النص الإسرائيلي في الخطابات العربية  بين التوهمات والرغبات

ماجد كيالي

لم يكن النص الإسرائيلي، في مرحلة ماضية، حاضرا في غالبية الخطابات السياسية العربية، بدعوى عدم التطبيع حينا وبدعوى عدم إثارة الشبهات بالاعتراف بإسرائيل! والسؤال الذي كان يطرح نفسه هو: كيف يمكن أن نواجه عدوا نجهله، أو كيف نصارع عدوا لا نعترف بوجوده!

وعلى أية حال فإننا نشهد في المرحلة الحالية نوعا من المراجعة للخطابات السابقة، تتمثل بالاهتمام بمتابعة ما يجري داخل إسرائيل، في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وبحضور النص الإسرائيلي بشكل واضح في الخطابات السياسية العربية، على تلاوينها القومية واليسارية والإسلامية.

ولا شك بأن هذا الأمر يشكل تقدما في الخطابات السياسية، بالقياس لسابقاتها، ولكن مشكلة هكذا خطابات أنها مازالت قاصرة عن إدراك ما يجري في إسرائيل، كونها، على الأغلب، انتقائية وسطحية وجزئية، وبمعنى أخر فهي مراجعة وظيفية، يجري من خلالها تسخير النص الإسرائيلي أو قولبته بحسب التوجهات السياسية لكل تيار، ما يغلب الرؤية الذاتية الرغبوية على الرؤية الموضوعية.

وعلى سبيل المثال، فقد اعتاد السيد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله اللبناني على استعارة النص الإسرائيلي لتوظيفه في خطاباته السياسية. ففي خطاب له، ألقاه مؤخرا، استشهد نصر الله، بأقوال أربعة من قادة جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، تحدثوا فيها عن انهيار إسرائيل. ولكن السيد (مع التقدير له) انتزع هذه الأقوال من سياقها العام، ومن المدلولات السياسية والتاريخية التي جاءت فيها، لتأكيد وجهة نظره بشأن اقتراب هزيمة إسرائيل (وهو ما نتمناه).

وكان المسؤولون الإسرائيليون، في أقوالهم، يتحدثون عن تذمرهم من سياسات حكومة شارون، منوهين بأن المسارات الحالية التي تكرس الاستيطان وضم الأراضي الفلسطينية ستؤدي إلى تدهور مكانة إسرائيل، وتحولها من دولة يهودية إلى دولة ذات أغلبية عربية (ثنائية القومية) أو أنها ستحولها من دولة ديمقراطية، إلى دولة تمييز عنصري ضد سكانها غير اليهود؛ وهكذا.

ويستنتج هؤلاء بأن سياسات حكومة شارون قد تودي بإسرائيل إلى الكارثة أو إلى الانهيار أو إلى حافة الهاوية، لذلك فهم يدعون لوضع حد لها وإنقاذ إسرائيل منها. وهذا يختلف عن الاستنتاج بأن إسرائيل ذاهبة إلى الكارثة، حقا.

في مقابل هذه الاستعارة ثمة وجهات نظر أخرى يعتبر فيها اليمين القومي والديني المتطرف في إسرائيل بأن سياسات التسوية، التي تقوم على أساس دولتين لشعبين، يمكن أن تؤدي إلى اضمحلال إسرائيل وانهيارها، لأن التسوية عند هؤلاء (برغم كل الإجحاف الكامن بها بالنسبة للفلسطينيين) ستقوض الصهيونية في المجتمع الإسرائيلي، وستنزع المبرر الأخلاقي والتاريخي لقيام إسرائيل، وستتشجع الفلسطينيين (والعرب عموما) على تقديم مطالب جديدة لا تقتصر على الأراضي المحتلة، وإنما تصل إلى المطالبة بحيفا ويافا والجليل، وفق اعتقاد مفاده بأن عملية التسوية هي بمثابة "حصان طروادة" ستدمر إسرائيل من الداخل، وفق نظرية المراحل. لذلك يعتقد هؤلاء بأن إسرائيل، بقوتها العسكرية والاقتصادية وبحكم علاقاتها مع الولايات المتحدة، قادرة على تدبر نفسها مع العرب (وضمنهم الفلسطينيين) وفرض التسوية عليهم بالقوة وفق التصورات الإسرائيلية، من دون تنازلات تهدد طبيعة الدولة الإسرائيلية ـ الصهيونية.

وهكذا فإنك في إسرائيل يمكن أن تسمع الرأي ونقيضه، كأن تسمع من يقول بأن قيام الدولة الفلسطينية هو مصلحة إسرائيلية وأن الاستيطان عبء على إسرائيل وشرك ينبغي التخلص منه وأن التسوية ستمكن إسرائيل من تجديد شرعيتها وحيويتها وصدقيتها في المنطقة والعالم، ومن يقول بأن قيام الدولة الفلسطينية يعني بداية نهاية إسرائيل وأن الاستيطان هو قلب الشعب اليهودي، وأن التسوية ستقوض المشروع الصهيوني برمته وتنزع الشرعية عن إسرائيل.

لذلك فإن المشكلة بالنسبة لنا ليست فيما يقوله الإسرائيليون وإنما فهم ما يقولونه ووضعه في سياقه الصحيح وفي إطاره التاريخي، وفي كيفية التعاطي مع الخلافات والتناقضات الداخلية وتوظيفها توظيفها صحيحا بالمعنى الاستراتيجي.

