السياسة والأخلاق: مدخل إلى قراءة أعمق

الدكتور عماد فوزي شُعيبي

نعلم أن هذه المادة من النوع الصعب حتى ليصدق أحياناً أن الفلسفة كما الرياضيات لا يفهم لغتهما إلاّ أصحاب الاختصاص ، ولكن ليعذرنا القارئ لأن موضوع السياسة والأخلاق بالصورة التي تُعرض بين بعض المثقفين أو السياسيين تبدو تفتقر إلى العمق المطلوب في كثير من الأحيان ، الأمر الذي يجعلنا نحاول تقديم مادة تتناول الأمر في عمقه بعيداً عن التبسيط الذي يضرّ في هذا المجال أكثر مما ينفع.

صحيح أنه من المطلوب أن تُقدم المادة الصحافية بأبسط لغة ممكنة حتى يقرأها ويفهمها ويتعامل معها استفادة الأكثرية من القراء ، لكن المسائل الإشكالية المُعقدة تحتاج أحياناً إلى أن تُكتب بلغتها ، وحسبنا أننا لا نكتب دائماً بهذه اللغة ، فلا نثقل على قارئنا دائماً ، لكننا تقدم بين الحين والآخر مادة الهدف منها رفع مستوى تناول القضايا الإشكالية، فالحقيقة أن أغلب من سمعناهم (يقرضون) السياسة لا يرقى إلى مستوى فهم عمق مسألة الأخلاق والسياسة ، واللافت أنهم يُحاكمون السياسة بلغة (ما يجب أن يكون) أي بغير لغتها لأن هذه هي لغة الأخلاق  وليست لغة السياسة، وهم للأسف  يخوضون في شيئ لم يعطوه حقه من النقاش . والهدف من هذه المُقاربة مع ريمون بولان البحث في العمق في هذه الإشكالية علنا عندما نُطالب بالحريات والديموقراطية أن نكون قد امتلكنا عمق فهم البنى التحتية لهما، أعني الفهم الأعمق والقدرة على الحوار بعقل بارد وليس بعقل مطلبي :

القيمة التي طالما  تُشتق من (القيام) بمعنى العزم أو بمعنى المحافظة والإصلاح أو بمعنى الوقوف والثبات، أي التوقف في الأمر من غير مجاوزةٍ له، والاستقامة بمعنى الاعتدال والعدل.

 لكنها في الفكر المعاصر كل ما له شأوٌ في التصور وفي العقل لدى أفراد وجماعات ، وجودٌ بمعنى جديد. هي وجود جديد يواكب معناه الوجود ينجم عنه طراز جديد من التفكير الفلسفي يراد تسميته بصيغة علم مستحدث تحت عنوان الأكسيولوجيا وهي علم القيم أو فلسفة القيم أو نظرية القيم؛ ذلك أن مفهوم القيمة مفهوم نشاط ذهني يتصور أمر ذا شأن ويسميه قيمة حيث الأصل الإغريقي لكلمة الأكسيولوجيا يدل على ما هو معنى ثمين أو جدير بالثقة.

والثابت أن الفلسفات الكبرى، كل الفلسفات تتكشف عن أنها فلسفات قيمة، ما دام كل واحدة منها تدعي تقديم قواعد للفكر وللعمل وللسلوك؛ فهي تسعى لتحديد صيغة الحقيقة وخاصة الحكمة، وتمّيز الواقع عن ظاهر الواقع أي تحدد الأمرين معاً.

ومن هذا التعريف المعمق للقيم  باعتباره مبحثاً لكل ما هو نفيس :

ُتطرح مسألة علاقة الأخلاق بالسياسة نفسها براهنية طالما أننا نتدخل في السياسة بأشكال مختلفة وطالما أنها تفرض نفسها علينا منذ صحونا حتى مماتنا، فالسياسة شأنها شأن الأخلاق تستهدف تكوين نمط معين من العلاقات الإنسانية المعرفة بحدود المعاني، وإقامته والحفاظ عليه والذود عنه وإيضاحه. لكن طبيعة العلاقات التي تعالجها السياسة تختلف اختلافاً كبيراً عن طبيعة العلاقات التي تتناولها الأخلاق، فعلى صعيد الأخلاق تقوم العلاقة بين (من نريد ومن يريد) لكن العلاقات في إطار السياسة تتسم بأنها من جراء طبيعتها الخاصة وبعضها يتحقق لأغراض سياسية.

 فجوهر السياسي ماثل في نظام مفروض من علٍ وخارجٍ على جماعة أفراد ينتمون إليه باعتباره خيراً مشتركاً للجماعة وشرطاً لوجودها وبقائها السليمين، عبر استعمال القوة أحياناً، ألم يُعرف لينين الدولة بأنها مُحتكر العنف؟.

