استحقاق الديمقراطية .. وبعض إشكالاتها

 

 

 

 

ý  الديمقراطية عملية تاريخية خضعت لكثير من مراحل التطور وتخللها كثير من التعرجات ، بل حتى الارتداد والانحرافات أحياناً . كما أن أرقى أشكالها الحاضرة ما تزال تتطلب الكثير من الإضافات التي تبدعها الشعوب وقواها الحية لتحقق أفضل استجابة لتطور البشرية واحتياجاتها المادية والروحية .

.. على أن اعتبار الديمقراطية عملية تاريخية ليس هدفه الانتقاص من قيمتها ، بل لتأكيد أنها ضرورة تخص الاجتماع البشري وتتصل أوثق الاتصال بحاجة الحرية التي هي شرط الوجود البشري ، وإنها صاحبت تطور البشرية عبر الأحقاب بهدف وضع القواعد الثابتة والآليات السليمة التي تحقق متطلباتها على أفضل الوجوه التي تسد ذرائع الاستبداد والعبودية !

على عكس هذا يسعى أعداء الديمقراطية لانتقاص قيمتها ومنع تحقيقها بحجج مختلفة : منها أنها مجرد ظاهرة وقتية هنا وهناك تفتقر لتطور مستقل تختص به . أو أنها تجسد مصالح طبقة معينة . أو أنها تفتقر لقوام موضوعي من الأسس والقواعد التي تجعلها صالحة لمختلف المجتمعات . ناهيك عن زعم البعض (خصوصاً في عالمنا العربي) أنها مجرد فرع من الثقافة الغربية يتعارض مع خصوصياتنا القومية أو هويتنا الدينية !؟

ý  عليه فنحن نعتبر أن استحقاق الديمقراطية يتصدر أولويات مجتمعنا ، خصوصاً بعد أن قطع (هذا المجتمع) أشواطاً واسعة من التجارب والآلام والتضحيات التي أصبحت أكثر من كافية لتحقيق هذا الهدف . وهو استحقاق يتعدى أي مطلب وقتي أو مكسب فئوي لمواجهة سلطة قائمة أو لمجرد استبدالها بأخرى . كما يتعدى مجرد الدفاع عن الديمقراطية بحد ذاتها بعد أن أصبحت حقاً بدهياً ومكسباً ثابتاً للبشرية كلها ، كي يرتقي بالديمقراطية إلى أولوية تحقيق صيغتها السياسية والدستورية والمؤسساتية من خلال قواعد ثابتة تجسدها التعددية .. وفصل السلطات .. وتداول السلطة بشكل سلمي .. إلخ ، باعتبارها تشكل الأساس الحقيقي لقيام الديمقراطية ومنع الالتفاف عليها بواسطة الشعارات الديماغوجية التي يتسرب منها التحكم والاستبداد !

ý  وبما أن هذا المستوى من قواعد الديمقراطية يتماهى مع الطور الذي حققته الديمقراطية في المجتمعات الغربية . فإن تحقيقه في مجتمعنا ما زال يصطدم للأسف بإشكالية الاصطدام بالهيمنة الإمبريالية . وهذه الإشكالية مزدوجة التأثير لأنها تحوي عائقين معاً : الأول هو أن إعاقة الديمقراطية ودعم الاستبداد في بلادنا يشكل ركناً ثابتاً في السياسة الإمبريالية بصرف النظر عن أكاذيبها الإعلامية . والثاني هو أن امتداد الهيمنة إلى حقل التخريب الثقافي والأخلاقي يلقى أرضاً مواتية لترعرع بعض الاتجاهات المحلية التي تعادي الديمقراطية أصلاً ، بحجة أنها نبتة غربية مستوردة وجزءٌ لا يتجزأ من الثقافة والسياسة الإمبريالية!؟

.. على هذا يقتضي وضع المواجهة ضد الإمبريالية والصهيونية في إطارها الصحيح الذي لا يضحي بالديمقراطية على طريقة التضحية بالطفل مع غسيله الوسخ . أي اعتبار الديمقراطية ضرورة مجتمعية قائمة بذاتها لإدارة حياتنا سواءً مع وجود الإمبريالية أو عدمها . وفي نفس الوقت اعتبارها شرطاً وطنياً بامتياز لمواجهة الإمبريالية نفسها .. خصوصاً مع اندفاعها للتغول والتوحش والعولمة التي تتجه أساساً لابتلاع المجتمعات الأهلية قبل سواها ، مما يجعل الديمقراطية سبيلها لمواجهة هذا الخطر أكثر من أي وقت مضى على الإطلاق !!

ý     عليه فإن استحقاق الديمقراطية يرقو إلى مستوى القيم والضرورات العالمية التي تخص البشرية في كل مكان ..

