المعارضة السورية .. ودرس الأغبياء

 

بقلم: وجيه عمر مطر

 

لم يكن مفاجئا أن يخرج علينا نفر ممن اتبع الهوى ولم يتبع نداء العقل والمنطق والتاريخ، وهو من الممكن والجائز في زمن الردة والانحدار والاندحار والتبعية المطلقة، في زمن تسويق الهزيمة وتعميمها. فقد كان واضحا في نهج وسياسات القيادات الرسمية للنظام العربي الإقليمي، وانتهجته قيادات قوى وأحزاب ، ويحضرنا في هذا المقام المثل الأكثر بروزا ، نهج القيادة الفلسطينية المتنفذة وبعض من القوى التي رأت في هذه القيادة ضالتها للوصول إلى ما كانت ترمي أليه. فكانت اوسلو بعد ضرب العراق و أضعافه، ثم كانت وادي عربة، وهكذا تتالت صفحات الهزيمة دون أدنى وازع من الخجل أو حفظ ماء الوجه.

ليست مزايدة على التنبؤ في عدم المفاجأة ، عندما سمعنا أن مؤتمرا لنفر من الأفراد التبع الذين باعوا أنفسهم للأخر لأسباب قد نرى في بعضها ما يدع مساحة من الحوار، ولكن ليس بهذا الشطط الذي يبني جدارا أعلى من جدار برلين وأكثر صلابة وعنادا.. أن مؤتمرا عقد في بروكسل ،تحت مسمى قوى ( المعارضة السورية ) ،وأضعها ما بين قوسين ، لأن علم السياسة ، ومنطق الحركة السياسية التاريخي ، وفي علم الثورات ، علمنا أن مصطلح المعارضة ، كان دائما للقوى الثورية الشعبية ضد النظم الرجعية والأكثر يمينية . بينما اليوم تنقلب المفاهيم ، وهذا هو زمن العولمة ، أو بالأحرى زمن الأمركة، طبقا لنظرية الإحلال والتحلل، انه الزمن الأمريكي الذي يعمل على فرض مفاهيمه ومصطلحاته وقلب دلالاتها، فتتحول المعارضة من قوى ثورية يسارية تقدمية، إلى أحضان القوى الأكثر يمينية والتابعة للأجنبي، ضد قوى أو نظم هي ترفض الانصياع للأجنبي وتقف على يسار القوى التي تحتمي بالأجنبي وتستقوي به ضد الشعب والوطن والأمة. هذا ما فعلته بعض ما يطلق عليه الغرب ( معارضة ) وأسطع الأمثلة على ذلك ، ما أطلت علينا به شراذم التابعين من أهل العراق .. عراق التاريخ والحضارة والقيم والنخوة العربية، لتبيع الوطن للأجنبي ، وتدمر بلدا ودولة عريقة فتهدم المؤسسات المدنية والصناعية وتفكك أقوى وأقدر جيش عربي ، بل وتسرق تاريخ العراق والأمة في محاولة لافراغ الأمة من ذاكرتها التاريخية، تمسحها لتحل محلها ثقافة شايلوك واليانكي المستوطن، وكل ذلك لصالح  أعداء العراق والأمة من صهاينة وصليبيين جدد.

إلا أن هذا النفر من ما يسمى ( المعارضة السورية )، يذهب إلى ما هو أبعد من ما ذهبت إليه نظيرتها العراقية على الأقل في بداياتها، فلم تقل أن من أهم أسباب تخلف الوطن والأمة كونها لم تعترف بالعدو الصهيوني، ولم تستطع أن تحقق السلام مع العدو الغاصب، وان فعلت بالعراق ما هو أبشع من ذلك بكثير.

ولكنه منطق الهزيمة المعمم، الذي يتسابق أهله لمن يقم المزيد عمن سبقه، انه المزاد في سوق النخاسة ، فمن يدفع أكثر ولو بدرهم يحصل على الآمة،وفي نظري لن يكون هؤلاء مهما تضخمت أو تورمت أوداجهم كذاك ( الزيباري )، بأكثر من إماء ، ومن الدرجة الأكثر سفلية وانحطاطا.

فتقدم معارضة بروكسل عروضا أكثر سخاء من نظيرتها الواشنطنية، / صديق لي قال معلقا على هذا الانسياح الدرامي ... بأنها أكثر ذكاء من نظيرتها العراقية ، لأنها ذهبت فورا إلى الرأس المانح لقبول العروض ، إلى شارون / .

 وهنا ، تداهمنا فكرة التزامن مع توقيت المفرقعات التي تعلي ضجيجها كل من أمريكا والعدو الصهيوني ضد دمشق :

1 / أسلحة الدمار الشامل.

2 / الوجود السوري في لبنان.

3 / وضع دمشق على لائحة الارهاب ، حزب الله ، القوى الفلسطينية الرافضة لاتفاق أوسلو والاعتراف بالعدو.

4 / مساعدة سوريا للمقاومة العراقية .

5 / تهريب أسلحة الدمار الشامل العراقية التي لم تعثر عليها قوات الاحتلال الأمريكي، الى الأراضي السورية.

6 / موقف الكونجرس الأمريكي ، وأخذه القرار بمحاسبة سوريا.

7 / الضغوط المتزايدة على دمشق ، بقصد إجبارها على تقديم تنازلات لصالح العدو .

