مخططات الإسرائيليين وخيارات الفلسطينيين

ماجد كيالي

لم تكن إسرائيل مطلقة السراح في سياساتها المتعلقة بالأراضي الفلسطينية المحتلة بقدر ما هي عليه في هذه المرحلة، فهي تستفرد بالفلسطينيين وتمعن فيهم قتلا وتدميرا، وإضافة إلى ذلك فهي تفرض إغلاقا كاملا على مدينة القدس (منذ أغسطس 2001) لتهويدها، وتوسّع النشاط الاستيطاني بصيغة النقاط الاستيطانية "العشوائية"، أيضا، وهي تقوم باقتطاع مساحة كبيرة من الأراضي الفلسطينية المحتلة، في شرق الضفة وغربها، في إطار "جدار الفصل العنصري".

وعلى الصعيد الخارجي فإن إسرائيل تتمتّع بجبهات يسودها الهدوء المطلق، حتى أنه ثمة نوع من التسابق من عديد من الحكومات لكسب ودّها أو رضاها! أما على الصعيد الدولي فالتحالف بين الولايات المتحدة وإسرائيل لم يبلغ، في أية مرحلة، ما بلغه في عهد إدارتي بوش وشارون، من التماهي السياسي والأيدلوجي، وثمة غطاء أمريكي يحول دون أي تدخّل أوروبي أو دولي، لا يتناسب مع الأهواء الإسرائيلية.

والمعنى من ذلك أن إسرائيل تسرح وتمرح في هذه المرحلة، من دون أي رادع، في تنفيذ مخططاتها العنصرية والاستئصالية إزاء الفلسطينيين، فهي ترفض استئناف العملية السلمية، بدعوى غياب شريك فلسطيني مناسب وبدعوى استمرار المقاومة وعدم إعطاء "جوائز" للفلسطينيين تشجعهم على انتهاج هذا الطريق! أيضا، وبالتوازي مع ما تقدم، فإسرائيل تقوم يوميا بصنع معادلات سياسية ووقائع جديدة، على الأرض، تمكنها من فرض املاءاتها ومخطّطاتها على الفلسطينيين ولو من طرف واحد؛ وهو ما أفصح عنه شارون مؤخرا، في محاولته للتملص من خطة "خريطة الطريق"، بعد أن دفن نهائيا من اتفاقات أوسلو.

في المقابل يعيش الفلسطينيون في حال من الاضطراب والفوضى السياسية والميدانية، فهم لا يمتلكون أية مخططات عملية، قابلة للتنفيذ، وحتى أنهم لا يمتلكون القدرة على وقف المخططات الإسرائيلية، تماما؛ خصوصا إنهم، من الأصل، يعملون في إطار معادلة صراعية جد مجحفة، فثمة فجوة نوعية وكبيرة لصالح إسرائيل: في موازين القوى، وفي مدى السيطرة الإقليمية، وفي مستوى الإدارة، وفي المعطيات الإقليمية والدولية؛ كما قدمنا.

أما عنصر التفوق الذي يملكه الفلسطينيون، في ظل انكفاء الاحتضان الإقليمي والدولي والخلل في موازين القوى، فهو يتمثل، فقط، في عنادهم وتضحياتهم وبطولاتهم، وعدا عن ذلك فهم لا يملكون إلا طرح الشعارات وخوض المجادلات السياسية والتسلّي بالمبادرات المتعلقة بطرح خيارات مختلفة ومتباينة!

ولعل هذا الوضع هو الذي يظهر كفاح الفلسطينيين، بمختلف تجلياته، وكأنه غاية في ذاته، لكأن الغرض منه الاستمرار في الصراع والاستنزاف المتبادل (مع حفظ الفارق)، نظرا لاستحالة تحقيق الإنجازات والانتصارات، في إطار المعطيات الحالية، مهما بلغت التضحيات الفلسطينية.  

وهكذا بينما تتقدم حكومة شارون بالتلويح بخطة الانسحاب الأحادي الجانب، الذي يتأسس على ضم حوالي 40 بالمئة من الأراضي الفلسطينية المحتلة (خلف الجدار)، وترك الفلسطينيين يتخبطون في تحديد مصيرهم وتدبير أمورهم في دولة أو "إمبراطورية"، في ما تبقى لهم (بحسب شارون)، فإن الفلسطينيين لا يجدون مخرجا من الوضع الحالي سوى التلويح بخيارات نظرية، تتضمن العديد من الإشكاليات، ويبرز من هذه الخيارات، مثلا، الإعلان عن دولة فلسطينية من جانب واحد، في الأراضي المحتلة عام 1967، أو التخلي عن مطلب الدولة لصالح خيار الدولة "ثنائية القومية"، كما يبرز بين الحين والأخر خيار حل السلطة الفلسطينية وفتح الصراع على مصراعيه وترك إسرائيل لتدبر أمرها مع المجتمع الفلسطيني، في هذه الأوضاع.

