واقع العرب والحاجة إلى التغيير

الدكتور عبدالله تركماني

مرت موجتا تغيير ودمقراطية شهدهما العالم بعد الحرب العالمية الثانية دون أن تمسا واقع التأخر العربي ، ولكن بعد نهاية الحرب الباردة، وأكثر بعد جريمة أيلول/سبتمبر 2001، وخاصة بعد سقوط النظام الشمولي في العراق، دخلنا في مرحلة جديدة تماما جعلت زعماء عربا " يلمّسون على رؤوسهم " قبل أن يلمّسها " عمرو " .

وربما كان أكثر من عبَّر عن حالنا هو " تقرير التنمية الإنسانية العربية لعام 2002 " ، الذي قال لنا حقائق مخجلة عن واقعنا . ففي العام 1999 عندما كان عدد العرب قد وصل إلى
280  مليون نسمة -  وهو الآن حوالي 300 مليون -  فإنّ مجموع الناتج المحلي الإجمالي لاثنتين وعشرين دولة عربية وصل بالكاد إلى 531 مليار دولار، وهو رقم لا يصل إلى الناتج المحلي لدولة واحدة متقدمة حديثا هي أسبانيا . وإذا أخذنا بمؤشر نصيب الفرد العربي من الناتج القومي مقوّما بالقدرة الشرائية للدولار، فإنه لن يزيد على 14 % من نصيب الفرد في الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية . وإذا ما استمر معدل نمو هذا النصيب على أحواله الراهنة التي تصل في المتوسط خلال العقدين الماضيين إلى  0.5 %  فإنّ المواطن العربي سوف يحتاج إلى 140 عاما لكي يضاعف من دخله،  بينما نجح مواطنون في أقاليم ودول أخرى في مضاعفة دخولهم خلال عشر سنوات فقط .  وفي معرض تحليل معطيات التقرير فإن هناك فجوة عربية في المعرفة، وفجوة في الحرية والديمقراطية، وفجوة في حقوق الإنسان والمرأة خاصة  ، بالإضافة إلى الفجوة الهائلة مع العالم المتقدم في النمو الاقتصادي .

  ومرة أخرى، أطلقت نخبة من المثقفين العرب الكبار، عبر تقرير " التنمية الإنسانية العربية 2003 " الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي سنويا، صرخة مدوية لتدارك تأخر أبناء المنطقة العربية عن الالتحاق بركب التنمية والتقدم العالميين، ولاستنهاضهم من مستنقعات الجهل والانغلاق على الذات . وإدراكا للأهمية الاستثنائية التي تمثلها المعرفة، لكل زمان ومكان، في تنمية الشعوب وتقدمها عبر العصور، ونظرا إلى اتساع " الفجوة المعرفية " بين العرب وسواهم من أمم العالم، حتى في الدول النامية، أتى التقرير الجديد، وعنوانه " نحو إقامة مجتمع المعرفة في البلدان العربية " ، بمثابة علامة فارقة في عالم عربي يستشري فيه الجهل والأمية ويستبد فيه الطغاة والمتعصبون وتنتهك فيه أبسط حقوق الإنسان وتنتشر فيه الأمية .

ففي مجال استكشاف حال المعرفة في البلدان العربية، خلص التقرير إلى أنه " تعتري عمليات نشر المعرفة في البلدان العربية في مجالاتها المختلفة ( التنشئة والتعليم والإعلام والترجمة ) صعوبات عديدة أهمها : شح الإمكانات المتاحة للأفراد والأسر والمؤسسات، والتضييق على نشاطاتها . وكان من نتائج ذلك قصور فاعلية هذه المجالات عن تهيئة المناخ المعرفي والمجتمعي اللازمين لإنتاج المعرفة " .

 وتدل المعلومات المقدمة في التقرير على ركود في عدد من مجالات إنتاج المعرفة وبخاصة في مجال نشاط البحث العلمي ، إذ يعاني البحث العلمي في البلدان العربية انخفاض الإنفاق عليه ( إنفاق العالم العربي في الوقت الراهن على البحث والتطوير لا يتجاوز 2 % من إجمالي الدخل المحلي، ويدفع غالبه كرواتب ) . كما يعاني غياب الدعم المؤسسي له، وعدم توافر البيئة المؤاتية لتنمية العلم وتشجيعه، إضافة إلى انخفاض أعداد المؤهلين للعمل فيه . فلا يزيد عدد العلماء والمهندسين العاملين بالبحث والتطوير في البلدان العربية على 371 لكل مليون نسمة ، وهو أقل بكثير من المعدل العالمي البالغ 979 لكل مليون نسمة .

