الدولة ثنائية القومية: محاولة أولية للتعريف

ماجد كيالي

بات مصطلح الدولة "ثنائية القومية" في الآونة الأخيرة كثير التداول في الأدبيات السياسية العربية المعنية بالصراع العربي ـ الإسرائيلي، ولكن معظم المشتغلين على هذا الموضوع غالبا ما يتعاملون معه باعتباره مجرد شعار للاستهلاك السياسي، أو كوسيلة تهديد (بما يسمى القنبلة الديمغرافية).

ويمكن تفسير ذلك بعدة عوامل: أولها، ضحالة التفكير السياسي وضعف الحراك السياسي في الساحة العربية؛ وثانيها، حال الجمود التي تسيطر على الأفكار السياسية العربية، وغياب روح الاجتهاد والجرأة على تقديم البدائل؛ وثالثها، سيادة عقلية التخوين والتحريم الناجمة عن إضفاء نوع من القدسية على القضية الفلسطينية وعن ضعف مسارات الديمقراطية والتعددية في العالم العربي.

وهكذا فإن الأفكار السياسية المتداولة في العالم العربي، هي ذات الأفكار التي تم تداولها منذ أكثر من خمسة عقود، برغم كل التناقضات التي تكتنفها وكل الإخفاقات التي قادت إليها، وأيضا برغم كل التغيرات الحاصلة في البيئة العربية والدولية، المحيطة ببيئة الصراع العربي ـ الإسرائيلي.

على ذلك فثمة أهمية لتقديم ولو تعريف أولي لمفهوم الدولة "ثنائية القومية" في إطارها العام وفي إطارها الفلسطيني خصوصا، بغض النظر عما إذا كان هذا الخيار عمليا في هذه الظروف، أم لا، وبمعزل عن نقاشنا لإشكاليات أو تناقضات هذا الخيار في المرحلة الحالية.

ويمكن تعريف الدولة ثنائية القومية بأنها شكل للتعايش بين جماعتين قوميتين، في دولة واحدة، في إطار من الاعتراف والتضامن والتوافق المتبادل، بضمان دستور يكفل المساواة والعدالة والهوية للطرفين، بشكل متكافئ، بغض النظر عن القيمة العددية. وهذه الدولة يفترض أنها تتأسس على الاعتراف المتبادل وعلى تفهم كل جماعة قومية لحاجات الجماعة الأخرى، وعلى التوافق في توزيع الموارد بطريقة عادلة ومتكافئة (ليس بحسب الأكثرية والأقلية وإنما بحسب التمثيل النسبي)، لأن المساواة بين القوميتين هي الأساس، مع إعطاء حق الفيتو للطرفين، وإيجاد آلية لحل الخلافات بطريقة سلمية وديمقراطية وقانونية.

أما مؤسسات الدولة ثنائية القومية، فهي ذات بعدين: مشترك ومنفصل، ففي هذه الدولة ثمة مؤسسات تمثيلية مشتركة، في القضايا المشتركة (الخارجية الدفاع الاقتصاد) وثمة مؤسسات تمثيلية منفصلة في قضايا التعليم والثقافة والدين وربما في البلديات (إذا اتخذ التقاسم بعدا جغرافيا)، أيضا ربما توجد حكومتين وبرلمانيين، مع وجود حكومة مشتركة وبرلمان مشترك، في بعض الصيغ.

وهكذا فإن الدولة ثنائية القومية تضمن الحقوق الجماعية المتمثلة بالاعتراف بالهوية القومية وبالاستقلال الذاتي الثقافي والحق بإقامة مؤسسات ثقافية وتربوية خاصة. وعلى الصعيد السياسي فهي تضمن تقاسم السلطة في مؤسسات تمثيلية، في الهيئات التنفيذية والتشريعية والقضائية، في دولة تقوم على أساس الديمقراطية والقانون. وفي مثل هذه الدولة فإن الحقوق الفردية تنشأ من اعتبار الدولة ثنائية القومية دولة ديمقراطية تعددية، وهي دولة المواطنين، التي تراعي المساواة أمام القانون بالنسبة لمواطنيها بغض النظر عن هويتهم القومية.

أيضا يمكن أن تقوم هذه الدولة على أساس إثني فقط (بغض النظر عن مكان الإقامة) أو أن تقوم على أساس أقاليم جغرافية، تراعي التقسيمات العرقية.

في الحالة الفلسطينية

في الحالة الفلسطينية يبدو خيار الدولة "الثنائية القومية"، المفترضة، خيارا وسطا بين الانفصال والاندماج. وهو يطرح في ظروف يبدو أنه بات من المتعذر فيها تحقيق الانفصال بين الفلسطينيين والإسرائيليين، في دولتين، من خلال إتاحة قيام دولة فلسطينية. أيضا فإن هذا الخيار يطرح في ظروف بات يستحيل فيها التداول في مشروع "الدولة الديمقراطية العلمانية"، الذي يتأسس على اندماج (اليهود والعرب) في إطار دولة لمواطنيها، في كامل أرض فلسطين، لا سيما أن الطرفين: الإسرائيلي والفلسطيني يصران على الحل القومي، خصوصا على خلفية تنامي مظاهر العداء والكراهية بين الطرفين(بسبب سياسات إسرائيل والتعبئة الصهيونية المتطرفة فيها). وبهذا المعنى فإن هذه الدولة تشكل حلا وسطا، بين فكرتي الدولتين، والدولة "الديمقراطية العلمانية" في فلسطين.

