العالم العربي في مواجهة مشاريع التغيير الخارجية

ماجد كيالي

باتت المنطقة العربية موضوعا للتغيير بالنسبة للأجندة العالمية، منذ مطلع التسعينيات، أي منذ انتهاء عالم القطبين بانهيار الاتحاد السوفييتي وهيمنة الولايات المتحدة على النظام الدولي الجديد. ولكن هذه العملية لم تتموضع على رأس الاولويات العالمية، ولاسيما الأمريكية، إلا بعد حدث 11 سبتمبر 2001.

أما ما يستدعي هذه التدخلات الدولية، فثمة عوامل متعددة ومتداخلة لذلك، فهذه المنطقة تختزن ثلثي الاحتياطي العالمي من النفط والغاز، وتتمتع بموقع استراتيجي من الناحية الجيوسياسية، وهنا أوجدت إسرائيل (بمعنى ما كامتداد للغرب في المنطقة). وثمة ادعاءات (جديدة) لتبرير وتكثيف التدخلات الخارجية، بدءا من الحرب على الارهاب مرورا بتجريد دول المنطقة من أسلحة الدمار الشامل، وصولا إلى الادعاء بضرورة تأهيل المنظومة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية لهذه المنطقة، كي تكون أكثر ملاءمة للنظام الدولي الجديد.

من كل ذلك يمكن الاستنتاج بأن المنطقة العربية تواجه في هذه المرحلة، وربما أكثر من أي وقت مضى، استحقاقات وتحديات كثيرة وخطيرة، تشمل السياسة والاقتصاد والفكر، وتطاول الدول والحكام كما المجتمعات والأفراد.

ومشكلة العالم العربي أنه يواجه هذه الاستحقاقات والتحديات في ظروف جد استثنائية وصعبة يمكن تمثّلها بالنواحي التالية:

أولا، أن النظام العربي قوي وشديد البأس تجاه الداخل، ولكنه يبدو ضعيفا وهشاً وسريع العطب تجاه الخارج، برغم كل الإنفاق على الجيوش والتسلح والأمن، على حساب الإنفاق على التعليم والثقافة والتنمية والصحة والبني التحتية. فقد عرّت تجربة الصراع العربي ـ الإسرائيلي ومؤخّرا تجربة احتلال العراق حقيقة الواقع العربي؛ ففي معترك هاتين القضيتين انكشفت سياسات وتكسّرت شعارات وبانت حقائق مريرة، ولكن بعد فوات الأوان.

أما واقع المجتمعات العربية فهو ليس أحسن حالا، فهذه المجتمعات تبدو في غربة أو في غيبوبة، وهي مغيّبة، بفعل القيود الكثيرة المكبلة لحركتها وحراكها، وغائبة بحكم ارتهانها للهموم اليومية التي تكابدها، لتحصيل لقمة العيش ومعها الحد الأدنى من التعليم والصحة وباقي مستلزمات الحياة الكريمة، إن أمكن.

ثانيا، أن العرب (حكاما ومحكومين) في مواجهة ما يعترضهم من تحديات أو استحقاقات باتوا في حيرة من أمرهم، فهم عاجزون ومكشوفون تجاه الخارج، ومختلفون ومترددون تجاه الداخل. والنتيجة أن مشاريع التغيير باتت تفرض عليهم قسرا (بحسب المعايير الامريكية)، إذ أن التقرير بمصير المنطقة بات يجري بمعزل عن إرادة الحكام والمحكومين، في آن معا.

والمشكلة أن العالم العربي بدلا من أن يواجه التحديات التي تعترضه بمزيد من الوحدة إذا به يواجهها بمزيد من التشرذم، وبدلا من أن التسلح بنوع من التصميم إذا به يقع فريسة الحيرة والضياع، وبدلا من يتبنى روح التطور إذا به ينكص إلى الخلف. وهكذا فإن هذه التحديات بدلا من أن تولد الحوافز لمراجعة الأحوال واستنهاض الامكانيات باتت تولد المزيد من الاحباطات وخيبات الأمل.

ثالثا، ما يلفت الانتباه أن النظام العربي، اجمالا، الذي يبدي ميلا للتجاوب ليس فقط مع الاستحقاقات أو الاملاءات المفروضة من النظام الدولي، في المجالات الأمنية والاقتصادية (منظمة التجارة العالمية ـ التعاون الاورو متوسطي) وحتى في المجالات السياسية التعليمية، على حساب السيادة الوطنية والمصالح القومية، يبدي في المقابل ممانعة شديدة تجاه أية خطوات تكاملية في الإطار العربي، بدعوى صيانة السيادة الوطنية! وهذا الوضع هو الذي أخّر مسيرة التكامل الاقتصادي العربي والسوق العربية المشتركة(الصادرات العربية البينية 8 بالمئة من حجم التجارة العربية!)، وهو الذي عرقل امكانيات تطوير جامعة الدول العربية، وهو الذي حال دون حصول الحد الادنى من التوافق العربي حتى على مجرد خطوات من مثل توحيد مناهج التربية والتعليم العربية والغاء تأشيرات الدخول للمواطنين العرب، أو الاتفاق على تأشيرة واحدة للأجانب لأغراض التشجيع السياحي!