لكن استعمال القوة لا يكفي لتمييز الأخلاق عن السياسة؛ لأن استعمال فرد من الأفراد القوة لا يشكل وضعاً سياسياً، بل وضعاً أخلاقياً تحدده خصومة حريتين تتجابهان تجابهاً عنيفاً؛ ذلك أن العلاقات الإنسانية التي تتناولها السياسة ليست علاقة فرد بآخر بل علاقة فرد بجماعة.

من منظور الأخلاق تعاد التسميات التي عهدناها وعرفناها في لغة السياسة ليصبح اسم الأعداء في السياسة هو (الأشرار) كما استخدمه ميكيافيل وهو موقفٌ أخلاقي بامتياز.

وإذ  يجري البحث  في تناقض الأخلاق والسياسة، فإنه يناقش الفرضيات الأربع التي توضح ذلك عندما تتغلب الأخلاق على السياسة أو السياسة على الأخلاق أو عندما تنفي إحداهما الأخرى أو عندما تخضع إحداهما للأخرى.

فعندما ُيبحث في الأخلاق بدون سياسة، ُيتخذ مثال أبيقور؛ حيث العدالة لا توجد وجوداً طبيعياً بل هي مجرد مواضعةٍ نفعية؛إذ أن السعادة القصوى تشترط فقدان الاضطراب ما  يطرح التساؤل اللاسياسي الذي يقول لماذا نتعرض للرغبات وللمخاوف الناجمة عن الوجود السياسي، فمن أجل السعادة الأبيقورية علينا أن نتحرر من سجن الأعمال والسياسة، لكن هذا يحيلنا إلى عبث ترفي ، فالأخلاق بدون سياسة وهمٌ أو نقصٌ تدع الإنسان أعزلاً متخبطاً متقوقعاً في عزلة واهية. أما السياسة بلا أخلاق فتبدو مفارقةً بإسرافٍ باعتبارها مجرد اتهام يشنه خصومة سياسة من السياسات لمحاربتها والإجهاز عليها.

صحيحٌ، أن كل تقنية (حتى التقنية السياسية) لا تنطوي بذاتها على دلالة أخلاقية لأنها ضربٌ من ترتيب يجمع دروبَ ووسائلَ مهيأة بغية الوصول إلى نتيجة معينة (فهي أمر حيادي من الناحية الأخلاقية)، إلا إذا أدمجت في سلوك إنساني شامل يمارسه من يمارسه لتحقيق بعض النتائج ، لكن الأمر هنا  يخطئ في  تقييم الوسائل المرتبطة بالغايات بصورة منفصلة عن فعل استخدامها مما ُينشئ هنا  ما يسمى بالتقنية السياسية التي تستوجب النجوع من حيث التنفيذ.

 وهنا ُيقرأ ميكيافيل بأفضل مما قرأه العرب جميعاً ، إذ ليس ثمة من التأمل المُبالغ  في إظهار أن التقنية السياسية لا يمكن أن تنفصل عن الأخلاق ابتغاء غاية من الغايات، إذ أن الاستيلاء على السلطة والاحتفاظ بها واستعمالها هو هدف تقني أو وسيلة للسياسة بالمعنى الأوسع أو الأخلاق لها؛  فميكيافيل يبحث عن القوانين المطابقة لطبيعة الأشياء أي لتأسيس جمهورية والحفاظ على دولة وحكم مملكة وتنظيم جيش وقيادة حرب ونشر للعدالة وزيادة للسلطة وهذه القوانين تصدر عن وجود بعض الوقائع مثل طبيعة الإنسان أو طبيعة المجتمعات الإنسانية وطبيعة الأهواء والرغبات وطبيعة العنف والسمة الضرورية للعلاقات التي تربط بعضها ببعض، ولهذا فهو يقر بأن كل سياسي لا يطبق هذه القوانين آيلٌ عمله إلى الإخفاق لا محالة.

وبهذا تكون أفضل قراءة ،غير ساذجة لميكيافيل، قد تحققت من خلال هذا القراءة الأخلاقية التي تفهم أن ميكيافيل قد حدد أيضاً القواعد العامة لكل سلوك سياسي متمثلة في: أن على السياسة أن تتصرف دوماً كما لو أن البشر كانوا على الدوام خبثاء وأشراراً، وأن القوة ضرورية لنجاح المشاريع السياسية، وأن فن القيادة يتضمن فن الحرب، وعلى هذا يجب على المرء أن يسلك سلوك إنسان وأن يلجأ في معاملته بشراً قادرين على التحلي بالذكاء، إلى القوانين وأن يستخدم القوة والمكر كالثعلب كلما وجد ذلك ضرورياً.

