عن مشكلات توظيف النص الإسرائيلي في الخطابات السياسية العربية

ماجد كيالي

ازدادت عملية توظيف النص الإسرائيلي في الخطابات والكتابات السياسية العربية بدفع من عاملين أساسيين: أولهما، انطلاق عملية التسوية (في مطلع التسعينيات)، مع ما صاحبه من اهتمام رسمي وشعبي بالشأن الإسرائيلي؛ وثانيهما، انتشار وسائل الإعلام، على خلفية الثورة التكنولوجية في مجالات الإعلام والمعلوماتية.

ولكن التوظيف العربي للنصوص الإسرائيلية لم يكن على الدوام توظيفا صائبا، أو يخدم الحقيقة، إذ شابه الكثير من النواقص والسلبيات، التي من ضمنها:

 1ـ الانتقائية: فثمة خطابات أو كتابات عربية تعمّد أصحابها انتزاع الاستشهادات الإسرائيلية من سياقها، بحيث تصبح أكثر ملاءمة لوجهات نظرهم السياسية والأيدلوجية؛ وبذلك تمت مصادرة الهدف المعرفي، بل إن مثل هذا التوظيف للنصوص الإسرائيلية أدى إلى مفاقمة الجهل بإسرائيل.

 2 ـ السطحية: نحت كثير من الخطابات أو التحليلات العربية نحو استسهال التعامل مع النصوص الإسرائيلية، من دون التعمق بفهم إسرائيل ومن دون البحث في خلفية هذه النصوص أو في خلفية كتابها. وعليه فقد ساهمت هذه الخطابات أو الكتابات في إشاعة نوع من الوعي السطحي بإسرائيل، على حساب تقديم وجهة نظر موضوعية في هذا الشأن. مثلا، ثمة أحاديث كثيرة تتحدث عن التدهور السياسي في إسرائيل لدى أية خلخلة في الحكومة الإسرائيلية، من دون الانتباه إلى أن هذا التدهور (النسبي) محكوم بطبيعة النظام السياسي الذي ينضبط لأصول اللعبة البرلمانية الديمقراطية، ولأولويات الحفاظ على الذات.

 3 ـ الجزئية: ثمة كثير من الخطابات والكتابات العربية تستمرئ التعامل مع كل حدث أو كل نص إسرائيلي وكأنه حالة بحد ذاته، أو لكأنه الحقيقة المطلقة، وهذا الخلل ناجم عن قصور أصحاب هذه الخطابات والكتابات في الاحاطة بطبيعة المشروع الصهيوني وبظاهرة إسرائيل في المنطقة، بأبعادها: الاستراتيجية والسياسية والدولية، فضلا عن أبعادها التاريخية والدينية والثقافية.

4 ـ النظرة الأيدلوجية المسبقة: وهو نوع منتشر في الكتابات أو الخطابات العربية، بحيث يغلب التعامل مع إسرائيل من زاوية أيدلوجية باعتبارها كتلة صماء متجانسة غير خاضعة للتغير أو للتبدل، كونها كيانا عدوا. ووجهة النظر هذه تخدم، في حيث لا تدري، غلاة الصهاينة الذين يضفون نوع من الأسطورية على مشروعهم (إسرائيل) والذين يدعون أنهم استطاعوا إقامة دولتهم برغم التاريخ والجغرافيا والبشر.

والنتيجة فإن مثل هذه التوظيفات لم تساهم في تعزيز المعرفة بإسرائيل، بنظامها السياسي وعلاقاتها وتناقضاتها الداخلية والخارجية وعوامل قوتها وضعفها، وأنها ساهمت، وإن من حيث لا تقصد، في التشويش على إمكانية خلق فهم موضوعي لحقيقة إسرائيل، ولكيفية مواجهة المشروع الصهيوني، وصولا لهزيمته، باعتباره مشروعا قام بفضل التاريخ (أي بحكم عوامل معينة) وليس بالرغم عنه (أي بإرادة إلهية كما يدعي الصهاينة).

وللتدليل على ما ذهبنا إليه يمكن إيراد العديد من الأمثلة، في هذا الاتجاه. فمثلا، تلقفت الصحافة العربية، هذه الأيام، فضحية الفساد التي تحيط بشارون، حيث ذهب البعض إلى حد اعتبارها بداية نهاية حكومة شارون، كما اعتبرها البعض دليلا على فساد السياسة في إسرائيل. وبالطبع فإن هكذا فضيحة ستؤثر على مكانة شارون في المجتمع الإسرائيلي وستضعف قوته الشخصية، ولكن من المبكّر جدا الحديث عن انهيار حكومته، لأنها تستند إلى 40 عضو كنيست ينتمون إلى حزب الليكود (الذي يتزعمه). كما أن الأحزاب المشاركة في الائتلاف الحكومي، غير مستعدة بعد للانسحاب، سواء لأغراض انتهازية ذاتية (شينوي)، أو لأغراض سياسية (الاتحاد الوطني والمفدال). أما بالنسبة لفضيحة الفساد، برغم ما فيها، فإنها تدل أيضا على امكان إخضاع رئيس وزراء الحكومة في إسرائيل للمساءلة وللتحقيق، بسبب مبلغ صغير استخدمه لأغراض انتخابية، برغم من أنه كان للأمس يتمتع بدعم حوالي 65 بالمئة من الإسرائيليين، وهي نقطة قوة تحسب لصالح النظام السياسي في إسرائيل. بمعنى أننا ينبغي هنا أن ننظر إلى هذه الظاهرة في سياقها الإسرائيلي لا أن نسقط عليها رغباتنا، أو حتى فهمنا لكيفية جريان الأمور عندنا.