أما الكتب المنتجة في العالم العربي فلم يتجاوز عددها 1.1 % من الإنتاج العالمي، رغم أنّ العرب يشكلون نحو 5 % من سكان العالم . وبشكل عام، يتسم إنتاج الكتب في البلدان العربية بغزارة في المجال الديني، وشح نسبي في المجالات الأخرى . وتمثل الكتب الدينية نحو 17 % من عدد الكتب الصادرة في البلدان العربية، بينما لا تتجاوز هذه النسبة أكثر من 5 % من الكتب الصادرة في مناطق العالم الأخرى .

إنّ تجربة البلدان العربية في نقل الثقافة والمعرفة وتوطينهما، لم تحقق النهضة التقانية المرجوة، كما أنها لم تحقق عائدا استثماريا مجزيا . فاستيراد الثقافة لم يؤدِ  إلى توطينها، ناهيك بتطويرها أو توليدها . ورغم أنّ البلدان العربية استثمرت أكثر من 2200 مليار دولار بين عامي 1980 و1997 في بناء المصانع والبنية التحتية بشكل أساسي، فإنّ معدل الناتج المحلي الإجمالي للفرد قد انخفض بالفعل خلال تلك الفترة . فهذه الاستثمارات لم تؤدِ إلى انتقال حقيقي للتقانة ، لأنّ ما جرى نقله هو وسائل الإنتاج لا التقانة ذاتها ، إضافة إلى غياب الجدوى الاقتصادية لكثير من تلك المصانع .

وجاء في التقرير أيضا أنّ البلدان العربية خضعت منذ عهود الاستقلال إلى أنظمة سياسيـة " وطنية " لم تستطع أن تتخلى عن نزعات الاستبداد المتحدرة من عصور التاريخ القديمة والمتأخرة . فظل هامش الحريات محدودا في مواطن ، أو غائبا تماما في مواطن أخرى ، مؤثرا بذلك في " أخلاق " الناس وقيمهم العملية . وساهم القمع والتهميش في قتل الرغبة في الإنجاز والسعادة والانتماء، ومن هنا ساد الشعور باللامبالاة والاكتئاب السياسي، ومن ثم ابتعاد المواطنين عن المساهمة في إحداث التغيير المنشود في الوطن .

وفي السياق السياسي، تبدو المعوقات السياسية لاكتساب المعرفة اشد وطأة من معوقات البنية الاجتماعية والاقتصادية التي خلص التحليل إلى أنها كانت، بدورها، أبلغ تعويقا من أي سمات ثقافية . فالسلطة السياسية في البلدان العربية تعمل على تدعيم النمط المعرفي الذي ينسجم مع توجهاتها وأهدافها، وهي بالضرورة تحارب الأنماط المعرفية النقدية والمعارضة . ويشكل عدم الاستقرار السياسي والتمييز بين المواطنين واحتدام الصراع والتنافس على المناصب بين أهل الولاء ( أهل الكفاءة إما مهمّشون أو مهاجرون أو منفيون بسبب مواقفهم السياسية )، النابع من الافتقار إلى قاعدة ثابتة ومقبولة للتداول السلمي على السلطة، أي للديموقراطية، عائقا أساسيا أمام نمو المعرفة وتوطنها النهائي وترسخها في التربة العربية .

