هل يشكل خيار الدولة ثنائية القومية بداية هجوم سياسي فلسطيني؟

ماجد كيالي

جاء تصريح أحمد قريع، رئيس الوزراء الفلسطيني، بإمكان توجه الفلسطينيين نحو مطلب البقاء في دولة واحدة "ثنائية القومية"، والتخلي عن مطلب الدولة المستقلة بمثابة تهديد لإسرائيل، على استمرارها في انتهاج سياسة التقتيل والتدمير ضد الشعب الفلسطيني وقيامها ببناء جدار الفصل العنصري وتعزيزها الاستيطان وتملصها من استحقاقات عملية التسوية، المتمثلة بقيام دولة فلسطينية مستقلة، في الضفة والقطاع المحتلين.

ولكن نقطة ضعف هذا التصريح متعددة المستويات، فهو جاء كردة فعل شخصية على السياسة المتعنتة والإرهابية التي تنتهجها إسرائيل ضد الشعب الفلسطيني، أي أنه ليس نتاج إطار تشريعي فلسطيني، كما أن خيار الدولة ثنائية القومية لم يجر تبنيه في أية استراتيجية سياسية رسمية للفلسطينيين، والأهم من هذا وذاك أن هذا الخيار يأتي قبل نيل الشعب الفلسطيني لحقه في تقرير المصير.

وبرغم كل ذلك فإن تصريح أبو علاء هذا، إن أحسن استثماره، ربما يضفي ملامح جديدة على الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيلي، فهو، أولا، قد يمهّد لتحول استراتيجي في الصراع التفاوضي بين هذين الطرفين، من صراع على الأرض إلى صراع على البشر، أيضا، كونه يشتمل على تفكيك المشروع الصهيوني في إسرائيل ذاتها؛ وهو ثانيا، ينقل الفلسطينيين إلى مرحلة سياسية مختلفة وربما إلى وضعية الهجوم السياسي، خصوصا في ضوء التراجع في مكانة إسرائيل على الصعيد العالمي، في ظل بناء "سور برلين" أو نظام أبارثايد جديد وفي ظل الجرائم التي ترتكبها بحق الفلسطينيين؛ وهو ثالثا، يحول خيار الدولة "ثنائية القومية" من كونه مجرد خيار يتبناه عدد من الأكاديميين والمثقفين والسياسيين، في الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، إلى خيار مطروح للنقاش في الإطارين الرسمي والشعبي.

ويبدو أن الفلسطينيين، بعد تجربة عشرة أعوام على اتفاق أوسلو، وبعد كل التملّصات الإسرائيلية من استحقاقات التسوية، المترافقة مع فرض الوقائع التي تكرس الاحتلال، باتوا مقتنعين بضرورة تغيير المعادلات السياسية، التي اشتغلوا عليها في العقود الثلاثة الماضية، منذ تبنيهم البرنامج المرحلي في العام 1974.

وبرغم ذلك فإن تسليم الفلسطينيين باستحالة إقامة دولة لهم، قابلة للحياة وذات تواصل إقليمي فوق 22 بالمئة من أرضهم التاريخية، لا يعني أنهم يسلّمون بهزيمتهم إزاء المشروع الصهيوني، فهم بخيار الدولة ثنائية القومية يوسّعون مفهومهم للصراع مع هذا المشروع، من الصراع للانفصال في جزء صغير من أرضهم، إلى الصراع للتعايش على كامل من أرض فلسطين التاريخية، ومن الصراع في الإطار السياسي فقط، إلى الصراع في مجال حقوق الإنسان والحقوق المدنية وحقوق المواطنة، أيضا، لا سيما أن خيار الدولة ثنائية القومية يدمج بين حقوق الأفراد والحقوق القومية.

على أية حال فإن الفلسطينيين سيخسرون بخيار الدولة ثنائية القومية حلمهم ومطلبهم بالدولة المستقلة المفترضة، لكن هذه الخسارة المرحلية ستعوض بالربح على المدى الاستراتيجي، فالفلسطينيون من خلال هذا الخيار سيحفظون وحدة أرضهم التاريخية ويحققون وحدة شعبهم. أما من وجهة نظر الصراع ضد المشروع الصهيوني فإن هذا الأمر يمكن أن يشكل هزيمة تاريخية لهذا المشروع، فالدولة "ثنائية القومية"، ربما، تقوض مشروع الدولة اليهودية ـ الصهيونية، وقد تخلق المجال، لاحقا، لفتح مسارات تحول الدولة الثنائية إلى دولة لكل مواطنيها، أو إلى دولة ديمقراطية علمانية.

ولكن ما ينبغي التنويه إليه هنا هو أن خيار الدولة الثنائية القومية أصعب بكثير من خيار الدولة المستقلة بالنسبة للفلسطينيين، فهو خيار ترفضه إسرائيل تماما، بعملها وليكودها، فإذا كان حزب العمل مع خيار الدولة الفلسطينية، لأنه يتيح له التخلص مما يسمى بالخطر الديمغرافي الفلسطيني ويحفظ طابع إسرائيل كدولة يهودية، وإذا كان الليكود بات يتجه، إلى حد ما، نحو تبني أطروحة الدولة الفلسطينية، على أقل مساحة ممكنة من الأرض الفلسطينية، فإن خيار الدولة الثنائية مرفوض تماما من غالبية الطيف السياسي الإسرائيلي، لأنه يعني تقويض الصهيونية وتقويض يهودية إسرائيل، في آن معا؛ وهو أمر يخشاه الإسرائيليون ويرفضونه تماما؛ وهو ما أكدته تصريحات شارون وغيره من القياديين في الأحزاب الإسرائيلية، التي جاءت في معرض الرد على تصريح قريع.