-        وهذه القيم ليست عالمية لأنها غربية . على العكس فإن الغرب هو الذي دخل مسرح العالمية من بوابة الديمقراطية وغيرها من القيم العالمية .

-    والعالمية نفسها ليست نقيضاً أو بديلاً للهوية المحلية ، طالما كانت الاثنتان تنطلقان من التعاطي الإيجابي مع قيم المشترك البشري التي تنفع البشرية في عموم دوائرها المحلية والدولية على السواء !

-   وهذا المعيار يقتضي أن يوجه تعامل مجتمعاتنا (العربية والإسلامية) مع الغرب إنطلاقاً من التفريق الدقيق بين حاجة النضال ضد الإمبريالية من جهة ، وحاجة الحوار والانفتاح والتواصل الخلاق مع المجتمع الغربي وفئاته الحية والشريفة استناداً لقيم المشترك البشري من جهة أخرى !

وهذا يتطلب من باب أولى التفريق بين مبادئ الديمقراطية الغربية نفسها من ناحية .. وسياسة الهيمنة والعنصرية الإمبريالية من ناحية أخرى . لأن هذا التفريق يشكل ضرورة معرفية وسياسية وأخلاقية ، دون أن يعني بالضرورة قبول العيوب أو الخيارات المختلفة التي صاحبت الديمقراطية الغربية دون تحفظ ، أو حتى اعتبارها شيئاً مكتملاً ونهائياً . وهذا يقتضي النظر إلى الديمقراطية الغربية باعتبارها تجربة غربية في الديمقراطية .. دون أن تدفعنا لرفضها كلياً أو الانكفاء عن الديمقراطية نفسها ، بل التطلع لتصويب هذه التجربة وإضافة الكثير من القيم والخيارات الثقافية والاجتماعية والأخلاقية ..إلخ ، والتي تجعل هذه الديمقراطية أكثر نفعاً لشعوبنا وللبشرية !

-    وينبغي أن يكون واضحاً أن هذه المواقف جميعاً تبرأ عن أي شعور بالدونية والتبعية ، أو الإحساس المفرط والمأزوم بالذات والهوية والموروث الديني والحضاري الذي يخص مجتمعنا . على العكس فهي تنطلق من الثقة أن هذا الموروث يحفل بالقيم العالمية التي تنأى بنا عن الإحساس بعقدة النقص أو التعارض والتصادم مع قيم البشرية المشتركة في جهات الأرض جميعاً .

-    كل هذا يتطلب رؤية التناقض الحقيقي الذي يواجه مجتمعنا بصفته تناقض مركب ومزدوج : لأنه يتجه من ناحية ضد قوى الهيمنة الإمبريالية والصهيونية التي تشكل اعتداءً على هذا القيم حتى في عقر دارها . كما يتجه من ناحية أخرى ضد قوى التسلط والدكتاتورية والاستبداد المحلي ، ومن خلفها دعوات التطرف والتعصب والتكفير والاستئصال المحلية ، التي تشكل مجتمعةً اعتداءً على قيم مجتمعنا ومصالحه المحلية والعالمية على السواء !

.. عليه فإن هذا التناقض هو أبعد ما يكون عن التبسيط والأحادية التي تغري البعض على الإمعان في معاداة الديمقراطية بحجة الدفاع عن الدولة .. أو الوطنية .. أو المعتقدات الدينية .. إلخ ، كما تغري البعض الآخر للانزلاق في فخ المخططات الإمبريالية تحت وهم الخروج من قبضة الاستبداد والدكتاتورية المحلية . وهو يتطلب من باب أولى وضع هذا التناقض المركب تحت الضوء .. وجعله أكثر قوة لكشف الأوهام وتحقيق المصداقية في تعبئة مجتمعنا حول حقوقه الأساسية في التحرر والديمقراطية معاً ، بجانب القوى الحية للبشرية دون استثناء !

ý  ولا غنى عن تأكيد أن المغالطات (المنوه عنها آنفاً ) ليست جميعها مجرد هفوات عرضية أو أخطاء مطبعية . بل غالباً ما كانت قناعاً تستخدمه القوى الغاشمة لافتعال التناقضات الداخلية التي تستنزف طاقة مجتمعنا وتقصم ظهره بهدف إبقائه فريسة الاستعباد الداخلي والخارجي على السواء !

-    في هذا الإطار تشكل علاقة الدين والعلمانية أحد أبرز الموضوعات التي نالها العبث والمغالطة في الماضي. كما عادت تشكل أبرز وسائل الحملة الجارية الآن لافتعال تناقضات جديدة غير مسبوقة تؤدي لإقحام مجتمعنا وفئاته الحية وسط حلقة مفرغة من الصراع الذي يشبه سكيناً تشطر الجميع إلى متدينين وكفرة ، بل تطال بهذا التكفير قضايا لا تنتهي .. كالتقدم .. والمعاصرة .. والقومية .. والوطنية .. والاشتراكية .. والدولة المدنية .. والحرية .. والديمقراطية .. وحقوق الإنسان والمواطنة .. إلخ .