إن القضايا التي ينبغي أن تكون محور تفكيرنا اليوم كثيرة جدا وتكاد تحتل جميعها مرتبة الأولوية ، وهنا مصدر الصعوبة التي لا غنى لنا عن أن نواجهها بشجاعة . ونكتفي، هنا، من هذه القضايا بالعناوين الآتية، التي نقدمها في صيغة أسئلة وتساؤلات : ماذا أعددنا لكي نواجه، مع الشعبين الفلسطيني والعراقي ، حقبة محاولة فرض الحل الصهيوني للقضية الفلسطينية وحقبة ما بعد الاحتلال الأمريكي للعراق، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وخططا للحاضر والمستقبل ؟ ما هي الدروس التي ينبغي استخلاصها من الحرب الأمريكية – البريطانية على العراق، بدءا من مراجعة نقدية للماضي، وصولا إلى بلورة خطط عملية للحاضر والمستقبل ؟ هل تتوافر شروط حقيقية لصياغة مشاريع ديموقراطية للتغيير، تحول دون احتمال قيام مشاريع ظلامية أو حروب أهلية تغرق بلداننا في المزيد من التأخر والمزيد من الأزمات ؟ مَن هي القوى المؤهلة لصياغة تلك المشاريع الديموقراطية، وما هي أدواتها وما هي قدراتها على جعل تلك المشاريع قادرة على جذب الجماهير إليها، بعد كل الخيبات التي أُصيبت بها مشاريع التغيير في الحقبة الماضية ؟ ما هي إمكانات بلداننا، حكومات وشعوبا وحركات سياسية وثقافية، للالتحاق بالحركة العالمية المناهضة للحرب وللعولمة المتوحشة، من أجل أن يكون لبلداننا مكان في صياغة مستقبل العالم ؟ ما فائدة الشعارات المضخمة إذا كنا لا نستطيع حمايتها ، وما فائدة الأسلحة إذا كانت ستزول في أيام ؟ وهل تتعلم بقية الحكومات العربية التي تمارس القمع بحق مجتمعاتها وشعوبها من تجربة العراق ؟  وهل تستطيع الدول التي لم تتعاطَ - بعد – مع متطلبات التغيير والإصلاح والديموقراطية بأن تبقى على حالها دون إصلاحات وتغييرات وتجديد ؟ وهل تقبل المجتمعات العربية بأن تحكم بشعارات بينما تحرم من الخبز والحقوق وأسس الحرية والكرامة الإنسانية ؟ .

كلما تابعنا نزيف الدم على الأرض الفلسطينية أو المعاناة التي يشعر بها العراقيون تحت الاحتلال ، أو معاناة أكثر الشعوب العربية الأخرى في ظل أنظمة الاستبداد، تأكد لنا أكثر من أي وقت مضى أنّ هناك طريقا واحدا وسبيلا واضحا ، وهو القيام بعملية مراجعة شاملة لجوانب حياتنا ومواجهة شجاعة مع مشاكلنا ومصارحة أمينة لشعوبنا التي لا تقتات بالشعارات ولا تعيش بالأحلام ولا تقودها الأوهام، إذ لا بد من وعي صادق ومكاشفة كاملة تطفو فيها الحقائق على السطح وتختفي منها الازدواجية التي نعيش فيها ، وتتقدم الشفافية لتصنع مجتمعا عربيا جديدا ذا مصداقية واحترام في عالم اليوم ، يواجه مشكلاته بوضوح ويتعامل معها بشكل مباشر وينفتح على الغير وترتفع فيه قيم الإنسان وكرامته وتقل معه صلاحيات الحاكم الفرد . كما لا يجب أن يغيب عن الذهن أنّ تيار الإصلاح الذي نتحدث عنه والمراجعة الشاملة التي نريدها هي أمور لن تتحقق بغير إرادة عامة تلتقي حولها كل قوى التغيير والديمقراطية والسلام،  وتجمع عليها الأمة ويتحقق لها قبول وطني وقومي شامل .

إنّ الشهور الماضية منذ 9 نيسان/أبريل 2003، بما أفرزته من شعور بالهوان وإحساس عميق بالثمن الباهظ والفاتورة الفادحة التي ندفعها نتيجة للأنظمة الشمولية ودوائر الحكم المغلقة، تدعونا اليوم إلى المضي نحو عملية إصلاح شامل لا تتجه إلى تغيير القيادات الفاسدة والمفسدة فحسب، بقدر ما تتجه إلى تغيير السياسات وأنماط التفكير وأساليب الإدارة . لقد آن الآوان لكي يتحرك العرب نحو الإصلاح الجاد والتفكير الشامل والابتعاد عن العشوائية السياسية مع القدرة على الموازنة بين المصالح الوطنية والقومية والضغوط الخارجية، إنه وقت للصحوة المطلوبة والرؤية الغائبة والرشد المنتظر.

لقد حان الوقت للتغيير ، لبدء الطريق نحو التخلص من التبعية والتهميش وإعادة إنتاج الفقر والتأخر والتفاوت والجهل والتسلط، وذلك من خلال الاعتراف بانهيار عصر عربي بأنظمته وأحزابه ومؤتمراته وعقائده، وإجراء مراجعة شاملة للشعارات الكبيرة المعتمدة على أفكار تجاوزها الزمن، ونقد للذات، والبدء بقبول وفهم الوقائع العالمية الجديدة وانعكاساتها المحلية ، ووضع حلول للحاضر والمستقبل لا تُستحضر من مفاهيم الماضي إلا بمقدار ما تنطوي على جدوى للحاضر والمستقبل .

 

                                                    الدكتور عبدالله تركماني

                                             كاتب وباحث سوري مقيم في تونس

 

                                                          teab@planet.tn