  لكن لفتةً تستحق الوقوف  في كل تلك القراءة المتوازنة قد سجلت أن ميكيافيل أول من نصح بالاعتدال وبالإنسانية. صحيح أن على السياسي أن ينتهي إلى الأسوأ لكن من الأفضل ألا يبتعد عن الخير إن استطاع. ومن النافع أن يكون محبوباً ومرهوب الجانب لكن من الأكثر طمأنينة أن يشيد صرح حكومته على الخوف  منه على الحب،  شريطة أن يعرف كيف يتحاشى الحقد لأن الإنسان يتصرف بالخوف على نحو أيسر من تصرفه بالحب. صحيح أن  ثمة استعمال سيء للسلطة القصوى ولكنه استعمال حسنٌ لها عندما تكون ضرورية للأمن ، ذلك أنها وحدها تتيح ضمان أكبر خير للرعايا قدر المستطاع.

 وإذا يُستدرك هنا أن مفردات هذه القواعد مستمدة جزئياً من الأخلاق ،فإن القراءة المتزنة لها تراها قواعد تقنية وحسب و ترى أنها تؤلف حساباً غائياً دقيقاً يتكيف مع نوعية الواقع السياسي؛ فهي لا تتصل بغايات سياسية محددة ،وكذا  فهي لا تتصل بما ينبغي أن يكون"،وهو تعريف الأخلاق المحض دون معاملات الواقع". فهي تتصل بالواقع وبالقوانين الضرورية معترفين هنا بأن تحليلاً نادراً جداً كتحليل كهذا  لميكيافيل لم يفز بالقبول اليسير كما هو، أي من حيث أنه تعبير مجردٌ أعظمَ التجريد لدى واقعية سياسية حقيقية وأنه كتحديد لتقنية سياسية محضة لا ُتعنى إلا بتفاعل القواعد الطبيعية بين الناس من شأنها أن تصلح في خدمة أية قضية سياسية.

من النادر أن نرى تحليلاً هادئاً وبارداً لميكيافيل كما هو الحال في هذا السياق ، في وقت اعتبر فيه الباحثون الاستعمال الفعلي لأخبث الوسائل في سبيل بلوغ أو خدمة سلطة سياسية واعتبار الناس كافة أنهم بطبيعتهم شاذون وماكرون هو أمر سلبي، فالمفردات الأخلاقية المتحررة من التقاليد ،التي يستخدمها ميكيافيل وتحليل الآليات السياسية ولاسيما في إطار العادات الأخلاقية القاسية، يوقع في اللبس لدى السُذج  وهنا تنعقد قراءة رصينة لميكيافيل الذي ينصح الأمير بأن يظهر التحلي بالفضائل التقليدية، أي بما يعني بداهة أن السلوك السياسي شأنه شأن السلوك القضائي يتعلق بالظواهر الخارجية من سلوك الناس دون النيات وهو شأن الأخلاق بالمعنى الداخلي.  لكنه يرى الأمور بعمقٍ أكبر فكل تأويل لفهم قوانين أو تقنيات السياسة مهما كان مضللاً يكفي لتأييد أن أية سياسة حتى تلك التي تنحل إلى تقنية محض لا يمكن أن تتملص من الدلالات الأخلاقية، فالسلوك الميكيافيلي يتنكر بادئ ذي بدء بطرحه علانية لجميع الفضائل الأخلاقية إلا عندما يمكن أن تفيد في سرعة تصديق العامة لخدمة أهداف السياسة ويكون من النافع التظاهر بها.

 لكن شرط الوجود الإنساني بالمقابل يكفي لعرض مبادئ أخلاقية لا تمنع مقدمات ميكيافيل المتشائمة من الإفادة من ينابيع الاختيار الحر والثقة بفعل الإنسان الماهر، فما هو ضروري للخير العام سيعرف بأنه عادل وبوجه عام ما يستجيب لضرورات الطبيعة البشرية وبدون الشعب أيضاً يتعذر في أخر المطاف الحفاظ عليه بشيء من الاستمرار والأمن.

و(اللقطة) التي تستدعي توقفاً مهماً هنا تكمن في  القول بأن ميكيافيل لم يطرح بصراحة مشكلة إيجاد مصلحة الدولة العليا، في حين أنه أجاد طرح عناصرها المقومة،  ذلك أنه لا يمكن أن يعتقد بأن ثمة خلافاً حقيقياً بين أوامر السياسة وأوامر الأخلاق،  فكلتاهما تصدر في نظره من ينبوع واحد هو الطبيعة الإنسانية وضروراتها، والتأويل يبلغ أبلغ أنواع التأويل؛ عندما ُيقر بأن الخلاف لا يقع بين نظامين من أنظمة القيم المتنافرة، بل يقع داخل تسلسل وحيد للقيم، فالتقنية السياسية تجد نفسها مرتبطة بمفهوم واحد عن الإنسان، الذي يوافق نوعاً من السياسة بالمعنى الواسع مع نوع من الأخلاق. والنجوع هنا يؤلف جزءاً من الارتباط بالضرورات فأخلاق ميكيافيل وسياستُه على حد سواء لا تتعلقان إلا بالأفعال، وبالتالي فاللوحة التي يرسمها ميكيافيل عن الأمير والدولة كما يحب لا ترضي مذهبة الأخلاقي فحسب، بل ترضي عدداً من الأخلاقيين على اختلاف مشاربهم إذ كانوا يرجحون الحرية والأمن على المساواة.

