هل يكفي الغضب العربي لتحقيق الأهداف القومية ؟

الدكتور عبدالله تركماني

لاشك أنّ الهمجية الصهيونية التي تتجلى في الحرب المعلنة ضد الشعب العربي الفلسطيني، ومحنة الشعب العراقي مع الاحتلال الأمريكي وعدم نضج العديد من رموز طبقته السياسية الناشطة داخل مجلس الحكم وخارجه وتباين آراء مرجعياته الدينية في شأن مستقبل العراق، ومعوّقات الإصلاح العربي الشامل، كلها تضع المنطقة العربية على حافة الانفجار ، فإما أن يتدارك النظام الإقليمي العربي مفاعيل هذا الانفجار بشكل إيجابي أو تُفرَض عليه نظم إقليمية أخرى تمسخ الطابع العربي للمنطقة .

وفي الواقع لم تكن الحرب الإسرائيلية المعلنة ضد الشعب الفلسطيني وقيادته لتصل إلى ما وصلت إليه لولا التخاذل الرسمي . إذ أنّ النظام العربي لم يدرك ، بعد فشل مفاوضـــات " كامب ديفيد " واندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثانية ، أنّ الشعب الفلسطيني ، كما كان دائما ، يقف في خط الدفاع الأول عن الأمة في مواجهة الأطماع الصهيونية للتوسع والهيمنة على المنطقة كشريك استراتيجي للولايات المتحدة الأمريكية . كما لم يدرك أنّ عجزه عن ردع العدوان يجعل خيار السلام الذي أعلنه منذ مؤتمر مدريد في العام 1991 ، وأعاد تأكيده حين تبنى مبادرة الأمير عبدالله بن عبد العزيز ، في مهب الرياح العاتية .

لقد فتحت الحرب الإسرائيلية الشاملة على الشعب العربي الفلسطيني باب الأسئلة المكبوتة لدى الشعوب العربية منذ عدة عقود ،  ودفعت الجماهير إلى التظاهر والمطالبة بدعم المقاومة الفلسطينية ماديا وسياسيا ، وأثبتت تحفّز الرأي العام العربي تجاه قضاياه القومية وفي مقدمتها القضية الفلسطينية . لقد جاءت المظاهرات الشعبية في مختلف الأقطار العربية لتضع حدا للتخاذل الرسمي العربي ، ولتنبه المجتمع الدولي إلى ما يمكن أن يؤدي إليه إطلاق العنان لإسرائيل من مخاطر جسيمة على مجمل المصالح الاستراتيجية للغرب .

إنّ تحفز الشعوب العربية هو الظاهرة السياسية الأكثر أهمية مقابل العدوان الصهيوني ، لما ينطوي عليه من إمكانية البناء القومي في المستقبل ، بما في ذلك تقوية وتدعيم بعض المواقف العربية الحكومية التي تستشعر الخطر القادم على مصالح أقطارها ومستقبلها . ولكنّ نجاحه مرهون بمدى قدرته على بلورة برنامج نهوض شامل مستند إلى وعي سياسي ديمقراطي-  مواطني – متنوّر مستشرف لآفاق الصراع العربي – الإسرائيلي ولمستقبل العراق الجديد ومآلات الإصلاح العربي الشامل، باعتبار ذلك كله صراع حضاري شامل يتطلب التجدد الحضاري للأمة للتمكن من التعاطي الإيجابي الفعال مع التحديات التي يفرضها العالم المعاصر . إذ أنّ الغضب لا يكفي لتحقيق الأهداف القومية ، وفي مقدمتها قيام دولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية ، بل لابد من إجراء تحوّلات جوهرية في المسيرة العربية كلها تتجه نحو معرفة الواقع ووضع الخطط العملية الممكنة لتغييره .

إنّ التفجع والعويل والسخط العربي المكتوم ، وحتى الغضب والهياج ، كلها قد تغطي عن مسؤولية الفاعلين الحقيقين للعجز العربي . الأمر يتطلب الجرأة والحديث الصريح عن الظروف التي أدت إلى ما نحن عليه من عجز وضعف وتفرّق ، وبالتالي الحديث عن الطريق الذي يمكن أن يخرج الأمة من أزمتها الراهنة . ومن المؤكد أنّ الأسباب تكمن فينا ، داخل ذواتنا وحياتنا الداخلية ، في البنى الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية لأقطارنا العربيـة .   

إنّ الثبات على المبادئ والمصالح والقيم الأساسية للأمة لا يتحقق بالخطابات والانفعالات والعواطف ، وإنما بالفعل العقلاني الذي يحتاج إلى مؤسسات وقوانين تنظّمه ، وإلى معرفة طبيعة التفاعل الدولي بعد أحداث 11 سبتمبر/أيلول 2001 ، وما يفرضه ذلك من ضرورة إقلاع النخب الفكرية والسياسية عن " منح " الشعب شعارات متطرفة تتوافق مع هواه . فليس مقبولا تطرف النخب ، بل الأجدى هو محاولتها تأسيس شعبيتها وشرعيتها على العقلانية السياسية ، التي تسمح بتحديد أولويات نضال الأمة ، وتكشف ما هو قابل للتحقيق وما هو مستحيل أو صعب التحقق .  

