نحو نظام إقليمي عربي جديد

الدكتور عبدالله تركماني

يبدو النظام الإقليمي العربي في حالة ضعف واضحة، إذ يجد نفسه عاجزا عن التصدي للأزمات الكبرى التي تواجه الأمة العربية . فما تبقى من فلسطين يضيع والفلسطينيون يموتون ألف ميتة يوميا ولا جامعة، والعراق بات تحت الاحتلال ويتشكل من جديد ولا أدنى حضور فعلي للجامعة، والسودان قد يتجاوز حربه الأهلية بلا فضل للجامعة . وإزاء ذلك تبدو الحاجة ماسة لإعادة صياغة هذا النظام بما يتوافق مع الأوضاع الجديدة التي فرضتها المعادلات الجيو - استراتيجية في المنطقة، والتي أضحت تمثل تحديا كبيرا للأمة العربية ومستقبلها السياسي وكينونتها في الخريطة العالمية .

وتبدو أهمية ذلك إذا عرفنا أنّ النظام القائم منذ العام 1945 تقاومه المصالح وتعطله الامتيازات والعادات والمجاملات و" كوتا " الحكومات العربية في مؤسساته وهياكله، بل تحبطه ثقافة سياسية امتهنت التسويف، إذ تخشى نخبة " الكوتا " فيه التصريح بما هو حقيقي، مسايرة لحكوماتها التي أغدقت عليها امتيازات مؤسسات العمل العربي المشترك، إضافة إلى مسايرة الجمهور الذي يحب أن يسمع الكلام المعسول والأماني الوردية، وتسكره أحلام اليقظة وبشائر الوهم .

ولا شك أنّ النظام الإقليمي العربي، الذي تعرض إلى تهديد خطير من قبل النظام الإقليمي الشرق أوسطي منذ انطلاق التسوية العربية - الإسرائيلية في مدريد سنة 1991، ويتـعرض – حاليا – لتحدي حكومة شارون العنصرية وصياغة مستقبل العراق، يواجه تحديات جسيمة تستوجب إدراكها والعمل الجدي للتقليل من آثارها السلبية، وكذلك الاستفادة مما يمكن أن تنطوي عليه من فرص لتوليد استجابة عربية إيجابية تجاه التطور الحاصل في النظم الإقليمية وفي النظام الدولي .

وإذا كانت محاولات إصلاح هيكلية الجامعة وتفعيل دورها قد جرت مرات عديدة في الماضي، فإنّ هذا الإصلاح أصبح اليوم أكثر إلحاحا وأهمية . ويبدو أنّ الإصلاح المنشود يثير مجموعة من الأسئلة والفرضيات حول : تقييم عمل الجامعة وهيكلتها، وطبيعة التغيّرات التي ينبغي إدخالها لتحسين الأداء بهدف الاستجابة للتحديات .

إنّ الحاجة ماسة إلى نظام عربي جديد يتكيّف إيجابيا مع المتغيّرات الدولية، ويستند إلى دول عربية عصرية تقوم على أسس الحق والقانون والديمقراطية وحقوق الإنسان، ويدرك عناصر القوة الكامنة لدى الدول العربية ويفعّلها لما يخدم الأهداف المشتركة .

ولا شك أنّ أي إصلاح في بنية وهياكل الجامعة سوف ينطلق من أنها تمثل حكومات دول مستقلة حريصة على سيادتها، فهي " تعبير وانعكاس لوجود عدد من الدول كل منها له سياسته التي يتمسك بها، وهي ليست سلطة فوق سلطة الدول الأعضاء فيها " .

لقد أثّرت مجموعة عوامل في إضعاف أداء الجامعة ، ومن أهمها :

(1)                  - إخفاق الدول العربية في انتزاع  الحقوق الوطنية للشعب العربي الفلسطيني، كما أنها لم تستطع وقف الاعتداءات الإسرائيلية المتكررة، بما فيها عدم القدرة على حمايته من الهمجية الصهيونية .

(2)                  - غياب التمثيل الشعبي والمشاركة الشعبية في أجهزة الجامعة ومؤسساتها .

(3)                  - عدم وجود آلية لمتابعة مدى التزام الدول بقرارات الجامعة، والتمسك بقاعدة الإجماع في القرارات، وعدم الأخذ بالمنهج الوظيفي لتحقيق الأهداف المشتركة المقرّة في إطار الجامعة .

