عقلانيات وإرادات

لا سياسيين ولا فلاسفة :

مدخل إلى توصيف حالة (النص نص)

 

كثيراً ما يشكل الخلاف حول المسائل السياسية تحرزات واتهامات أخلاقية في الوعي العربي السائد. والغريب في الأمر أن الذين يتناولون الشأن السياسي من مواقع فلسفية لا يلتزمون بطبيعة العمل الفلسفي الذي يقبل التيارات المتعددة التي تنهل السياسة من بعضها كالوظيفية   والبراغماتية.

والواقع أن عدم الاعتراف بتلك التيارات يعود إلى عدة أسباب منها المنهل الواحدي الذي ينهل منه أغلب الذين صدّرتهم بلداننا العربية إلى الفلسفة الماركسية ليعودوا لنا برؤية إيديولوجية لا ترى إلاّ نفسها وتكفر وتعهر ما عداها، أو لاختلاطات بين الأخلاق التي هي" ما يجب أن يكون" تعريفاً وبين السياسة التي تقبل تعريفاً يتوافق عليه الكثيرون وهو" ما هو ممكن"،وهو في الأساس يعود في جذره غلى طبيعة الثقافة الدينية- الأخلاقية التي حبلت بها منطقتنا وكانت –كما يفخر الكثيرون- منطلقاً لتصديرها إلى الخارج كمشاريع إنسانية وحضارية ، تضفي على الامتداد العسكري حمولة إنسانية تجعلها تفيض بالتبرير الذي يحول الغزو إلى فتح ، ولا يفهم أن الحامل الأخلاقي لا يُشكل في المنظور الشامل للحراك العسكري ، إلاّ جانباً واحداً فيما يشكل الهاجس الاقتصادي والكمون التوسعي جوانب أخرى تمثل وزناً وثقلاً لا يستهان بهم .

 فضلاً عن هذا وذاك  فإن التداخلات بين البحث الفلسفي الذي لا يأخذ مداه إلاّ بدون ربطه (أحياناً) مع الشأن الآني الذي تمثله السياسة اليومية حصراً و العمل السياسي ، قد كانت بمثابة عامل في عدم إنتاج الفلسفة في العالم العربي ، وعدم شرعنة الأصول البراغماتية والوظيفية و(الميكيافيلية) للسياسة التي لا تزال حتى وقتنا هذا متهمة وتبعث على الإدانة من منظور أخلاقي لا يريد أن يتعامل مع السياسة بلغتها ولا يريد أن يعترف أن التنوع الفلسفي هو شأن غير مرزول .

 لم يتوافر للذين تعاملوا بالشأن الفلسفي في بلداننا ذلك الهامش من عدم الخلط الذي تفرضه "حالة التعبئة"( الممتدة منذ الاستعمار إلى إسرائيل ولا تريد أن ترحل عنّا مع الاحتلال الأمريكي للعراق) وهي أسوأ ما شهدته الحالة الفلسفية العربية التي بقيت مأسورة بوضعية الذات المستباحة والجرح النرجسي والهوية الضائعة، بل وغير المتعيّنة، والتي كانت السياسات (كما الفلسفات) ترهنها وتجعلها تابعة لها.

لا تستطيع  السياسة (العملية) أن تتحمل  تلك الحمولة الأخلاقية المُفرطة التي أرادت العقلية السياسية العربية أن تركِّبها عليها سواء بالحمولة الأخلاقية الدينية أو الرسالية القومية أو النظرية الاقتصادية الماركسية في يوتوبياها التي رُسمت في اللادولة وديكتاتورية البروليتاريا أو حتى في الشيوعية والإنسان الاشتراكي، وهي حتى لم تستطع أن تكون استراتيجيات في اللحظة التي اكتشف فيها الإيديولوجيون أن تلك الحمولة ستجعلهم يمارسون الفعل السياسي ببلاهة توقعهم في الكوارث السياسية.

