بعد عملية تبادل الأسرى

هل يمكن نسخ تجربة حزب الله في فلسطين؟

ماجد كيالي

أثارت عملية تبادل الأسرى بين حزب الله وإسرائيل أسئلة متعددة تمحورت خصوصا حول إخفاقات المقاومة الفلسطينية ونجاحات المقاومة اللبنانية، وحول إمكان نسخ التجربة اللبنانية في فلسطين.

والمؤسف أن الأجوبة على هذا الأسئلة غالبا ما جاءت متسرعة وسطحية، كالعادة! لا سيما أن الحماس أخذ بعض القادة الفلسطينيين الذين سارعوا للإفصاح عن نيتهم بانتهاج طريق حزب الله، الذي يتضمن، أيضا، خطف إسرائيليين لمبادلتهم بالأسرى الفلسطينيين (7000) في السجون الإسرائيلية.

ويبدو أنه في غمرة الابتهاج بمنجز المقاومة اللبنانية هذا ثمة نوع من تحميل الفلسطينيين مسؤولية الإخفاقات المحيطة بهم. وكان الزميل عبد الكريم أبو النصر موفقا تماما، في اعتباره أن مثل هذه المقاربات "خاطئة وظالمة ومضللة" ("الوطن" 31/1)، وتفسير ذلك برأيي يكمن في ما يلي:

 أولا، أنه ثمة فرق بين الموضوع اللبناني والموضوع الفلسطيني في الصراع مع إسرائيل، فالأول يتعلق بالصراع على الحدود، في حين أن الثاني يتعلق بجوهر الصراع العربي ـ الإسرائيلي وبالصراع على الوجود. والموضوع الأول لا يؤثّر على معنى وجود إسرائيل ولا على شكل وجودها، في حين أن الموضوع الثاني، يتعلق بمبرر قيام إسرائيل وشكل وجودها؛ وحتى أن التسوية الفلسطينية مع إسرائيل تؤثر على هذه الدولة وتضطرها إلى مراجعة مبررات ومنطلقات وجودها، وتعيين حدودها: الجغرافية والسياسية (دورها) والبشرية (هويتها وعلاقتها بيهود العالم)، وهذا ما يفسر تعقّد هذه العملية برغم إجحافها بحقوق الفلسطينيين.

وبمعنى أخر فإن الإسرائيليين لم يكونوا يرون في الأراضي اللبنانية جزءا من كيانهم، ولم يكن ثمة استيطان، والأمر بالنسبة لهم هو مجرد صراع سياسي على حقهم في الوجود في المنطقة وعلى أمن حدودهم الشمالية، أما بالنسبة لفلسطين (وحتى الضفة وغزة) فبالنسبة لهم هنا يكمن المشروع الصهيوني و"أرض الميعاد"، وهنا الاستيطان، ومصادر المياه، ومبرر وجودهم السياسي والأخلاقي.

ثانيا، ومن دون أن نقلل من أثر أو من أهمية أي إنجاز لبناني (أو عربي) في المواجهة مع إسرائيل، فإن هذا الإنجاز (مع فرحنا به) لا يرقى إلى حد اعتباره هزيمة لإسرائيل، لأنه لا يؤثّر على هذه الدولة، في حدودها وفي رؤيتها لذاتها ولدورها ولحدود أمنها؛ وحزب الله (ذاته) بواقعيته وديناميته يقر بذلك، إذ أن ثمن الانسحاب من لبنان (مايو 2000) كان فك علاقة هذا الحزب المباشرة بقضية الصراع من أجل فلسطين (التي يعتبرها وقفا إسلاميا)، والاعتراف بالخط الأزرق الذي رسمته الأمم المتحدة لحدود إسرائيل مع لبنان؛ وهو ما جعل معركة حزب الله مع إسرائيل محصورة فقط بمزارع شبعا وبالسعي لتحرير الأسرى اللبنانيين من السجون الإسرائيلية ومواجهة أي تغلغل إسرائيلي في الأراضي اللبنانية؛ أما دور الحزب على الصعيد الفلسطيني فهو مساندة مقاومة الشعب الفلسطيني.

