هل أصبح عهد الأسد "الابن" أسير طروحات عهد أبيه؟

 

بقلم: الطاهر ابراهيم

الأنظمة في معظم الدول العربية ،والانقلابية منها على وجه الخصوص-وإن كانت كلها تبدأ بداية واحدة وهو ترسيخ نظام الانقلاب الذي جاء بها ثم التفرد في الحكم-، لا تعدو واحدا من نوعين للحكم. فهي إما أنظمة تحكم بردود الأفعال ولا تملك أجندة تعتمد على ثوابت، وهذه الأنظمة تبقى قلقة ويسهل إزاحتها. أو أنظمة وضعت لنفسها أجندة صارمة لا تكاد تحيد عنها إلا في أوقات الأزمات القاصمة،وقد يُتخلى عن تلك الأجندة مؤقتا،ريثما يتم احتواء تلك الأزمة، ثم يتم العودة إلى تلك الأجندة.

ولقد كان نظام حكم حزب البعث في عهد الرئيس حافظ الأسد واحدا من هذا النوع الثاني من الأنظمة التي أشرنا إليها، بل كان رائدا فيها تم التمسك بثوابت أجندته حتى آخر رمق من حياته. وحتى لا يفهم كلامنا على غير سياقه، يحسن التوضيح بأن هذه الأجندة إنما كانت تعني شيئا واحدا وهو تأمين نظام الحكم ضد أي خطر يستهدفه، وبعد ذلك لا شيء يهم، حتى ولو ضاع جزء من أرض الوطن.

ولقد ورث العهد الجديد -الذي بدأ مع الرئيس بشار الأسد بعد خطاب القسم في 17 تموز 2000- تركة ثقيلة عن فترة حكم حزب البعث في عهد والده الرئيس حافظ الأسد، حيث كان هذا الحزب يعتمد على رصيد سياسي وأمني مضمون الدفع من أمريكا، بعد أن ضمن لها أن لا يقف في وجه سياستها في المنطقة، على كل الصعد. ولا بأس ،بعد ذلك، لدى أمريكا، أن يعلن هذا الحزب عن عداوته لها في أجهزة إعلامه ليل نهار. وقد خرج هذا التنسيق إلى العلن عند ما ذهب الجيش السوري ليقف تحت راية الجيش الأمريكي ضد الجيش العراقي عام 1991 في عهد الأسد الأب.

وليس أقل منه ما قدمته الأجهزة الأمنية السورية من مساعدة فعالة في محاربة خصوم أمريكا من جماعة "القاعدة"، عندما سمحت لأربعين عنصرا من عناصر أل (سي،آي،إي) أن تستبيح حمى الوطن السوري في مدينة حلب، بتتبعها آثار "محمد عطا" الزعيم المزعوم لتفجيرات 11 أيلول عام2001.

 ولأن معظم الحرس القديم الذي كان يحيط بالرئيس حافظ الأسد قد بقوا في مراكزهم مع الرئيس بشار، يقدمون له المشورة، فقد اعتقد هؤلاء المستشارون أن الأوراق التي كان يلعب بها النظام مع أمريكا ،فيما سبق، ما زالت صالحة للاستعمال. وقد نسي هؤلاء أن كل شيء تغير بعد وصول "بوش" وأركان إدارته إلى سدة الحكم حيث عملت هذه الإدارة على استغلال أحداث 11 أيلول لبسط نفوذ أمريكا على العالم كله ،خصوصا منطقة الشرق الأوسط. ولقد قام "المحافظون الجدد" من صقور البنتاغون" بتغيير قواعد اللعبة الأمريكية في المنطقة، التي كانت تعتمد أساسا على سياسة احتواء الأنظمة، طالما أنها تؤدي ما هو مطلوب منها.