وهكذا ، فإنّ إحياء دور النظام العربي يتطلب تعامله بنجاح مع عدة تحديات ، حددها عدد من الخبراء كما يلي :

(1) - المصالحة الفكرية بين الوطني والقومي، أو بين منطق الدولة ومنطق الأمة، إذ المطلوب تطبيع مفهوم الدولة الوطنية في الفكر القومي، فالدولة الوطنية تبقى المدماك لتحويل الأمة من انتماء وجداني إلى واقع حي وفعّال خاصة من خلال التطور المؤسسي الشامل الذي يحقق المشاركة الفاعلة للقوى الاجتماعية والسياسية داخل كل قطر عربي والنجاح في إنجاز تنمية اقتصادية مجدية، كما أنه من المطلوب أيضا تطبيع مفهوم الانتماء إلى الأمة العربية في الفكر الوطني .

(2)- المصالحة السياسية، من خلال إطلاق حوار سياسي عربي ممأسس ومبرمج يضم فعاليات حكومية وغير حكومية، بغية إعادة صياغة العلاقات العربية - العربية على قواعد ثابتة وواضحة ومستقرة، تسمح بإعادة تشكيل السياج الواقي للنظام العربي، وتساهم في إيقاف الانهيار والتفكك الحاصلين .

(3)- تجديد البناء المؤسسي وتكييفه مع التحديات السياسية والوظيفية الجديدة ليستطيع التعامل معها بفعالية .

وهنا تبرز أهمية المجتمع المدني العربي، من خلال صيرورة الجامعة " حزام نقل " في الاتجاهين بين القرار العربي الرسمي من جهة والهيئات والمنظمات غير الحكومية من جهة أخرى، بما يفتح في المجال للقيم السياسية الحديثة، وبما يعزز البعد العربي للجامعة ويوفر الآليات لمشاركة كافة هيئات المجتمع المدني العربي في صياغة القرارات العربية المشتركة . ولعل تحقيق هذا التواصل يتطلب تطعيم أجهزة الجامعة بالخبرات العربية من خارج " الكوتا " الرسمية، كما يتطلب تعديل وتفعيل " الميثاق العربي لحقوق الإنسان "، وإحداث سلطة برلمانية شعبية عربية تمثل الدول الأعضاء عن طريق الانتخابات المباشرة .

(4)- صياغة العلاقات العربية مع دول الجوار، فإذا كان مستقبل العلاقات مع إسرائيل مرتبط بمدى فشل أو نجاح عملية التسوية العربية - الإسرائيلية وما يحمله كل من الاحتمالين من تحديات، فإنّ العلاقة مع إيران وتركيا تستوجب صياغة رؤية عربية استراتيجية لتحديد العلاقة مع كل من الدولتين ضمن أطر شاملة وذات آفاق مستقبلية .

(5)- إعادة صياغة علاقات النظام العربي على الصعيد الدولي انطلاقا من المتغيّرات الدولية، وذلك من خلال إجراء تقويم بشأن كل علاقة ثنائية مع قوى العالم الجديد .

وإذا ما تم كل ذلك يمكن القول إنّ الجامعة العربية منظمة إقليمية لها أهدافها ورؤيتها، وتمتلك آليات تنفيذ قراراتها، وتتمكن من إيجاد توازن من نوع جديد بين العالم العربي وإسرائيل قد يمكّن من فرض تسوية عادلة للصراع العربي - الإسرائيلي ونقل الصراع إلى مستويات حضارية تتماشى مع قواعد اللعبة الدولية الجديدة .

والسؤال هو كيف نعيد بناء النظام العربي من حيث هو نموذج للحكم والإدارة والإنتاج داخل كل قطر عربي، ومن حيث هو منظومة تعاون وتكتل وتضامن بين المجتمعات العربية نفسها . إذ يبدو أنّ الدور الأساسي للنخب الفكرية والسياسية العربية يندرج تحديدا في المساهمة الجدية في صوغ هذه الرؤية الجديدة وفي العمل على نشرها وتطبيقها في الواقع، وهذا يتطلب حسا نقديا عميقا وجرأة على التخلص من النماذج القديمة التي عفا عليها الزمان، وقدرة على التواصل مع قطاعات الرأي العام المختلفة، وارتفاعا على المصالح الآنية .

 من هنا الحاجة إلى إعادة الصياغة والبناء والتركيب للحياة والمجتمعات العربية والعمل العربي المشترك على أسس جديدة باستثمار الطاقات المعطلة والانخراط في إعمال المفاهيم والقيم والنظم المجدية، التي تثمر معرفة وثروة وقدرة وقوة، بها نحسّن سمعة الأمة ونستعيد الكرامة المهدورة .