أيضا، ومنذ أسابيع تلقفت الصحافة العربية في عناوينها الرئيسية وفي كتابات المحللين فيها أقوال أربعة من قادة جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي (السابقين)، تحدثوا فيها عن انهيار إسرائيل. ولكن هذه الأقوال انتزعت من سياقها العام ومن المدلولات السياسية والتاريخية التي جاءت فيها، لتأكيد وجهة نظر تقول باقتراب هزيمة إسرائيل! وفي الحقيقة فإن هؤلاء المسؤولين كانوا ينتقدون سياسات شارون، بالضبط، التي تكرس الاستيطان وضم الأراضي الفلسطينية، وهو الواقع الذي سيؤدي (برأيهم) إلى تدهور مكانة إسرائيل، مستقبلا، بتحويلها من دولة يهودية إلى دولة ذات أغلبية عربية (ثنائية القومية) أو بتحويلها من دولة ديمقراطية، إلى دولة تمييز عنصري ضد سكانها غير اليهود؛ وهكذا.

طبعا الذين بالغوا في إبراز أقوال هؤلاء المسؤولين الأربعة، تجاهلوا عن عمد أنه ثمة وجهات نظر أخرى، في إسرائيل، يعتبر فيها المتطرفون بأن التسوية التي تتأسس على دولتين لشعبين، أيضا، يمكن أن تؤدي إلى انتهاء دولة إسرائيل، وانتهاء الحلم الصهيوني بإقامة دولة يهودية في ما يسمى "ارض الميعاد". وهؤلاء يعتقدون بأن إسرائيل، بقوتها العسكرية والاقتصادية وبحكم علاقاتها مع الولايات المتحدة، قادرة على تدبر نفسها مع العرب (وضمنهم الفلسطينيين) وفرض التسوية عليهم بالقوة وفق التصورات الإسرائيلية، من دون تنازلات تهدد طبيعة الدولة الإسرائيلية ـ الصهيونية.

وهكذا ففي إسرائيل، باعتبارها دولة ديمقراطية وبرلمانية وفيها تعددية حزبية ومراكز دراسات متعددة الأهواء وتتيح حرية الرأي، يمكنك أن تسمع وجهة نظر ونقيضها في آن واحد، ولكن ذلك لا يعني بأية حال أن وجهة النظر هذه هي السائدة أو أنها بمثابة قرار، فحتى الحزب الحاكم لا يستطيع تمرير قرار، ولو من درجة ثانية، من دون الرجوع إلى الكنيست، فما بالك بالقرارات المصيرية على المستوى الاستراتيجي والمتعلقة بعملية التسوية (الانسحاب/الاستيطان/ مستقبل القدس..الخ)، فهذه تحتاج إلى شبه إجماع إسرائيلي.

أيضا من الناحية السياسية غالبا ما يجري الحديث عن أزمات سياسية في إسرائيل لمجرد سقوط حكومة، أو لمجرد خروج حزب أو حتى وزير منها، في حين أن الإسرائيليين يرون في ذلك دليلا على حيوية نظامهم السياسي الديمقراطي التعددي، ودليلا على حسن إدارتهم لخلافاتهم وتناقضاتهم، وإعطائهم أولوية للحفاظ على سلامة دولتهم وشعبهم.

ومثلا، فإن بعض المتحدثين في العالم العربي يطيب لهم دوما الحديث عن أزمة إسرائيل، ويبالغون في تأثيرات الانتفاضة والمقاومة الفلسطينية عليها، ويدللون على ذلك بظواهر مثل هجرة الشباب إلى الخارج وهروب رؤوس الأموال وتفاقم البطالة أو تدني مستويات المعيشة فيها، بينما في واقع الحال فإن إسرائيل تشهد مزيدا من الهجرة إليها (رغم الانتفاضة)، وهي مازالت دولة جاذبة للاستثمارات الخارجية، واقتصادها يحافظ على عافيته (وإن بمستويات أقل من السابق)، ثم أنها مازالت تستوعب مئات ألوف العمال من بلدان أوروبا الشرقية (عدا عن الفلسطينيين)، أما بالنسبة لمستوى المعيشة، فكل ما في الأمر أن دخل الفرد الإسرائيلي تراجع من 18 ألف دولار، قبل الانتفاضة، إلى 14 ـ 16 ألف دولار بعدها، أما ناتجها القومي فقد تراجع من 110 مليار دولار قبل الانتفاضة إلى حوالي 100 مليار بعدها؛ لبلد يبلغ عدد سكانه 2 بالمئة من العالم العربي.

والمعنى فإن الارتقاء في فهمنا لإسرائيل، بأزماتها وإنجازاتها بنجاحاتها وإخفاقاتها، ليس له علاقة بتوهماتنا عنها، ولا بالمقاييس التي نقيس بها مجريات الأمور عندنا، ولا بالرغبات التي نتمنى إسقاطها عليها، وإنما له علاقة برؤيتنا الموضوعية للأمور والتعمق في حقيقة الأشياء واستخدام وسائل البحث العلمي في التدقيق والتمحيص.

ولاشك بأن هكذا معرفة هي التي تمكننا من وعي طبيعة وحدود التناقضات الإسرائيلية، وإدراك عناصر قوة إسرائيل وضعفها، وهي التي تمكننا من الاستعداد لمواجهة التحديات التي تطرحها علينا، في مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والمعرفية، ومن ضمن ذلك تمكيننا من استثمار أزماتها وتناقضاتها.