتمع المدني والدولة الوطنية علماً على نسق مفاهيمي جديد ومفتوح يعارض الأنساق الأيديولوجية التي سادت في المرحلة الماضية ويفتح آفاقاً واعدة لإعادة بناء الوعي السياسي على أسس إنسانية وعقلانية وعلمانية وديمقراطية، وتجديد الثقافة الوطنية وتحريرها من هيمنة الأيديولوجية والإعلام الحزبي والأوهام الشعبوية.

9- على الرغم من جميع الظروف والقوى المعوقة والمعوقة، وعلى الرغم من تجزئة مشروع الإصلاح إلى إصلاح اقتصادي وإصلاح إداري وإصلاح مالي واستبعاد الإصلاح السياسي أو تأجيله، بهدف تبديد مشروع الإصلاح والتشبث الوهمي على كل حال بمقولة الاستمرار والاستقرار، يمكن القول إن هذه المرحلة الانتقالية وضعت سورية على خط تجاوز النسق الشعبوي والنظام الشمولي، وإن هذه العملية متوقفة إلى حد بعيد على الإرادة السياسية للسلطة والمعارضة معاً. وعلى الرغم من قناعتي العميقة بأن الإصلاح السياسي هو المدخل الوحيد الممكن لمشروع الإصلاح الديمقراطي المأمول، لأنه يعتمد على الإرادة السياسية بصورة أساسية، إلا أن أي إصلاح جدي في أي مجال هو رصيد إيجابي لتجاوز النسق الشعبوي.

10- وأخيراً لا بد أن نلاحظ أن حزب البعث العربي الاشتراكي وأحزاب الجبهة الوطنية التقدمية الأخرى لا تزال مترددة إزاء / إن لم أقل محجمة عن المشاركة الإيجابية في الحوار الوطني، على الرغم من مشاركة بعض كوادرها ومثقفيها فيه بصورة إيجابية وفعالة، بل لا تزال على مواقفها المؤسفة في التشهير بالمثقفين وبنشطاء المجتمع المدني خاصة والارتياب بالمعارضة الديمقراطية. والحوار الوطني، في اعتقادي لا يكتمل ولا يبلغ المأمول منه إلا بمشاركتها. ولعل صيغة المؤتمر الوطني تكون مدخلاً مناسباً لحوار ديمقراطي يهدف إلى إنتاج توافق أولي ومبدئي على تعريف المصلحة العامة والعمل في سبيلها. فالحوار ينتج حقائق جديدة ليست لأي من المتحاورين، بل لهم جميعاً، لأنها قائمة فيهم جميعاً.