 فقد استطاع ميكيافيل بقلبه الأخلاق المسيحية رأساً على عقب، أن يقيم أخلاقاً جديدة إنسانية أرستقراطية جذرية. والخطأ،ليس خطأ أقل ، إذ حسب الباحثون أن القيم السياسية تتغلب في ضوء هذا الانقلاب على قيم الأخلاق الجديدة وتصبح أساساً لها، فأحياناً لابد من الاعتراف باتفاق الأمرين في أثار ميكيافيل اتفاقاً تاماً بوحدتهما، الأمر الذي يبين بأن لا وجود بالأصل- حتى عند ميكيافيل- سياسية بدون أخلاق  كما أن الوجود بلا سياسة هو وجود لا إنساني حيادي أخلاقياً ولا يطاق من جهة أخرى، فالاعتدال هو قانون الفضيلة وليست الأخلاق هي التي تنجب الحق بل الحق هو الذي ينجب الأخلاق، والخير والشر هما قيمتان أخلاقيتان، يخضعان لحكم العدل أو الظلم وهما قيمتان سياسيتان، كما أن القول بأن الأخلاق تشتمل على السياسة يتضمن افتراض وجود نظام كلي تكون الأخلاق مبدأه وتكون السياسة عنصراً من عناصره.

إن السؤال الأهم الذي ُيطرح هنا يتمثل  بوجود اتصال مستمر في الواقع بين الفضائل السياسية والفضائل الأخلاقية باعتبارها جميعاً تنتمي إلى مبادئ واحدة وتترصع في نظام واحد فأحكم الناس أفضل الحكام، والدولة المثلى علامة على الاتفاق البدهي بين السياسة والأخلاق.

وعلى هذا يمكن حل تناقض السياسة والأخلاق إذا ما تجاوزنا النظر من داخل العلاقات التي تربط إحداهما بالأخرى، فالحل من خارج بتسويغ الروابط التي تؤكد على العلاقة بين السياسة والأخلاق ومنع فهم الأمر سيطرة لإحداهما على الأخرى، بل انتماء كلتيهما وخضوعهما لنظام مشترك يشملهما ويتجاوزهما؛ أي أن الحل لن يوجد داخل دارة السياسة والأخلاق بل في واقع أو لدى كائن قادر على احتوائهما وتجاوزهما؛ أي عبر حرية الإنسان،  فهيغل حولهما إلى جزء من الضرورة التي يحيلها للعقل جزء من تجليات التاريخ فالآراء السياسية والقيم ليست سوى لحظة من لحظات التاريخ. وهنا تحقق وحدة الأخلاق والسياسة لكنه يرجع القيم الأخلاقية والسياسية إلى ظواهر عابرة مغلوطة.

وعلى هذا يتم الاتفاق على الإبقاء على التصور بأن الأخلاق والسياسة ماهيتان لا تنحل إحداهما في الأخرى وأنهما تؤلفان نظامين مختلفين بطبيعتها ومن المحال إرجاع أحدهما إلى الآخر لكنهما يندمجان في منظومة عمل متبادل؛ منظومة نوسان بين أنماطها المثالية ، وهنا يتعذر الإقرار بالصفة الجدلية التي تشد إحداهما إلى الأخرى.

كما أنه من المحال أن يوجد نظام سياسي خاص يحمل على ضرورة اعتباره النظام السياسي الوحي القادر على ضمان الوجود الإنساني أو استمرار حياة جماعة من الناس إذ لا توجد دولة كاملة وبالمقابل ينبغي أن يتاح لكل إنسان أن يقبل بحرية الدولة الناقصة التي يختارها بدون أن تتعرض حياته للخطر لا يمكن للإنسان إذا أراد البقاء في الحياة إلا أن ينتمي انتماء ضرورة تامة للدولة، فالسياسة لا تجري إلا مع حرية الأشخاص وأيضاً ضده، فالمادة الأولى في كل سياسة هي الحرية وهي الحرية المقيدة بحريات الآخرين، إذ أن على كل نظام سياسي قائم أن يجابه مطلباً داخلياً وهو مطلب الحرية وهو لن يرجو العثور على استمراره وسلامته إلا إذا أرضى هذا المطلب كما أن العدالة هي قيمة سياسية.