وخوفا من أن يشكل أي بديل محتمل للأنظمة الحالية ،قد يباغت أميركا في وصوله إلى الحكم بطريقة أو بأخرى في غفلة عن أعينها ، فقد استبدلت جماعة "الصقور"في البنتاغون سياسة احتواء الأنظمة التي سادت المنطقة قبل أحداث 11 أيلول من عام 2001، واعتمدت بدلا منها سياسة "تغيير الأنظمة". وقد اعتمدت هذه السياسة الجديدة على تفكيك هذه الأنظمة، لتستبدل بها أنظمة أخرى هلامية تعتمد اعتمادا كليا–بما فيه أمن قادة هذه الأنظمة الجديدة-على أمريكا، مثل ما هو حاصل في أفغانستان، وكما هو جارٍ العمل فيه حاليا مع "مجلس الحكم" في العراق.

هل تكون سورية الهدف الجديد لأمريكا؟

يقول "بول وولفويتز" نائب وزير الدفاع الأمريكي "إن سورية تمثل تهديدا جديا للولايات المتحدة في العراق ..لا بد من التغيير..". وقد يحار المرء في فهم فحوى هذا التهديد الذي تشكله سورية على أمريكا، مع أنها لم تسجل من قبل أي خروج فعلي على سياسة أمريكا. ولكن هذه الحيرة ستزول، إذا تمعنا في خطاب بوش الذي بشر بمنطقة ديموقراطية على الطريقة الأمريكية تمتد من طهران إلى دمشق وربما إلى لبنان في نسختها العراقية التي ترسخ لها حاليا في العراق.

وحتى تتضح الصورة أكثر، فإنه يمكن وضع خريطة أفغانستان الحالية تحت المجهر. فهي دولة معترف بها ولها رئيس مثقف-صنع على عين أمريكا-، ووزارة كاملة، وتمثيل كامل في الأمم المتحدة، ولكن هذه الدولة لا تسيطر إلا على قلب العاصمة كابول، ومعظم المقاطعات تعمل بشكل منفصل عن هذه الدولة "المسخ"، على خلاف "طالبان" التي شكلت حكومة متكاملة، رغم الضعف الذي كان يعتري الكثير من نواحي الإدارة فيها. ذلك هو المثال الحي الذي يسعى إليه رموز عصابة اليمين في البنتاغون لعراق جديد كما يسمونه، وذلك ما ينتظر الدول التي وضعت على قائمة هذه العصابة، وما خفي أعظم.

إن الأجندة التي تعشش في عقل "وولفويتز" واضحة وبسيطة، فها هي ماثلة للأذهان. فكما أرسل "برايمر" إلى العراق، فهناك برايمر آخر "تحت الطبع" لسورية، وبرايمر ثالث لإيران وهلم جرا.

وبناء على هذه النظرية المبسطة فإن الخدمات التي كان يقايض عليها النظام السوري أصبحت "منتهية الصلاحية". ففي كل مرة كان يدلي فيه رمز من رموز النظام بتصريح يؤكد فيه استعداد النظام للذهاب إلى النهاية مع أمريكا في مكافحة الإرهاب –وهو  تعبير يعني أن النظام السوري مستعد للانسجام مع مطالب أمريكا، إذا كان في ذلك إنقاذ رأسه من مقصلة البنتناغون- كان رموز إدارة بوش يقولون بأن هذا لا يكفي، وإن سورية تعرف ما هو مطلوب منها، ما يعني أن هذا السخاء السوري لم يصل إلى ما هو مطلوب أمريكيا. ولقد لخص الأستاذ فاروق الشرع هذا المطلوب الأمريكي بجملة واحدة بقوله"إن ما تطلبه إدارة بوش فوق الطاقة والتصور".

إن الأوراق التي يراهن عليها سدنة حزب البعث للمساومة عليها حاليا مع أمريكا، مثل تلك التي ذكرها اللواء "بهجت سليمان" في مقاله الذي نشرته له "السفير" البيروتية في 15 أيار الماضي،(وهذه الأوراق على سبيل المثال لا الحصر: احتواء المنظمات الفلسطينية العشر التي تتخذ لها مكاتب في دمشق، تحجيم حزب الله عند اللزوم، كسر شوكة الحركة الإسلامية كما حصل في ثمانينيات القرن الماضي،المحافظة على هدوء جبهة الجولان... وأوراق أخرى بعضها معروف وبعضها لم تظهر إلى العلن) قد كانت نسخة طبق الأصل للأوراق التي كان يناور بها عهد الرئيس حافظ الأسد. ومن هنا جاء الوهم الذي وقع فيه بهجت سليمان، لأن هذه الأوراق قد استنفدت أغراضها ولم تعد تكفي جشع شارون، وغرور بوش، والأهم من ذلك أن المرحلة التي يعد لها "المحافون الجدد" قد قفزت فوق كل تلك المعطيات وتلك الأوراق.