ثالثا، إن ظروف المقاومة الفلسطينية هي جد مختلفة عن ظروف المقاومة اللبنانية، فالشعب الفلسطيني، في الأراضي المحتلة، بأسره هو رهينة الاحتلال، وتربطه به شبكة واسعة ومعقدة من علاقات الاعتمادية لتأمين مقومات حياته وبقاؤه في أرضه (المياه والكهرباء والمحروقات والمواد الغذائية). والاحتلال هو الذي يسيطر على نقاط الحدود والتنقل، بمعنى أنه يسيطر على منافذ الفلسطينيين مع العالم الخارجي. أما في لبنان فالأمر مختلف فهناك كان ثمة بقعة من الأرض تخضع للاحتلال، ولكن لبنان كله كان بمعنى ما قاعدة خلفية للمقاومة، وإضافة إلى ذلك فقد تمتعت مقاومة حزب الله بقاعدة إسناد حيوية استراتيجية من الناحية الإقليمية، من جانب سورية وإيران. أما الوضع بالنسبة للفلسطينيين فهو مختلف (برغم من كل مظاهر الإسناد العربي والدولي لقضيتهم) فمنذ ثلاثة أعوام باتت إسرائيل تستفرد بهم من مختلف النواحي: العسكرية والاقتصادية والاجتماعية، وباتت تمعن فيهم قتلا وتدميرا. مثلا ففي انتفاضة الأعوام 1987 ـ 1993، بلغت خسائر الفلسطينيين، حوالي 1600 من الشهداء، و135 ألفا من الجرحى، و 112 ألفا من المعتقلين، بمجموع قدره ربع مليون فلسطيني (شهيد وجريح ومعتقل، من حوالي 3 مليون فلسطيني، في الضفة والقطاع. وتقدر جمعية الأسير عدد الفلسطينيين الذين اعتقلوا منذ عام 1967، في السجون والمعتقلات الإسرائيلية، بحوالي 450 ألفا. وفي الأعوام الثلاثة للانتفاضة استشهد حوالي ثلاثة ألاف فلسطيني واعتقل وجرح عشرات الألوف منهم، هذا من دون أن نتحدث عن الانهيار الاقتصادي وشلل الحياة الاجتماعية وخدمات التعليم؛ وهذا كله يبين حجم المعاناة التي يتكبدها الفلسطينيون جراء صمودهم ومقاومتهم للاحتلال.

رابعا، استطاع حزب الله بإمكانياته وعلاقاته أن يحصر مقاومة إسرائيل فيه، وبذلك تمكن من التحكم بموجات المقاومة ومستوياتها الميدانية وبمساراتها وخطاباتها السياسية، ولكن الأمر في الساحة الفلسطينية جد مختلف ففي هذه الساحة ثمة خلافات واستقطابات سياسية واسعة، بشأن العمل الميداني وفي مجال تعيين الهدف السياسي، وما يفاقم من هذه الخلافات أبعادها الإقليمية؛ ولا شك أن ذلك يشكل عامل ضعف في الساحة الفلسطينية.

ومن الجدير بالذكر أن حزب الله اعتمد سياسة واقعية ومتوازنة وبرغماتية في مقاومته لإسرائيل، إبان احتلالها جنوبي لبنان، ولم يكن يخوض مواجهات دائمة أو عالية المستوى، وكان يتحكم بشكل العمليات، ويعتمد سياسة "اضرب واهرب" وأساليب حرب الاستنزاف طويل الأمد، وعلى الصعيد السياسي كان خطابه الموجه إلى العالم والإسرائيليين مرنا (وليس أيدلوجيا كما يعتقد البعض) وكان يؤكد على تحرير الجنوب والبقاع الغربي. في حين أن المقاومة الفلسطينية دخلت، لا سيما منذ العام الثاني من الانتفاضة، في مواجهات غير محسوبة مع الإسرائيليين، فهي لم تنتهج استراتيجية حرب الاستنزاف لإرهاق العدو على المدى البعيد، وإنما استدرجت نحو اعتماد أسلوب المواجهة المستمرة والعالية المستوى (لا سيما باعتماد العمليات الاستشهادية)، وهذا ما وضعها في مواجهة ضربات إسرائيلية قاسية استنزفتها وبددت طاقاتها في مدى زمني سريع؛ كما أن هذا الوضع أرهق المجتمع الفلسطيني ووضعه تحت رحمة ظروف قاسية جدا من مختلف النواحي. أما على صعيد الخطاب السياسي فقد تضاربت أهداف الفلسطينيين، وتم تحميل الانتفاضة (والفلسطينيين في الأراضي المحتلة) عبء تحرير فلسطين، وبذلك لم يجر أن تناسب بين إمكانيات الانتفاضة وبين أهدافها، كما لم يكن ثمة تكامل أو انسجام بين العمل الميداني والعمل السياسي. ولا شك أن هذه الفوضى الميدانية والسياسية شوشت على أهداف الفلسطينيين على الصعيد الدولي، كما سهلت التفاف الإسرائيليين من حول حكومة شارون اليمينية المتطرفة.