ويتضح أن حجم هذه الحملة وأثرها لم تواجهه أية أمة أخرى على الإطلاق ، بل هي معدّة لأوضاعنا على وجه خاص. لأنها تتعارض مع ميل المجتمعات البشرية دون استثناء لموائمة قضاياها المعاصرة مع موروثاتها الدينية (حتى أكثرها بدائية) استناداً لمتطلبات الواقعية والاعتدال والمصالح والقيم التي تحقق الاستقرار والتقدم والنفع لحياتها وأجيالها القادمة . هذا بينما تتزامن هذه الحملة ضد بلادنا مع تعاظم التفافها حول مطلب الديمقراطية واعتبارها مجالاً حيوياً لتحقيق مشروعها الخاص في دخول العصر والعقلانية والاعتدال وطيّ ثقافة العنف والإقصاء والهمجية لصالح المواطنة والحقوق والحريات التي تصون الأوطان والمجتمعات والأفراد والمعتقدات على السواء !

- وهذا الميل المتعاظم نحو الديمقراطية في مجتمعنا يحمل في طياته رغبة أكيدة وموازية لتصويب علاقة الديمقراطية بالدين والعلمانية معاً من زاويتها الصحيحة تماماً ، التي تماشي حاجة الحياة .. والمجتمعات .. وحتى الفطرة الإنسانية . ونعني بها زواية الواقعية والتعقل التي تطوي التناقض المفتعل بين الدين والعلمانية . بل تكفل احتواء الاثنين مع وضع كل منهما في قدره اللائق والصحيح انطلاقاً من المقاصد والوظائف التي يدعو لها .. بمعزل عن قيود المصطلحات اللفظية أو الحساسيات والعيوب وحتى الإساءات التي تعرض لها كل منهما في نطاق التجربة البشرية ، في الغرب والشرق على السواء !!

.. ولا أدلَّ على صحة كل هذا ، من إجماع خيرة الحركات ودعاة الإصلاح في مجتمعنا على مطلب الديمقراطية والمشاركة الشعبية والدولة المدنية التي تخص عموم أبنائها المتدينين وغير المتدينين ، وتسابق كل فريق من هؤلاء على تسخير هذه المطالب لصالح الفريق الآخر دون تمييز ، استناداً لصفتها الموضوعية التي تخص المواطنة وحقوق الآدمية في كل مكان !

-    ويتضح أن هذه المواقف أصبحت تتعدى دائرة الحاجة الوقتية للديمقراطية ، أو الإفلات من طائلة الاستبداد. لأنها تستند إلى جملة حقائق وقناعات تؤلف معالم ثقافة مدنية جديدة بكل معنى الكلمة ، ويزداد التعبير عنها قوة ووضوحاً كل يوم . ومفادها أن الدعوة للديمقراطية والإصلاح في مجتمعنا ليست معنية على الإطلاق بظاهرة المغالاة التي تريد جعل العلمانية (ديناً إلحادياً) يقف ضد الإسلام أو الإيمان بعالم آخر فوق-دنيوي . لأن المغالاة ليست دينية أو علمانية ، بل هي محض ظاهرة بشرية تترعرع إلى جانب الدعوات الكبرى على اختلافها ، دون أن تستثني الرسالات السماوية نفسها . وهي تعبر أولاً وأخيراً عن مآرب وأهواء أصحابها ، والتي ينبغي تمييزها عن كيان الدعوة الأصلية ومقاصدها الحقيقية !

.. وعلى العكس من هذه المغالاة ، فإن الشيء الأساسي في العلمانية – من جهة دلالتها ووظائفها- هو دعوتها لفهم العالم الذي نقيم فيه بحسب قواعده .. وقوانينه .. وعلاقاته واحتياجاته ، وعلى رأسها حاجة الديمقراطية والعقد الاجتماعي التي تعتبر الدولة هيئة مدنية تخص أبناءها دون تمييز . بالتالي فهي دعوة لتحرير العقل وحقوق الإنسان والمجتمعات انطلاقاً من الثقة بأن العالم تضبطه السنن والنواميس والضرورات المنطقية التي يقتضي احترامها لأنها تعبر عن التوازن الطبيعي .. وليس مجرد مزرعة للفوضى والعبثية ، أو نهباً للصوص والطغاة !!