وهذا ما يفسر(نعني الحمولة الإيديولوجية اليوتوبية والأخلاقية) لماذا تجد النظرية التأمرية مكاناً في الوعي واللاوعي الفلسفي السائد عندما يندس في الحياة الآنية للسياسة، إذ أن الرؤى الأخلاقية واليوتوبية تقيم موقفاً ضمنياً لا يقبل إلاّ المانوية طريقة لتفسير (والإدعاء بعيش )الحياة ، والتي ترسم الأمور بين خير مطلق تمثله وشرّ مستطير يمثله الخصوم ، الأمر الذي يستحيل إلى مؤامرة في أقصى تجلياتها أو اتهامات بالانتهازية ، التي تصبح مسبة أخلاقو-سياسية أيضاً في الوقت الذي لا يراجع مطلقوها أنفسهم ليكتشفوا كيف يمارسونها في حياتهم اليومية بأشكال ودرجات تكاد أن تجعلها كما البراغماتية والخير والشر جبلة من التكوين الإنساني ، الذي يهرب من مواجهة ذاته بلعن الآخرين.

تحتاج السياسة إلى سياسيين بالمعنى التقني للكلمة ، لكنها تحتاج وعلى التوازي مع ذلك إلى العمق الفلسفي .

لكن المخاطر كل المخاطر تكمن في أن نجد أمامنا تقنيين فقط فينزلون إلى درك أدنى من التعامل السياسي ، أو أن نجد فلسفيين فقط يحولون السياسة إلى تنظير ومعالم عامة لا معنى فعلياً لها.

فمسألة الرؤى الأخلاقية واليوتوبية تدفع إليها الثقافة الفلسفية المحض، فيما تدفع التقنية إلى فهم أدواتي يفتقد إلى العمق .

بين هذا وذاك تكمن مأساتنا السياسية، وفي الغالبية لا الإجماع لا تقنيين ولا فلاسفة ، والمسألة برمتها تُحال إلى ضرب من النوسان بين موقفين الجمع النوعي بينهما هو الذي يرسم السياسة الفعلية.

الغريب فعلياً لدى بعض الذين يرتادون الفلسفة ويقرضون! السياسة أنهم لا يعرفون ، أو في أحسن الأحوال لا يقبلون الفلسفة الوظيفية أو البراغماتية أو الأداتية وهي فلسفات مُقاربة بين الفكر الفلسفي والسياسة وعلم الاجتماع، على الرغم من أنها باتت اليوم تُدرس في الأكاديميات الغربية السياسية والفلسفية وفي علم الاجتماع أيضاً.

نعم، غريب أمر هؤلاء ؛ انتقائيون بصورة لا تسمح بها أخلاقيات العمل الأكاديمي الفلسفي، أو ضرورات العمل السياسي التقني ، والأخطر من هذا وذاك أنهم يريدون الارتقاء بالسياسة، فمن المُصلِح ومن المُصلَح.

هذه حقيقة علينا أن نواجهها ؛ وهي أن المصلحين يحتاجون إلى إصلاح ، والمتنطحين للتغيير يحتاجون إلى إعادة تأهيل. لكن الحقيقة التي تبقى تفرض نفسها بقوة هنا تتمثل في أن من شبّ على شيء شاب عليه ، ومن لم تدفعه بنيته الشخصية وطبيعة ثقافته لكي يكون منفتحاً على الفهم لن يتغير(في الغالب)، ويبدو أننا سننتظر حتى ينشأ جيل جديد يتعلم السياسة وظيفياً وأداتياً وبراغماتيةً ، ويطوي صفحة الإيديولوجيات الكبرى (وإن كان لا يجب عليه أن  يطوي ولا ينبغي له أن يطوي الحلم اليوتوبي تماماً)، والأهم أن يطوي صفحة (النص نص ) التي لم تخلق فلاسفة وأضاعت فرصة خلق سياسيين بالمعنى الاستراتيجي للكلمة ، على نطاق واسع.

د. عماد فوزي شُعيبي

ishueibi@scs-net.org