لذلك فإن الإجماع الإسرائيلي سيظل متركزا على خيار الانفصال عن الفلسطينيين، لان هذا الخيار يضمن لهم تحقيق الميزات التالية:

أولا، التخلّص من الخطر الديمغرافي، والحفاظ على الطابع اليهودي لإسرائيل.

ثانيا، التحرر من العبء الأمني والسياسي والاقتصادي والأخلاقي، الذي أنتجه واقع الاحتلال وواقع صمود الفلسطينيين ومقاومتهم العنيدة له.

ثالثا، تحسين صورة إسرائيل على الصعيد الدولي، بعد أن باتت تظهر كدولة مستعمرة تمارس التمييز العنصري والقوة ضد أهل الأرض الأصليين.

رابعا، الحفاظ على صدقية إسرائيل كدولة ديمقراطية في المنطقة.

خامسا،التساوق مع الاطروحات الأمريكية المتعلقة بالترتيبات الشرق أوسطية.

على ذلك فإن خيار الدولة ثنائية القومية، بدوره، يستدعي الفلسطينيين للانخراط في صراع طويل ومضني ومعقد من أجل فرضه، فثمة فرق نوعي بين طرح الفلسطينيين لهذا الخيار بعد نيلهم حقهم بتقرير مصيرهم وبين طرحهم له قبل ذلك. بمعنى أن طرح هذا الخيار، في المعطيات الحالية، يتطلب من الفلسطينيين التخلي عن مطلبهم الخاص في الاستقلال، والقبول، أيضا، بالتضحية المتمثلة بالخضوع لقانون المحتل الإسرائيلي، القائم على القوة والتمييز العنصري ضد أهل الأرض الأصليين؛ ولعل تلك هي واحدة من أهم إشكاليات هذا الخيار.

على أية حال فإن الحديث عن خيار الدولة ثنائية الفلسطينية يمكن اعتباره بمثابة النقلة النوعية الثالثة في مسار الفكر السياسي، الذي انتقل من هدف التحرير الكامل (مع انطلاقة العمل الوطني في منتصف الستينيات) إلى خيار الدولة المستقلة في الضفة والقطاع (منذ منتصف السبعينيات). وقد تم الحديث عن هذا الخيار في مناخات انتفاضة 1987 ـ 1993، والتي جاءت في ظروف اختمار التجربة الكفاحية وانتقال ثقل العمل الفلسطيني من الخارج إلى الداخل، ما جعل للفلسطينيين في الأراضي المحتلة رأيا في تقرير مصيرهم بناء على رؤيتهم لأوضاعهم، وبعيدا إلى حد ما عن وصاية القيادات الرسمية في الخارج.

اللافت للانتباه أن معظم المشتغلين على هذه الفكرة إما من مثقفي الداخل(1948 و1967)، الذين يعكسون هموم مجتمعهم وقلقهم على هويته ومصيره متأثرين بتجربة التعايش السلمي والصراعي مع الإسرائيليين، أو من المثقفين الذين يعيشون في الغرب متأثرين بالعقلية الليبرالية، خصوصا، وأنهم أكثر إطلاعا على مدى قوة الغرب واحتضانه لإسرائيل في تحسسهم لمأساة الفلسطينيين ولهشاشة الوضع العربي.

وبغض النظر عن الخلفية التاريخية لنشوء فكرة "الدولة ثنائية القومية"، فقد كان ساري نسيبه أول مبادر لطرحها في المجال السياسي (في أواخر الثمانينات). ثم تبلورت هذه الفكرة ونضجت بفضل الأطروحات الأكاديمية الغنية التي قدمها كل من أسعد غانم ونديم روحانا وكمال الخالدي وسعيد زيداني، ولكنها لم تأخذ شرعيتها وزخمها، في النقاش الفلسطيني، إلا بتبني عزمي بشارة وإدوارد سعيد لها، بحكم مكانتهما السياسية والفكرية المتميزة في الساحتين الفلسطينية والعربية وعلى الصعيدين الإسرائيلي والدولي، وتعاملهما مع وسائل الإعلام.

ولكن المشكلة الأساسية لهذا الخيار أنه ظل حكرا على مجموعات من المثقفين، بسبب تعقيداته الاجتماعية والقانونية والسياسية، وبسبب طبيعية الثقافة السياسية في المنطقة، التي تركز على الحقوق القومية الجماعية في مقابل طمس حقوق الأفراد. لذلك فإن هذا الخيار لم يأخذ طريقه إلى الخطاب السياسي الفلسطيني الرسمي (طبعا ولا الإسرائيلي)، وحتى الآن لا يوجد فصيل واحد يعلن عن تبنيه له، خصوصا وأن الأحوال الراهنة لا تشجع أبدا على ذلك. فهل ينجح قريع في إدخال هذا الخيار إلى قلب الاستراتيجية الفلسطينية؟ وهل ثمة هجوم سياسي فلسطيني جديد؟ أم أن الأمر ليس إلا تصريح عابر؟!