نحو مراجعة نقدية لمواجهة المتغيرات والتحديات الجديدة

 

بقلم: ماجد كيالي

 

مازالت الساحة الفلسطينية تعاني من الجمود والتكلس في بناها وفي شعاراتها وطرق عملها وعلاقاتها الداخلية والخارجية، برغم من التطورات التي باتت تحيط بقضية الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وبرغم من كل المتغيرات الدولية والإقليمية.

فقد شهدت ساحة الصراع العربي ـ الإسرائيلي، تحولات عديدة، خلال العقد الماضي، من ضمنها:

1 ـ هيمنة الولايات المتحدة على المجالين الدولي والإقليمي، وتفردها في معالجة الملفات الشرق أوسطية، بعد انهيار الاتحاد السوفييتي في مطلع التسعينيات.

2 ـ انكفاء البعد العربي في الصراع مع إسرائيل، لا سيما بعد تراجع مستويات التضامن العربي، على خلفية غزو العراق للكويت (1990) والتداعيات الناشئة عنه؛ وقد نجم عن ذلك انتهاء الدور التقليدي لفصائل المقاومة الفلسطينية في الخارج، بكل أشكالها وطرق عملها.

3 ـ ايلاء الدول العربية مزيد من الاهتمام لشؤونها الداخلية: الاقتصادية والاجتماعية، لمواجهة التحديات الناشئة عن مسارات العولمة، خصوصا مع بروز وجهات نظر تتحدث عن تضاؤل عوامل الصراعات التقليدية التي تتعلق بالأرض والتي تتوسل السلاح، لصالح التركيز على بناء المجتمعات وتوفير مستلزمات تطورها، وحل الصراعات بالوسائل الدبلوماسية ت السلمية.

4 ـ إطلاق عملية التسوية من مؤتمر مدريد (أواخر العام 1991) التي جعلت الصراع محدودا، أولا، بين الفلسطينيين والإسرائيليين؛ وثانيا، أنه بات يتعلق بمصير الأراضي المحتلة في العام 1967، وليس بوجود إسرائيل وقيامها في العام 1948؛ وثالثا، أنه بات يقتصر على وسائل المفاوضات والوسائل السياسية والدبلوماسية.

5 ـ قيام السلطة الوطنية، وهو ما حمل الحركة الوطنية الفلسطينية طابعا مزدوجا فهي سلطة وحركة تحرر، في آن معا، برغم مما لذلك من تبعات وتناقضات.

6ـ إخفاق عملية التسوية المتمثلة باتفاق أوسلو (1993)، واندلاع الانتفاضة (أواخر العام 2000)، نتيجة يأس الفلسطينيين من المماطلات الإسرائيلية وتخوفهم من انتشار المستوطنات ومحاولات إسرائيل فرض الاحتلال والتهويد والاستيطان كأمر واقع.

7 ـ تحول الانتفاضة من كونها حركة شعبية تتوسل وسائل العصيان المدني، إلى حركة مقاومة للمحترفين، تتوسل العمليات المسلحة، ومن ضمنها العمليات الاستشهادية، ما أدخل الانتفاضة في حال من التجاذب السياسي والميداني، انعكس على صورتها وعلى امكاناتها سلبا، وأدخل الفلسطينيين في حال من الفوضى والإنهاك، برغم من كل العناد والتضحيات التي يبذلونها.

8 ـ نشوء واقع دولي جديد يتمثل بتقبل العالم، ومن ضمنه 60 بالمئة من الإسرائيليين، لضرورة نشوء دولة فلسطينية، إلى جانب الرفض المطلق لعمليات المقاومة المسلحة، خصوصا التي تستهدف المدنيين في المدن الإسرائيلية، لا سيما أن حدث 11 سبتمبر (2001) في الولايات المتحدة الأمريكية، سهّل على إسرائيل وصم المقاومة الفلسطينية المسلحة بالإرهاب.

9 ـ احتلال الولايات المتحدة للعراق ووجودها بشكل مباشر في المنطقة، وهو ما يمكن أن يشكل تعزيزا لوجود إسرائيل كما يمكن أن يشكل إضعافا لها في المنطقة، إذ أنها لم تثبت جدارتها في الدفاع عن المصالح الأمريكية بل إنها تبدو يوما بعد يوم عالة وعبئا عليها.

المشكلة أن كل هذه التحولات لم تجد تمثّلا لها في الحالة السياسية الفلسطينية، التي تبدو وكأنها واقفة عند النقطة التي انطلقت منها في أواسط الستينيات، ما يهدد مصير الحركة الوطنية الفلسطينية المعاصرة، فأية حركة لا تتطور ولا تتجدد تشيخ وتنحسر وقد تتلاشى، ولعل مصير الحركة الوطنية الفلسطينية في الأربعينيات لأكبر شاهد على ذلك.