8 / ناهيك عن فتح ملفات حقوق الإنسان والحريات الديمقراطية،وقضايا أخرى تتعلق بالمسألة الاقتصادية، وقضايا أخرى مختلفة.

  إن هذا التزامن إنما يضع هذا النفر أمام مسائلات تاريخية وذات حساسية مفرطة ، خاصة وان الدرس العراقي ما زال ماثلا ، ولم تهفت صورته أو تبرد حدته وسخونته، فماذا يريد هذا النفر من سورية ، هل يريدونها على شاكلة العراق ، تسرق دولة بكل مافيها ولها، وتدمر المؤسسات والبنى التحتية، وتعيد الشعب إلى ما قبل الحقبة الاستعمارية، دولة بدائية، لتأتي الشركات الأمريكية والصهيونية لتعيد أعمار سورية كما فعلت أمريكا بالعراق هذا البلد العربي الذي كان يساعد العرب في بناء دولهم وصناعاتهم وبناء جيوشهم وتأسيس تعليم عصري، فنرى أن بعض الشركات تأخذ على عاتقها بناء الشرطة والجيش والمؤسسات الأخرى ، بينما الجيش العراقي كان أول جيش عربي يتأسس باسلوب عصري ومتقدم؟؟

الغريب في ذلك كله أن مثل هذا النفر لم يتعلم من العراق ومما جرى هناك من  مهانة واذلال للشعب والأمة، وهو لن يتعلم ، لأنه لم يعرف القراءة إلا على الطريقة الأمريكية والصهيونية، فقد تغرب كثيرا وأكثر مما ينبغي ، فتاهت عنه اللغة والتاريخ والعبر.

ومن جهة أخرى ، والأكثر غرابة في الموضوع ، انهم لا يسمعون ، ولا يتابعون ، ألم يرى حال رموز المعارضة العراقية ممن دخل على أحذية الغزاة وعلى الدبابات الأمريكية، وهم غير قادرين على زيارة أقاربهم ، أو السير ما بين الناس خوفا من المقاومة الباسلة ، وهم كالفئران يدخلون الجحور .. كالصوص يتسللون الى الخارج في عتمة الليل الأمريكي وفي حمايتهم، هل استطاع المدعو مجلس الحكم المحلي من التقدم خطوة واحدة تجاه ما كان يرمي أليه ، أو كما كان يوهم نفسه به ، بأن القوة الأمريكية الغاشمة ستحققله ما يريد وتنصبهم على كراسي الحكم في العراق، انهم يصنعون الوهم ، لأن الأمريكي نفسه اليوم وتحت ثقل الضربات الموجعة والمخطط لها من قبل المقاومة العراقية الفذة تعمل بكل الوسائل على الهروب من هذه الورطة التي لم تحسن حسابها كما ينبغي. فهي تهرب اليوم إلى الأمم المتحدة بعد إن رفضت تدخلها بأي شكل من الأشكال قبل الحرب وبعدها بقليل، وذلك قبل بدء المقاومة، وكذلك رفضت أي تدخل من أي دولة من الدول بالشأن العراقي ، بينما هي اليوم تدعو الجميع وتتوسل اليهم لمساعدتها على التخلص من هذا السقوط المحتم.

 

أنصح هذا النفر بإعادة النظر فيما هم مقبلون عليه، وأدعوهم على تعلم القراءة الصحيحة، وأن يقرأوا الواقع العربي باللغة العربية الفصحى، وليس بلسان أعجمي ، لا يتقنون مداخله ولا مخارجه.

كما أدعوهم إلى الاطلالة على موقف الشعب العربي مما يجري في العراق ، ومدى التعاطف مع الشعب العراقي والمقاومة العراقية، وكم من الكره والحقد على العملاء في مجلس الحكم المحلي، وعلى أسيادهم من الأمريكان والبريطانيين، ولا يغرنكم هذا الهدوء المفتعل ، انه الهدوء الذي يسبق العاصفة،..

ولن يضير الشعب العربي أن تتسع دائرة المواجهة .. هذه هي تمتد من العراق إلى فلسطين.. ولتمتد ، فالشعب مقاوم في طبيعته، وأوهام الغرب الاستعماري كان قد جربها في العراق في العشرينات من القرن الماضي ةتشهد كل الساحات العربية على ذلك، وها هي اليوم تضع الدروس والعبر أمام العالم من لبنان إلى فلسطين إلى العراق.

وهذه دعوة للتعلم، ومن لا يتعلم من دروس  الغير ، يوصم بالغباء، وأعتقد أن هذا النفر دخل المأزق الذي لا حل له إلا بالاعتذار من الشعب العربي عامة ، والعودة من أول الطريق قبل الدخول في النفق المظلم الذي تنعدم فيه إمكانية الخروج منه، وقبل دخول عرض انتهى الدرس يا غبي . 

              وأنا هنا أعفي من قولي هذا المعارضة السورية التي لا تقف على ذات الضفاف مع هذا النفر النافر والمنفر، والتي رفضت أي شكل من أشكال التدخل الأجنبي في شؤون الوطن والأمة ، واعتبار العلاقة مع النظام في سورية إنما هي علاقة داخلية داخل الوطن الواحد ، لحماية الوطن والمواطن والدفاع عن السيادة القومية. والنهوض بالوطن والأمة.

وجيه عمر مطر