رابعا، ثمة فجوة تزداد اتساعا، في التطور السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتكنولوجي، بين العرب والعالم المتقدم، برغم حيازة العالم العربي على أهم ثروة في العالم (النفط) وتمتعه بموقع جغرافي استراتجي وبامكانيات مالية معقولة. فالنظام السياسي العربي، مثلا، هو بمثابة نظام قديم عاجز ومتكلس، وثمة مشكلة في الشرعية والتمثيل والمشاركة الشعبية. أما البني الاجتماعية العربية فهي بني متأخرة، بسبب تخلف الحياة المدينية العربية. فالمدن العربية هي أرياف، على الأغلب، أو مدن هامشية. ومازالت البني القديمة (البطركية) متحكمة بالمجتمعات العربية، في ظل ضعف نمو الطبقات الوسطى والأحزاب والنقابات والمؤسسات وكل تعبيرات المجتمع المدني. أما معدلات النمو الاقتصادي والاستثمار ودخل الفرد فهي جدا متدنية بالمقاييس الدولية. فنصيب الفرد في العالم العربي من الدخل 2500 دولار سنويا، ومجمل الصادرات غير النفطية للعالم العربي تبلغ 80 مليار دولار فقط، وحصة الفرد سنويا في العالم العربي بالنسبة للتعليم تبلغ 110 دولارات، وبالنسبة للبحث العلمي تبلغ 8 دولارات. في المقابل فإن حصة الفرد سنويا في إسرائيل من الناتج المحلي تبلغ 16 ألف دولار، وبالنسبة للتعليم حوالي 1200 دولار، وبالنسبة للبحث العلمي تبلغ 500 دولار، وتصدّر إسرائيل بضائع مصنعة بقيمة 30 مليار دولار؛ في حين أن عدد سكانها لا يتجاوز 2 بالمئة من عدد السكان في العالم العربي.

خامسا، افتقاد العالم العربي لآليات التغيير والتجديد أو التطوير، وهذا الوضع هو نتاج غياب العلاقات الديمقراطية والمأسسة والقانون، وسيادة عقلية السلطة على حساب الدولة، وسيطرة الأفكار الغيبية، والتلهي باستهلاك الطاقات بمواجهة التحديات الخارجية المتمثلة خصوصا بالتحدي الذي تمثله إسرائيل في المنطقة.

ولا شكّ بأن وضعا عربيا تلك هي سماته يجعل من عملية التغيير أو التطوير، عملية جد ملحّة إن لإصلاح الاوضاع أو لمواكبة مستويات التطور العالمي، كما لمواجهة التحديات الخارجية، ولكن هذا الوضع يبيّن، أيضا، استحالة التغيير الداخلي، فالقوى المؤهلة غير موجودة أو مغيبة، والقوى النافذة تمانع التغيير أو تؤجله أو تسطّحه خوفا على مصالحها، ثم إن آليات التغيير نفسها غير موجودة.

والنتيجة التي يمكن الوصول إليها هي أنه ثمة مأزق حقيقي يعاني منه العالم العربي، فالنظام العربي، مثلا، لم يعد قادرا بأوضاعه الراهنة، على الاستمرار لاسباب خارجية وداخلية، في آن معا. فالنظام الدولي الذي ساهم في توليد النظام العربي السائد، في أواخر عقد الاربعينيات من القرن الماضي، انتهى تماما. وبالتالي فإنه لم يعد بمقدور أي نظام التلاعب على التناقضات الدولية، بعد هيمنة الولايات المتحدة المطلقة على العالم، وسعيها إلى التعامل مع العرب بالجملة (حكاما ومحكومين)، باعتبارهم كلا واحدا يمثلون منظومة متجانسة من البني والمفاهيم السياسية والاقتصادية والثقافية، وهو ما يتجلى بتركيزها الضغط، ليس فقط على الانظمة المعروفة بعدائها لها، وإنما حتى على الانظمة المعروفة بصداقتها التقليدية معها؛ ما يعني بان النظام العربي السائد بات مستهلكا، حتى على الصعيد الدولي.

المهم أن انسداد آفاق التغيير والتطوير الداخلي وغياب الاجماعات الوطنية وتشتت الاردات (الرسمية والشعبية)، في معظم البلدان العربية، هي التي تسهّل على القوى الخارجية التدخل لإحداث تغييرات في العالم العربي، بغض النظر عن ملاءمة هذه التغييرات للمصالح والاولويات العربية، وهي بالطبع تغييرات، ربما تلبي بعض المطالب النابعة من المجتمعات العربية، ولكنها ستظل مشوبة بشبهات التدخل الخارجي والاملاء القسري، وهو ما يضعف شرعيتها وأسسها الداخلية، ويضعف أيضا من قدرتها على الاستمرار. وهذا الوضع يجعل من العالم العربي مسرحا مرشحا للقلاقل الداخلية والتدخلات الخارجية، في المدى المنظور، وهو الأمر الذي ينبغي التمعن في دراسة أسبابه وابداء المزيد من الحزم والتوحد في معالجته في الاطارات الوطنية والعربية.

والمعنى من ذلك أن الكرة في يد النظام الرسمي العربي، فهو صاحب المبادرة، وهو الذي يمكن أن يحدّ من التدخلات الخارجية، أولا، بالانفتاح على الداخل، بتحرير المجتمعات، وبتعزيز المشاركة الشعبية والديمقراطية؛ وثانيا، عبر المبادرة إلى اصلاحات حقيقية في مختلف المجالات: السياسية والاقتصادية والثقافية؛ وثالثا، عبر اطلاق أليات تحقيق التكامل العربي في مختلف المجالات.