ومع كل وضوح الموقف الأمريكي، فإن معظم رموز حزب البعث السوري لا يعتقدون أن إدارة بوش جادة في تهديداتها، وأن مايصدر عن رموز هذه الإدارة ، ما هو إلا مظهر من مظاهر الحرب غير المعلنة بين "كولن باول" الحمامة المزعومة، وصقور البنتاغون. أو هو "فزاعة" لإخافة سورية من تقديم الدعم المعنوي للشعب الفلسطيني والوقوف في وجه أمريكا التي تريد ثني دمشق عن تقديم المساعدة للشعب العراقي.

فهذا رئيس الوزراء السوري المهندس"ناجي العطري"،يستبعد أن تكون سورية هي المحطة الأمريكية الثانية بعد العراق، حيث قال في حديثه إلى مجلة المصور المصرية نشرته يوم 28 تشرين الثاني الماضي: "أميركا تريد من سوريا مساعدتها على تنفيذ خططها في العراق، وتريد أيضا أن تثني دمشق عن تقديم الدعم المعنوى لأبناء الشعب الفلسطيني فى نضاله ضد المحتلين في فلسطين".

أما رئيس مجلس الشعب "محمود الأبرش" فله رأي آخر فقد وصف "قانون محاسبة سورية واستعادة سيادة لبنان" الذي أقره الكونغرس الأمريكي بأنه "سخيف"، مشدداً على انه "ليس من مصلحة أمريكا قطع الحوار" مع سورية. من جهة ثانية، قلل خدام من أهمية العقوبات التي ينص عليها قانون محاسبة سورية . وقال ليست هناك تجارة أو مساعدات أمريكية، وعلاقاتنا الاقتصادية محدودة جدا. الأمر ليس ذا شأن ولا يشغل بالنا بشيء . ولا ينسى سيادة العماد "مصطفى طلاس"، أن يتحفنا بآخر آرائه في أجندة الصراع مع إسرائيل، حيث قال "إن الرد على العدوان ليس بالضرورة أن يكون عسكريا" .                      

وهكذا نرى ساسة سورية ومنظريها - وقد رأينا عينة مقتضبة من آراء بعضهم- في واد غير الوادي الذي يحيك فيه ساسة البنتاغون مؤامرتهم ضد سورية. لأن ما يريده هؤلاء من سورية يجب أن يؤدي بها إلى الموقع الذي وقفه "القذافي" بإعلانه "ليبيا" بلدا مستباحا للتفتيش عن أسلحة الدمار الشامل. وهذا ما صرح به "كولن باول" مؤخرا من أن "على سورية أن تقتدي بما فعله القذافي". وأكثر من ذلك فإنه ،عدا عما هو مطلوب من سورية عراقيا، فإنه مطلوب الآن من الرئيس بشار أن يقتدي بالسادات ويذهب إلى القدس المحتلة ،كما صرح بذلك الرئيس الإسرائيلي"كتساف".."وما في حدا أحسن من حدا".وحتى لو ذهب إلى القدس كما فعل السادات، فإن شارون غير مستعد لإعادة الجولان كاملة إلى سورية. فقد نقلت "الشرق الأوسط" اللندنية في 20/1/2004 ، ما أعلنه مصدر برلماني إسرائيلي من "أن أرييل شارون حذر النواب الإسرائيليين أمس من أن إجراء محادثات مع دمشق يعني "في نهاية الأمر" إعادة هضبة الجولان السورية التي تحتلها الدولة العبرية منذ 1967 إلى دمشق".