إنّ الحكومات التي تتصدر مهمة إصلاح الجامعة، هي التي بحاجة إلى إصلاحات عميقة في أنظمتها السياسية وبناها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإدارية، وهي التي تواجه مطالب متصاعدة من قبل شعوبها . فالمطلوب أولا أن تتجاوب أنظمة الحكم العربية مع مطالب الإصلاح الداخلية، وتعيد ترتيب بيتها على أسس ديمقراطية سليمة . فالجامعة - في نهاية المطاف - هي جامعة حكومات عربية، وليست جامعة شعوب، وهي انعكاس صادق لأحوال هذه الحكومات وسياساتها، وبما أنّ جوهرها يقوم على الفساد والمحسوبية و " أهل الولاء " ومصادرة الحريات العامة وانتهاك حقوق الإنسان، فإنّ من غير المفيد إصلاح المرآة وإبقاء الأصل على حاله .

صحيح أنّ هناك مآخذ كثيرة علي الجامعة العربية، مثل ترهل طاقمها الوظيفي وتضخمه، وتحولها إلى مصدر توظيف وامتيازات لأبناء المسؤولين في أنظمة الحكم، والطبقة السياسية العربية المتنفذة، ولكنها جميعا يمكن أن تزول بمجرد إصلاح الحكومات، وتقديم مبدأ الكفاءة في التعيين على مبدأ المحسوبية والمجاملات والولاء و" الكوتا " القطرية .

وهكذا، يتضح أنّ النظام الإقليمي العربي الجديد لابد أن يستند إلى أنظمة سياسية عربية تنهي الاستبداد، وتجعل من  الشعب وحده مصدرا  للشرعية عبر انتخابات حرة ونزيهة ودورية، وتفرض التداول السلمي  على السلطة، وتضمن الحريات الفردية والجماعية، وتحرّم التعذيب، وتحرّر المساجين السياسيين، وترسي استقلالية القضاء، وتقبل بالتعددية الفكرية والسياسية وتطلق حرية الخلق والإبداع وتبني أسس النظام الإقليمي العربي الجديد ، وكلها الشروط الدنيا لعودة الكرامة للإنسان العربي  والفعالية للمجتمع  والاستقلال للأمة .

ويبدو أنه سيتكرر في العالم العربي ما حصل في أوروبا الوسطى والشرقية عند منعطف التسعينيات . فلقد أثبتت الشعوب، هناك، أنها تواقة إلى التغيير والديموقراطية بعد فترة طويلة من الأنظمة الشمولية . ويجب أن نعترف بأنّ دول المنطقة العربية بحاجة ماسة إلى التطور في اتجاه ديمقراطي، لكن لابد من التأكيد، في الوقت نفسه، على أنّ الديمقراطية لا يمكن أن تكون مجرد تدخل من الخارج فحسب، وإنما هي – أساسا - فعل محلي داخلي وطني وتفاعلات ونضالات شعبية . ذلك أنّ المنهج الأمريكي مع قضية الديمقراطية يتعامل بطريقـة " انتقائية "، بمعنى أنه عندما تكون للولايات المتحدة مصلحة بأن تتحقق الديمقراطية في بلد ما فهي مع هذه الديمقراطية، وعندما تكون مصلحتها في وجود نظام ديكتاتوري - وهذا حدث في بلدان عربية وأجنبية كثيرة - كانت أمريكا تغمض العين تماما عن قضية الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان، لأنّ لها قواعد عسكرية - مثلا - في هذا البلد، أو روابط وتحالفات وثيقة مع تلك الدولة أو هذا النظام لضمان توازنات إقليمية ودولية معينة . فحينما توجد المصلحة الأمريكية إذا، كان يتحدد الاختيار : ديمقراطية أو لا ديمقراطية . فهل تغيرت السياسات الأمريكية بعد 11 سبتمبر / أيلول 2001 ؟ .

وعليه، يصعب إطلاق ديناميكية مضادة مؤثرة إن لم تكن ديناميكية ناضجة، تتعاطى مع التحديات بعقلانية في سياق التحرر الديموقراطي وإعادة بناء الدول والمجتمعات العربية على قواعد احترام الكرامة الإنسانية وسيادة القانون وحماية الضعفاء وحرية الرأي . فالعالم العربي عليه أن يبدأ أولا بنفسه، ونقصد هنا الأنظمة الحاكمة، التي عليها إتاحة الفرصة للمشاركة السياسية الحقيقية، وفتح المجال أمام القوى المعارضة لها، لكي تأخذ حقها في ممارسة العمل السياسي بكل حرية ووفق النظم والقوانين . على النظم أن تبادر إلى الإصلاح الحقيقي بدلا من أن يفرض عليها من الخارج بواسطة الولايات المتحدة أو غيرها من القوى الكبرى، وبالتالي تستطيع أن تحمي نفسها وشعوبها من مخاطر هي في غنى عنها .

 

 

تونس في 30/1/2004                        الدكتور عبدالله تركماني

                                           كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

                                                       

                                                    teab@planet.tn