ويستنتج من ذلك أن خيار الدولة الثنائية هو بمثابة حل وسط افتراضي، كما قدمنا، فهو يتجاوز صعوبات الانفصال ويتضمن نوعا من التحايل على الواقع بإيجاد إلية معينة للتعايش على أساس من المساواة. وبمعنى أخر فإن هذا الحل يتجاوب، في آن معا، مع طروحات الانفصال والطموحات القومية للطرفين المتصارعين ومع تعقيدات الصراع بينهما.

ويكتسب طرح هذه الفكرة أهميته من واقع أن الفلسطينيين، حتى الآن، لا يقبلون بأقل من انسحاب إسرائيل من كامل الضفة والقطاع، مقرونا باعترافها بحق العودة للاجئين إلى ديارهم وأراضيهم، التي شردوا منها عام 1948. أما إسرائيل فهي ترفض تفكيك المستوطنات وحق العودة والانسحاب إلى حدود 4 يونيو، وتتمسّك بطابعها كدولة يهودية؛ ما سيفضي، في حال بقاء الاحتلال، إلى قيام دولة "أبارثيد"، بالنظر لرفض إسرائيل إعطاء المواطنة الإسرائيلية للفلسطينيين في الضفة والقطاع.

وفي مقابل هذا الاستعصاء على الجانبين فإن مشروع الدولة "ثنائية القومية"، المفترض قيامها في فلسطين التاريخية، يبدو أكثر تلبية لطموحات الفلسطينيين، وأكثر استجابة لمخاوف (أو بالأحرى) لادعاءات الإسرائيليين.

وتنطلق هذه الفكرة، أولا،  من عدم جدوى الصراع الدامي والمرير بين الفلسطينيين والإسرائيليين، إذ لا يستطيع الفلسطينيون بقواهم الخاصة هزيمة إسرائيل وفرض الانسحاب عليها من أراضيهم، ولا تستطيع إسرائيل فرض الاحتلال على الفلسطينيين إلى الأبد. وثانيا، من أن الواقع الديمغرافي المتداخل وشبكة الاعتمادية والمصالح المتبادلة تحتم على الطرفين إيجاد صيغة من التعايش المشترك بدلا من الانفصال. وثالثا، على أساس أن الحل التوحيدي (الديمقراطي وثنائي القومية) يمكن أن يشكل مدخلا لتذويب مختلف عناصر الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي وبالخصوص من ذلك قضايا: اللاجئين والقدس والاستيطان والحدود والموارد المشتركة، كما أنه يلبي مصالح الطرفين وتطلعاتهما القومية.

وعلى هذا فإن مشروع الدولة "ثنائية القومية"، كما قدمنا، يتيح للفلسطينيين، تجسيد حقوقهم المشروعة في العودة وتقرير المصير والاستقلال (النسبي)، وفوق ذلك فهو يصون وحدة أرضهم ويمكنهم من استعادة وحدة شعبهم، وتنمية ثقافتهم وهويتهم القومية.  أما من ناحية اليهود في إسرائيل، فإن هذه الدولة تتيح لهم الحفاظ على هويتهم الثقافية والقومية، والحفاظ على طبيعة نظامهم الديمقراطي، والتعايش مع الفلسطينيين في نطاق إقليمي واحد، ثنائي القومية.

بين الدولة الديمقراطية العلمانية والدولة ثنائية القومية

أخيرا ثمة فرق بين الدولة ثنائية القومية والدولة الديمقراطية العلمانية، فالأولى تضمن مايلي: أولا، الحفاظ على هوية الجماعة القومية؛ ثانيا، صيانة ورعاية الحقوق الفردية؛ ثالثا، إتاحة المجال لامكان تطوير هوية قومية مشتركة، مستقبلا، ربما تؤسس لقيام دولة لمواطنيها، على أساس من التطور الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والسياسي المشترك. أما الدولة الديمقراطية العلمانية (أو الدولة لمواطنيها) فهي تتأسس على أساس المواطنين الأفراد، أي على أساس الهوية المدنية، في الدولة/ الأمة، حيث أن الأفراد الأحرار متساوون أمام القانون، بغض النظر عن قوميتهم أو دينهم أو جنسهم. وهذا الشكل من الدولة هو أرقى أشكال الاجتماع السياسي، لأنه يضمن المساواة والحرية الشخصية والاندماج الاجتماعي وحرية الاختيار الثقافي في إطار من التعايش المشترك في دولة. وهكذا فإنه ثمة فارق مهم بين الدولتين بالنسبة لموضوع المساواة ففي الدولة ثنائية القومية تكون المساواة بين جماعتين قوميتين، في حين أن المساواة في الدولة الثانية هي بين مواطنين أفراد.

ومع ذلك فإن خيار الدولة "ثنائية القومية" يحتاج إلى قبول متبادل من الطرفين: الإسرائيلي والفلسطيني (كما قدمنا)، لترجمته على أرض الواقع، وهو أمر يستحيل حدوثه في الإطارات الحالية للصراع الدامي بينهما، ولا سيما على ضوء تبني غالبية الإسرائيليين للمنطق الصهيوني الالغائي في تعاملهم مع الفلسطينيين وتمسكهم بالطابع اليهودي للدولة الإسرائيلية.