ومعنى ذلك أن الخلافات الإسرائيلية لا ينبغي أن تأخذنا يمينا أو يسارا، بحسب موجاتها ولا بحسب أهوائنا ورغباتنا، فهذه الخلافات هي شأن طبيعي في دولة ديمقراطية تتمتع بمستوى عال من الحراك السياسي ومن الجدالات الفكرية والسياسية. ثم إن الخلافات في المجتمع الإسرائيلي لا تتمحور فقط بين دعاة التسوية ودعاة رفض التسوية، بل إنها تشمل الخلاف بين المتدينيين والعلمانيين والشرقيين والغربيين واليمينيين واليساريين (بالنسبة للقضايا الاجتماعية)، والمقيمين والقادمين الجدد، والمستوطنين في الأراضي المحتلة والمقيمين في إسرائيل؛ وحتى أن هذه الخلافات بين اليهود الإسرائيليين تشمل اليهود في الخارج،  وثمة خلاف حول مركز اليهودية في إسرائيل أم في الولايات المتحدة.

والنتيجة أن خلافات على هذا المستوى من التعقيد والتداخل والدلالات، تتطلب قدرا كبيرا من الدقة والتأنّي والمسؤولية في التعاطي معها واستخلاص النتائج الصحيحة منها وتوظيفها بشكل ناجع، لا سيما أن الخلاف بشأن عملية التسوية، يتداخل مع مجمل الاختلافات والتناقضات التي تعشعش في المجتمع الإسرائيلي.

فالموقف من عملية التسوية يتداخل، إلى حد كبير، مع الموقف من القضايا الاجتماعية والاستيطان وفهم إسرائيل لانتمائها الحضاري (إلى الغرب أو إلى الشرق الأوسط) وقضية الموقف من الدين والعلمانية ودورها السياسي الوظيفي في المنطقة، باعتبارها دولة لذاتها أم دولة في ذاتها (تابعة لأمريكا) ثم كونها دولة لليهود فيها أم دولة ليهود العالم. وتلك هي معضلة عملية التسوية.

واللافت في الخطابات المذكورة أنها تستمرئ الحديث عن قرب انهيار إسرائيل وعن الكارثة المحدقة بها، في حين أنها تبالغ بعناصر قوتها هي، إلى حد مخيف، وتحجب الكوارث المحدقة بالعالم العربي، على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهذه الخطابات تعتقد، مثلا، بأن المقاومة هي محض رغبة ذاتية لدى فرد أو مجموعة أو ميليشيا، أو مجرد عملية عسكرية، لا حالة اجتماعية ثقافية سياسية، في حين أن المجتمعات العربية سادرة في ركودها وغيبوبتها وغربتها عما يجري داخلها وما يدبر لها من جهات داخلية أو خارجية.

فمثلا تركز هذه الخطابات، في استعارتها النصوص الإسرائيلية، على تنامي نزعة الهجرة لدى الشباب الإسرائيلي إلى الخارج، وتنامي رغبة العائلات الإسرائيلية بالحصول على جواز سفر لأطفالها، في حين أن الواقع يدلل بأن الهجرة من داخل إسرائيل إلى خارجها، برغم كل التعب المحيط بالإسرائيليين بسبب الانتفاضة، لم تأخذ وتائر عالية أكثر من السابق، برغم انخفاض معدلات الهجرة إلى إسرائيل (لم تختف). فبحسب الإحصائيات الإسرائيلية، وصل إلى إسرائيل عام 2001 حوالي 44 ألف شخصا وغادرها 17679 شخصا. وفي عام 2000 قدم 61 ألف شخصا وغادرها 13056 شخصا. وعام 1999 قدم 78 ألف شخصا وغادرها 10262 شخصا. والتقديرات لعام 2002 ترجّح انه مقابل كل اثنين قادمين غادر واحد. وبالإجمال فإن مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي يقدر عدد النازحين من إسرائيل، منذ قيامها بحوالي 750 ألفا (مع أولادهم). وفي هذا الإطار يمكن أن نراجع تقرير التنمية الإنسانية العربية لمعرفة حجم هجرة الشباب العربي للخارج، برغم كل القيودات الموضوعة عليهم، وأيضا تقدير حجم الهجرة فيما لو أتيحت لهم التسهيلات التي يلقاها الشباب الإسرائيلي!

في هذه الخطابات أيضا ثمة حديث عن الانهيار الاقتصادي في إسرائيل، والتدليل على ذلك بتنامي نسبة البطالة وتدني مستوى المعيشة، في حين أن مستوى البطالة هو 10 ـ 12 بالمئة في إسرائيل، وهو يبلغ أضعاف ذلك في البلدان العربية، برغم الثروة النفطية، مع العلم أن إسرائيل دولة مستوردة للعمالة بنسبة تعادل نسبة البطالة فيها، أي بحجم قدره 200 ـ 250 ألفا(من الأراضي المحتلة أو من أوروبا الشرقية أو من أسيا). لذلك فإن مشكلة البطالة في إسرائيل هي مشكلة نوعية العمالة. أما تدهور مستوى المعيشة فنحن نتحدث عن تدهور في مستوى "السمنة" أو الرفاهية، لمجتمع يبلغ الدخل فيه حوالي 18 ألف دولار للفرد الواحد وهو يزيد بحوالي 15 ضعفا عن مستوى الدخل في البلدان العربية.

أما تشبيه حال الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين، بحال أمريكا في فيتنام أو إسرائيل في لبنان فله حديث أخر..المهم أنه حري بالقادة السياسيين تفحّص حقيقة الواقع الإسرائيلي بصورة موضوعية، بعيدا عن الرغبات والتوهمات، لأن هذه المعرفة ضرورية للارتقاء بالخطاب السياسي ولوضع الاستراتيجية الملائمة لبناء الذات ومراكمة النجاحات.