وإذا تحدثنا بلغة الأرقام فإنه يمكن أن نذكر بأنه وطوال فترة الاحتلال الإسرائيلي للأراضي اللبنانية (1983 ـ 2000) استشهد حوالي (1900) مواطن لبناني (من بينهم 752 مواطن استشهدوا في فترة ما بعد الاجتياح. في حين أن خسائر الفلسطينيين البشرية بلغت خلال ثلاثة أعوام فقط من الانتفاضة أكثر من ثلاثة ألاف شهيد، وعشرات آلاف الجرحى ومثلهم من المعتقلين.

 أما بالنسبة لعدد القتلى الإسرائيليين الذين سقطوا بنتيجة عمليات المقاومة اللبنانية طوال 18 عاما(1982 ـ 2000)، فقد بلغ حوالي 800 إسرائيلي، أي بمعدل لا يتجاوز 4 إسرائيليين في الشهر الواحد، و 48 في العام الواحد. وبحسب المصادر الرسمية الاسرائيلية فإن قتلى الجيش الإسرائيلي، في الأراضي اللبنانية المحتلة، تجاوزت في عامين فقط المئة قتيل، 1985 (101) و1997(112)، أما في الأعوام 1983 ـ 2000 فتراوحت بين 74 و 2 بمعدل سنوي قدره 30 قتيلا، وحتى أنه في الأعوام 1986 ـ1996 وصل عدد القتلى إلى 194، وفي الأعوام 1998 ـ 2000 سقط 46 قتيلا اسرائيليا، فقط؛ وهي الأعوام التي سبقت انسحاب إسرائيل من جنوبي لبنان.

في المقابل فإن معدل القتلى الإسرائيليين خلال انتفاضة الأقصى بلغ حوالي 24 قتيلا في الشهر أو 289 إسرائيليا في العام؛ أي أكثر من ستة أضعاف عددها في لبنان؛ مع العلم أنه ومن ضمن 867 إسرائيليا، قتلوا خلال الأعوام الثلاثة الأولى من الانتفاضة ثمة 259 من العسكريين، وهو يبين نجاح المقاومة الفلسطينية في إنزال خسائر فادحة حتى في الجسم العسكري الإسرائيلي، كما يبين الفرق بالنسبة للإسرائيليين بين وجودهم في الضفة مثلا ووجودهم في جنوب لبنان.

خامسا، لم تكن عملية تبادل الأسرى التي جرت مؤخرا بين حزب الله وإسرائيل فريدة من نوعها في إطار الصراع بين العرب وإسرائيل، إذ جرت قبلها عدة عمليات مماثلة، أهمها: واحدة لفتح (1983) وأخرى للجبهة الشعبية القيادة العامة (1985)؛ فقد حرر في عملية التبادل التي أجرتها فتح حوالي 4700 أسير عربي من سجن أنصار في جنوبي لبنان (المحتل) إضافة إلى 65 أسير من سجون إسرائيل، مقابل 6 جنود إسرائيليين، في حين تم تحرير حوالي 1150 أسير من السجون الإسرائيلية في عملية التبادل التي أجرتها الجبهة الشعبية في مقابل جنديين إسرائيليين.

وكما قدمنا فإن الغرض من هذا العرض وضع الإنجاز اللبناني في إطاره الصحيح، من دون توهمات أو مبالغات، ربما تدغدغ عواطف البعض، ولكنها ربما تضر بإنتاج المعرفة الصحيحة بكيفية مواجهة إسرائيل والتحديات التي تطرحها.