ومما يؤسف له أننا ويوما بعد يوم نرى مساحة الانحسار-حتى في المواقف السورية المعلنة وليس فقط في السلوك على الأرض- تتسع والصمود الوطني يتلاشى.

ففي مفاوضات "شيبرز تاون" التي جرت بين وزير الخارجية السوري "الشرع" ورئيس الوزراء الإسرائيلي "باراك" أواخر عام 1999، كان السوريون يطالبون بوديعة "رابين" التي أكدوا أنه تعهد فيها أن ينسحب من الجولان. وقد نفى باراك صحة هذه الوديعة في حينه. أما الآن فإن المسؤولين السوريين تناسوا تلك الوديعة، إنما فقط يصرون على بدء المفاوضات مع إسرائيل من النقطة التي انتهت فيها بين "الشرع" وباراك"، والإسرائيليون يرفضون ذلك وأن أي مفاوضات مستقبلية يجب أن تبدأ من نقطة الصفر، هذا إذا رضي شارون بالعودة إلى طاولة المفاوضات، وهو مايشكك فيه ما نشر في "الشرق الأوسط".

الرئيس السوري الدكتور بشار الأسد يدرك تماما المأزق الذي وضع فيه. فهو من جهة، يشعر بأن ما يطلبه منه "الأمريكي" أفظع من أن يستطيع الموافقة عليه. ومن جهة أخرى، فإن الحرس القديم ،الذين يعز عليهم أن يصبحوا خارج اللعبة، يحذرون – سرا ويكابرون جهرا- من مغبة الرفض ،الذي قد يكون نتيجته أن توضع صورهم وأسماؤهم على أوراق "الكوتشينة"، كما فعل بأشياعهم في العراق. ولذلك فإنهم يدفعون باتجاه تزيين "الموت السياسي" خوفا من الموت الحقيقي. وربما أشار بعضهم بأن الرئيس حافظ الأسد لم يكن ليدع الأمور تصل إلى حافة الهاوية، كما حصل مع قواعد حزب العمال الكردستاني في البقاع، عند ما شعر بالتهديد التركي باجتياح الحدود السورية، ما اضطره إلى إغلاق تلك القواعد وطرد أوجلان من لبنان .     

إن هذه المعاناة التي يقاسي منها الرئيس السوري جعلته يفكر مليا قبل كل جملة يلقيها في لقاءاته مع أعضاء الكونغرس الأمريكي، وفي مقابلاته مع الصحف العربية والعالمية.

وحتى يخرج من هذا الاستعصاء، فهو يلجأ إلى سياسة "الباب الموارب" والتعابير التي تحمل أكثر من معنى ولا تقطع بموقف مجدد.

فعلى سبيل المثال، عندما سئل عن موقفه من خارطة الطريق قال:نحن نوافق على كل ما يوافق عليه الفلسطينيون، ثم يستدرك قائلا: لكن الفلسطينيين غير مجمعين على قبول هذه الخارطة

وفي الشأن العراق، قال الرئيس السوري في حديثه الأخير للشرق الأوسط: "نحن نقبل بما يقبل به العراقيون لأنهم هم المعنيون بشؤونهم قبل الجميع ويعرفون الواقع أكثرمن الجميع .ولكن ما لمسناه من لقاءاتنا مع مختلف الشرائح العراقية، أنهم ضد كل ما من شأنه أن يؤدي إلى تقسيم العراق..".

فهل يقبل "المحافظون الجدد" هذه السياسة على طريقة الباب الموارب؟ أم أنهم ماضون في المخطط إلى النهاية وحتى لو قبل نظام الحكم بما هو معلن.إن ما قاله بوش عشية الحرب على العراق "أننا ذاهبون إلى العراق حتى لو تخلى صدام عن الحكم وترك العراق..."، ليؤكد أن طلبات إدارة بوش تتجاوز ناقة "البسوس"إلى دم كليب، وقد يكون ما خفي أعظم.   

السعودية    الطاهر إبراهيم   عضو مؤسس في رابطة أدباء الشام