وفي هذا الإطار يمكن القول بأن حركة (فتح)، التي تحيي الذكرى السنوية لانطلاقتها ( في الفاتح من يناير 1965) تتحمل المسؤولية الأكبر عن المراجعة النقدية لأوضاع الساحة الفلسطينية. فهذه الحركة هي بمثابة العمود الفقري للعمل الفلسطيني، فهي كبرى المنظمات الفلسطينية، وهي لا تستمد ذلك من كونها تسيطر على قيادة منظمة التحرير أو لكونها تقود السلطة الوطنية وإنما لأنها، إضافة لما تقدم،  تتمتع بميزات أساسية، لعل أهمها:

أولا، أنها تحظى على شعبية واسعة في مختلف التجمعات الفلسطينية، داخل الأرض المحتلة وخارجها، في المنافي والشتات، وهذه الشعبية كانت تتأثر سلبا فتتراجع في بعض الأحيان، ولكنها تعود لتحافظ على مستوياتها؛

ثانيا، وجود ثقل ميداني حقيقي لها في الشارع الفلسطيني، في الانتفاضة وفي عمليات المقاومة المسلحة ضد الاحتلال. وثمة إحصائيات تتحدث عن أن هذه الحركة وراء 80 بالمئة من عمليات المقاومة التي استهدفت الوجود الاحتلالي الإسرائيلي في الضفة والقطاع، وهذا ما يفسر استهداف إسرائيل للقادة الميدانيين لفتح، في عمليات الاغتيال والاعتقال؛

ثالثا، قربها من المزاج الشعبي الفلسطيني، بسبب مرونتها الفكرية وثباتها على مواقفها وبسبب حفاظها على طبيعتها كحركة تحرر وطني، برغم كل الشبهات التي تحيط بها بعد أن أصبحت حزبا للسلطة وبرغم من جنوح قيادة هذه الحركة نحو عملية التسوية بكل ما فيها من التباسات وتناقضات.

رابعا، احتلالها موقعا وسطا في إدارة العمل الفلسطيني ومعالجة قضاياه، بعيدا عن التطرف الأيدلوجي والسياسي أو التعصب التنظيمي. فقد مزجت (فتح) بين كونها حركة ثورية وكونها حركة سياسية واقعية، لشعب مشتت يواجه عدوا فريدا من نوعه، وهذه الحركة أطلقت الكفاح المسلح ولكنها أولت العمل السياسي والدبلوماسي جزءا كبيرا من اهتمامها، وهي عملت على التخلص من وصاية الأنظمة العربية إلا أنها ظلت ترسخ العلاقة مع النظام الرسمي العربي الذي يهيمن على المجال الاجتماعي العربي، وهي عملت على تطوير العلاقة مع الاتحاد السوفيتي السابق ولكنها ظلت تعمل على تنمية العلاقات مع أوروبا والولايات المتحدة الأميركية، وهي نحت نحو التسوية ولكنها لم تتخل عن حقوق الشعب الفلسطيني التاريخية، كذلك فهي لم تنس مخاطبة مجتمع العدو (الإسرائيلي) بتبنيها مفهوم الدولة الديمقراطية العلمانية في فلسطين كحل للمشكلتين الفلسطينية واليهودية اللتين خلقتهما الحركة الصهيونية.

المهم أن الذكرى السنوية لانطلاقة حركة (فتح) ليست مجرد مناسبة للتغني بالإنجازات أو الاتكاء على تاريخ البطولات، كما يجري في العادة، فهذه الذكرى ينبغي أن تتحول إلى وقفة للتأمل وأن تكرس للمراجعة والنقد لاستخلاص الدروس والعبر، للإجابة عن تساؤلات الوجود والمصير، من نوع: أين كنا وأين صرنا؟ أين أخفقنا وأين أصبنا؟ ولماذا لم نحقق ما نريد برغم عظمة التضحيات والبطولات؟ وما هو الطريق الأقصر والأقوم لتحقيق الانتصار في المستقبل؟

أخيرا لا شك أنه ثمة تحديات وتعقيدات كبيرة تواجه العمل الفلسطيني في هذه المرحلة وعلى حركة (فتح) كما على غيرها من الحركات السياسية الحية والفاعلة في الساحة الفلسطينية العمل على دراستها على ضوء المصالح العليا للشعب الفلسطيني، بما يمكن هذا الشعب الصابر من استثمار تضحياته وبطولاته على شكل مكاسب وإنجازات على الأرض، لا على شكل شعارات أو أوهام في الهواء .