.. ويتضح أن هذه الوظائف تشكل زاوية الصلة الحقيقية لارتباط العلمانية بالديمقراطية ( بصفتها الوسيلة اللائقة لحياة البشرية ) بمعزل عن شوائب التجربة البشرية أو مظاهر التطرف والغلو التي تنشد التطاول على ميادين أخرى فوق-دنيوية تخرج عن ميدان العلمانية وتخلع عليها الشرك والإلحاد ، الذي يطال معها الديمقراطية بنفس القدر تماماً !

-    ومن المؤسف أن ضرر المغالاة تحت عباءة العلمانية يكاد لا يساوي شيئاً قياساً إلى المغالاة تحت العباءة الدينية . لأن أضرار الأخيرة تطال المعتقدات والمجتمعات معاً ، خصوصاً في مجتمعاتنا العربية والإسلامية . فالأديان لم تأتِ لتسلب البشرية عالمها الدنيوي أو تعطيها أقل مما يوفره لها بالفعل من حقوق طبيعية . بل هي جاءت لتعطيها الأوفر .. والأفضل .. والأعدل ، الذي يضيف لهذا العالم أهدافاً روحية وأخلاقية رفيعة تنفع حياتها وآخرتها . ولئن حمل تطور الأديان قدراً من ترجيح العناصر المادية (كاليهودية) أو الأخلاقية (كالمسيحية) .. فإن دعوة الإسلام أرادت وضع النقاط على الحروف حين جعلها الله عز وجل ديناً ودنيا . بل جعل قضية الإصلاح الدنيوي مقرونة وموازية للإيمان بالذات الإلهية . وآيات الله لم تُخفِ حكمته من وراء ذلك وهي دفع البشر لتبين السنن والنواميس في أنفسهم والآفاق (أي في عالم المجتمع والطبيعة) التي تحقق لهم التقدم والعدل معاً ويسدّون بها ذرائع الظلم والجهل والاستبداد والعبودية!

.. وهذا يعني بصريح العبارة أن السنن والنواميس (أي القواعد والأسباب والضرورات والعلاقات بحسب المصطلحات الحديثة) .. ليست شيئاً افتعلته الدعوة العلمانية لكي تنتزعه دعوة بشرية أخرى تحت أية عباءة أو قناع ديني وسواه . وليست بالأحرى قيداً أو عقوبة لصد البشرية عن الحرية والعدالة والتقدم ، بل هي مكرمة إلهية وكيان طبيعي موضوعي أودعته إرادة الله في صلب العالم ليمكن تعقله وتدبره بواسطة العقل والبحث والحرية والمناهج العلمية . والعلمانية نفسها –بمعزل عن شتى الأهواء والعيوب البشرية – ليست سوى ترجمة أجنبية لهذه الوظائف والاستحقاقات التي تشرف الإنسان وتؤلف جزءاً عزيزاً من مقاصد الله في الأرض .

.. لهذا فإن نزعة المغالاة (أو التطرف الديني) حين لا تجد ما تفعله سوى تسليط العنف والتكفير ضد العلمانية (ومن ورائها جميع الأديان والأفكار والمعتقدات والثقافات الأخرى) .. فإنها لا تفعل ذلك ضد مجرد مزاج إلحادي عرضي ينجر له بعض الأفراد على هامش العلمانية ، بل هي تفعل ذلك ضد هذه الاستحقاقات والوظائف ، وضد مشيئة الله ومقاصده ، وضد دعوة الإسلام وفضائله ، وضد مجتمعها ومصائره .. على السواء !!

ومن المؤسف أن كل هذا ليس مجرد تعبير عن مواقف طارئة أو ردود أفعال صادرة عن ضغوط وقتية ، بل إنه يعبر أولاً وأخيراً عن نمط من ثقافة عقلية وموروث جبري استبدادي اعتاد أتباعه الاستيلاء على مقاليد الأرض والسماء معاً ، وجعلها دارة مغلقة للوصاية عليها واحتكار مفاتيحها الدنيوية والغيبية . ولا أدل على ذلك من سرعة التقاط هؤلاء لمحاذير الديمقراطية (بالنسبة لهم طبعاً) واعتبارها تؤلف شركاً وكفراً وإلحاداً بحجة أنها تجعل الأمة تحكم حياتها ومصائرها بيدها في حين أن هذه الحاكمية تخص الله دون سواه ، وبالأحرى تخص أوصياءه في الأرض !!

.. وهذا يعني باللسان الصريح أن التكفير الموجه ضد العلمانية وغيرها من دعوات الإصلاح الدنيوي هو تكفير صادر من ذات الزاوية أيضاً ، وأن إصلاح أوضاعنا العربية والإسلامية ، على الصعيد الدنيوي والدنيوي معاً، يمر في طريق واحد يقع على النقيض من هذه الدعوات دون استثناء !!

 

 

المحامي علي محمود العمر

عضو جمعية حقوق الإنسان في سورية