وبالنسبة لخيار إعلان الدولة الفلسطينية من طرف واحد في الضفة والقطاع، مثلا، فإن مفاعيل هذا الخيار ستكون نظرية فقط، كون الأوضاع العربية والدولية، غير مهيأة للتعاطي مع مثل هذه الخطوة بشكل جدي. أما إسرائيل فسترى في هذا الإعلان مبررا لها لضم أجزاء كبيرة من الأراضي التي تقع تحت سيطرتها (المنطقة ج) بحسب اتفاق أوسلو، وهي تعادل 60 بالمئة من أراضي الضفة، كما ستخلي مسؤوليتها من تبعات سيطرتها على فلسطيني الضفة والقطاع، وستعطي نفسها المبرر لتحميل السلطة الفلسطينية كامل المسؤولية عن أية عمليات مقاومة تتعرض لها. بمعنى أخر فإن لهذا الإعلان قيمة سياسية نظرية، وهو يأتي في سياق التهديد (الأجوف) إذ أن السلطة تخلت عن هذا الخيار في ظروف أفضل من تلك التي تحيط بها اليوم؛ في المرة الأولى من أجل التسهيل على باراك منافسة نتنياهو على منصب رئيس الوزراء في إسرائيل (1999)، وفي المرة الثانية في العام 2000 منعا لإحراج باراك ونزولا عند مطالب دولية وإقليمية، وفي المرة الثالثة في العام 2001، بعيد صعود شارون إلى السلطة.

أما الخيار الثاني المتعلق بالتخلي عن مطلب الدولة المستقلة والتوجه نحو مطلب الدولة "ثنائية القومية"، فهو أيضا يأتي في سياق التهديد النظري، وليس في سياق الخيارات المدروسة. وعلى أية حال فإن هذا الخيار يعني التخلي عن هدف الاستقلال في دولة من دون تحقيق هدف الدولة الثنائية القومية؛ حيث أن الطرف الأخر يرفض تماما هذه الفكرة ويرى فيها تقويضا للمشروع الصهيوني. ومعنى ذلك أن هذا التوجه، بمعناه القريب والمرحلي، سيفترض إخضاع الفلسطينيين للقانون الإسرائيلي القائم على الاحتلال والقسر والتمييز العنصري، والعيش في كانتونات منعزلة تحت السيطرة الإسرائيلية المباشرة. وفوق كل ذلك فإن هذا التوجه سيضع السلطة الفلسطينية في مواجهة أحد خيارين: إما حل نفسها، أو اعتبار نفسها أداة للإدارة الذاتية للسكان الفلسطينيين. وربما أن في هذا الخيار اعترافا بالأمر الواقع وتحايلا على الزمن، ومحاولة لرسم معادلات سياسية جديدة توسع نضال الفلسطينيين من استعادة الأرض إلى تحقيق المساواة ومن الحقوق الجماعية إلى الحقوق الفردية، ولكن لهذا الخيار اشكالياته وشروطه السياسية والفكرية، وهي غير متوفرة في البيئة السياسية الفلسطينية الحالية.

  وبالنسبة للخيار الثالث، الذي ينبني على فكرة حل السلطة الفلسطينية، نهائيا، وتحميل إسرائيل المسؤولية عن تدهور عملية التسوية وعن المجتمع الفلسطيني، وفتح الصراع على مصراعيه معها، فإنه يحمل في طياته التخلي عن إنجازات فلسطينية، تم تحقيقها في ظروف معقدة وصعبة ومريرة، من دون السيطرة على عواقب ذلك. كما أن هذا الخيار ربما يضعف وحدة الشعب الفلسطيني، لا سيما أن منظمة التحرير الفلسطينية تراجع دورها وتآكلت مكانتها، ولا يمكن أن تعوض عن انتهاء دور السلطة الفلسطينية، في المعطيات الدولية والعربية الراهنة. ولا شك أن هذا الخيار، من الطبيعة الصفرية، يمكن أن يؤذي إسرائيل، ولكن التجارب أكدت بأن هذه الدولة، بإمكانياتها وعلاقاتها وإدارتها، قادرة على استيعاب هذا الأمر وتجاوزه، خصوصا في الظروف الحالية.

إزاء كل ذلك فإن مشكلة الفلسطينيين لا تمكن في الخيارات، فهي متعددة، فعدا عن تعقيدات الصراع ضد المشروع الصهيوني ومداخلاته الدولية والإقليمية، فإن مشكلتهم تكمن أساسا في ضعف تنظيمهم وتخلف إدارتهم لأوضاعهم، وفي عدم استعدادهم للإجماع على أي من هذه الخيارات في ظل الفوضى الحالية التي تسود الساحة الفلسطينية، وغياب الأطر التشريعية فيها، وسيادة الروح الشعاراتية العاطفية في الشارع الفلسطيني، وطغيان البعد التنافسي بين الفصائل الفلسطينية لا سيما بين السلطة والمعارضة على حساب المصلحة الوطنية.

والنتيجة فإن على القيادات الفلسطينية إجراء نوع من محاسبة الذات، وإعادة التقييم للمسيرة وللتجربة، وخصوصا تجربة أربعين شهرا من الانتفاضة والمقاومة، لمعرفة أين كنا وأين أصبحنا؟ أين أخطأنا وأين أصبنا؟ أين تقدمنا وأين تعثرنا؟ بدلا من التسلي بالمبادرات أو بالتنافسات والمزايدات الفصائلية الضيقة، التي لا تفيد إلا في تكريس الفوضى واستنزاف القدرات في غير مكانها.

وفقط فإن محاسبة من هذا النوع يمكن أن تعيد تنظيم النقاش وترتيب الاولويات الوطنية، في الساحة الفلسطينية، لإخراجها من حال الانسداد السياسي التي تمر بها، وانقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.