لقد حان الوقت لكي نفكر في المستقبل بطريقة تختلف عن الماضي وتتقدم على الحاضر،  فما كان ممكنا من قبل لم يعد مقبولا اليوم ، كذلك فإنّ ما كان مستحيلا قبل الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001 أصبح واردا حاليا ، والأمم العاقلة والشعوب الواعية هي التي تراجع سياساتها وتعيد ترتيب أوضاعها وتجدد نمط تفكيرها ولا تظل عاجزة مكتوفة الأيدي . والمسؤولية الحقيقية هي مسؤولية جماعية للحكومات والشعوب والنخب الفكرية والسياسية ، فإذا لم تتوفر الإرادة أولا ، ثم الرؤية الواضحة والأطر والوسائل الضرورية لوضعها موضع التنفيذ ثانيا ، والحكمة وحسن التدبير ثالثا ، فإنّ الكل سيدفع الثمن ، وسيكون باهظا جدا . ولن يكون الواقع العربي الهزلي الراهن أكثر من مجرد شرارة بسيطة ، مقارنة بالجحيم الموعود إذا ظل الوضع على ما نراه ونعيشه اليوم من انعدام المناعة  والعجز المزمن .

إنّ أجواء المنطقة شبيهة بما كانت عليه قبيل نكبة العام 1948 ، وقبيل هزيمة يونيو/حزيران 1967 ، بعد أن تجاوزت الأحداث والتطورات ما كان مطروحا لتسوية الصراع العربي-  الإسرائيلي ، وباتت اتفاقات ومفاوضات التسوية نسياً منسياً ، لا إمكانية لإحيائها أو إعادة إطلاقها بسهولة، وبعد أن أضحى العراق في مهب تخبط السياسات الأمريكية والتدخل الفظ لأصحاب العمائم في رسم معالم مستقبله . هكذا تقول الوقائع مع الإرهابي شارون الذي أغلق كل الأبواب وترك بابا وحيدا مفتوحا لاستمرار الصراع بدون مفاوضات جدية ، إذ يركّز بالتحديد على إمكانية تحقيق حل عسكري أو سياسي مذل . وهكذا تقول الوقائع مع التراجع عن المكتسبات التقدمية في قانون الأحوال الشخصية العراقي، خاصة ما يتعلق بحقوق المرأة .

  إننا نعيش مرحلة انتقالية منفتحة على مختلف الاحتمالات خاصة على ضوء تداعيات الحرب الأمريكية ضد الإرهاب وتطبيقاتها الصهيونية في فلسطين ومآلات الاحتلال الأمريكي للعراق، ولن يكون لنا ما نريد سوى بالتخطيط والعمل الاستراتيجي في المديين القريب والبعيد ، والتضامن العربي واستمرار الاحتضان العربي الرسمي والشعبي للقضية الفلسطينية حتى يحقق الشعب العربي الفلسطيني هدفه في إقامة دولة فلسطينية مستقلة ، وترسيم  الحدود الدولية لفلسطين وفقا لقرارات الشرعية الدولية ، بما يضمن لفلسطين المستقلة التواصل مع جوارها العربي ، وانسحاب إسرائيل من هضبة الجولان السورية المحتلة ومزارع شبعا اللبنانية .

   ومن المؤكد أنّ العامل المفتاحي هو الوضع العربي ذاته ، فمن البؤس توجيه اللوم إلى العوامل الخارجية فيما أصابنا من ضعف وعجز ومهانة ، بحيث نبدو عاجزين عن أي شيء غير الإدلاء بتصريحات الاستنكار التي لا أمل في أن تؤدي إلى أي تغيير في الوضع المأزقي الحالي . وإزاء ذلك ، يتوجب على صنّاع القرار العرب وممثلي الحركة الشعبية العربية ومرجعياتها القومية والدينية إعادة صياغة الإرادة العربية المشتركة لوقف التدهور العربي ، وإعادة بناء الموقف العربي الموحَّد للتعاطي المجدي مع التحديات المطروحة في فلسطين والعراق وقضايا الشراكات الإقليمية والتنمية والديمقراطية وحقوق الإنسان .

فلنصحُ من حالة الاستلاب التي نحن فيها ، ولنعدْ إلى العروبة النهضوية المنفتحة والمتسامحة والمتحررة من التعصّب ، إلى مشروع ثقافي عربي يحرر عقولنا ويفتح الأفق أمام تفكيرنا وحرية تعبيرنا .

وهكذا ، قد يكون من الصعب استدراك الفوات التاريخي الذي نحن فيه ومواجهة التحديات الراهنة بسهولة ، ولكن يمكن توفير الحد الأدنى من الشروط للتقليل من الخسائر . ومن أجل ذلك يبدو أنّ قوة العامل الذاتي العربي ضرورية جدا ، مما يتطلب بناء سياسات جديدة قد تفتح الطريق لفهم أسباب قصورنا وتأخرنا دون تعمية وتحايل ، وتفتح في الوقت نفسه الطريق لتلافي هذا القصور ، خاصة عندما يكف العامل الخارجي عن كونه شيطانا رجيما .

إنّ الحد الأدنى المطلوب لتجاوز حالة الضعف والعجز في واقعنا العربي تكمن في تفعيل صيغة التضامن العربي والالتزام بمتطلباته . وبالتوازي مع ذلك يجب تنشيط الحركة الشعبية العربية من خلال المصالحة والحوار بين كل تياراتها المؤمنة بالمشروع القومي الحضاري العربي .

وكي يعطي هذا الحد الأدنى نتائجه لا بد من إعادة هيكلة العمل السياسي في العديد من الأقطار العربية في اتجاه ضمان حقوق الإنسان العربي وتكريس السلطة كعقد اجتماعي متوافق عليه ، وتحويل السياسة إلى قضية عامة لا تحتكرها النخب فقط ، بل يتداولها الجميـع ، حينذاك يكف الإنسان العربي عن أن يكون مجرد رقم في الساحة السياسية وفي المجتمع ، ليصير إنسانا كامل الحقوق في مجتمع المواطنين .

 

 

 

 

 

 

                                                      الدكتور عبدالله تركماني

                                          كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

                                                        teab@planet.tn