بعد تضاؤل الهجرة اليهودية شارون يقرع ناقوس الخطر الديمغرافي

ماجد كيالي

لم تكن إسرائيل قلقة على مستقبلها ومكانتها بين يهود العالم وصورتها في الرأي العام العالمي بقدر ما هي عليه في هذه المرحلة، وذلك برغم قوتها العسكرية والاقتصادية واحتكارها السلاح النووي في المنطقة وتمتّعها بدعم الدولة المهيمنة على العالم (الولايات المتحدة)، وأيضا برغم كل التغيرات الإقليمية والدولية المواتية لها.

والمفارقة أن إسرائيل، وهي في ذروة قوتها وتجبرها وتفوقها، باتت أقل أمنا لمواطنيها، وتعرف بكونها تمثل أكبر تهديد للأمن العالمي، وبمثابة دولة منبوذة في إطار المجتمع الدولي. وفوق ذلك فهي تبدو على شكل دولة منغلقة بأساطيرها وخرافاتها وحائرة في تحديد مصائرها وخياراتها. دولة مسوّرة بروح الغطرسة وبالجدران العالية وبترسانة حربية هائلة. دولة تمارس القهر والعنف لفرض سيطرتها على شعب أخر، من دون أن تنجح في إملاء إرادتها عليه.

ومعضلة إسرائيل أن كل ادعاءاتها باتت تتداعى، فهي أبعد ما تكون عما يسمى "الملاذ الآمن"، بالنسبة ليهود العالم، إذ أصبحت البلد الذي يقتل فيه أكبر عدد منهم؛ وحتى أنها لم تعد مصدر فخر لليهود بقدر ما هي عبء سياسي وأخلاقي عليهم، خصوصا بعد أن وصمها 60 بالمئة من الأوروبيين ونصف الأمريكيين كأكبر مصدر للخطر على السلام العالمي، وبعد أن باتت سياساتها العنصرية والقمعية، إزاء الفلسطينيين، تؤثر سلبا على مكانة واستقرار اليهود في بلدانهم.

أما صورة هذه الدولة على الصعيد العالمي، فلم تعد على شكل واحة للديمقراطية والازدهار الاقتصادي والانفتاح، في الشرق الأوسط، وإنما على شكل دولة يسيطر فيها العسكر والحاخامات المتعصبين والسياسيين المتطرفين، دولة تمارس التمييز العنصري والإرهاب وكل أشكال الحصار والعزل ضد الفلسطينيين، لا سيما أنها تبني جدار "برلين" أخر في المنطقة، وفي القرن الحادي والعشرين!

وكان أبراهام بورغ تحدث بعبارات لاذعة عن هذا الواقع بقوله: "نهاية المغامرة الصهيونية باتت ماثلة أمامنا..من المحتمل أن يكون جيلنا هو جيل الصهيونية الأخير لن يبقى بعده غير دولة مكروهة وغير معترف بها. من منا يريد أن يكون مواطناً فيها؟ آل واقعنا إلى دولة تفرخ مستعمرات، وتقودها زمرة فاسدة تسخر من الأخلاق المدنية والقانون. إن دولة مسخّرة لاحتقار العدالة تفتقد القدرة على البقاء" (هآرتس سبتمبر 2003)

المهم أن حال إسرائيل المتدهورة بدأت تنعكس سلبا على صورتها لدى مواطنيها اليهود كما لدى اليهود في العالم، وهو ما ينعكس في إحصائيات الهجرة والهجرة المضادة. فالهجرة إلى إسرائيل باتت تتراجع بسبب تدهور الأوضاع الأمنية والاقتصادية فيها، ونضوب أماكن الهجرة التقليدية (روسيا أوروبا شمالي أفريقيا)، وتحسن أوضاع البلدان التي تعتبر مصدرا للهجرة، لاسيما مع وجود دول مستقبلة منافسة لإسرائيل، مثل الولايات المتحدة ودول أوروبية واستراليا.

وبحسب تقرير للوكالة اليهودية صدر مؤخرا، فقد وصل إلى إسرائيل في العام 2003 نحو 24 ألف مهاجر، في حين وصل عدد المهاجرين عام 2002 إلى 34 ألفا مقابل 44 ألفاً عام 2001، و60 ألفاً عام 2000. وكانت ذروة الهجرة اليهودية تمثلت بقدوم 200 ألف شخص في العام 1990، و 176 ألفاً في العام 1991، ثم تأرجح العدد حول 60 ألفاً في الأعوام 1997 – 2000.

أما بالنسبة لظاهرة الهجرة المضادة، فقد ذكرت دائرة الإحصاء المركزية الإسرائيلية انه، مع بدء الانتفاضة وازدياد الركود الاقتصادي، حدثت قفزة في عدد الإسرائيليين الذين يهاجرون إلى الخارج، فبين الأعوام 96 ـ 1999 كان الرقم يدور حول عشرين ألف مهاجر سنوياً، ولكنه بلغ عام 2001 سبعة وعشرين ألفاً.

وبالإجمال فإن مكتب الإحصاء المركزي يقدر عدد النازحين من إسرائيل، منذ قيامها، بحوالي 750 ألفا (مع أولادهم) 60 في المئة منهم يسكنون في شمالي أمريكا، 25 في المئة في أوروبا، و15 في المئة في باقي دول العالم.

ولا يتوقف الأمر على انحسار الهجرة والهجرة المضادة فثمة ظاهرة أخرى بين الإسرائيليين تتمثل بالميل المتزايد للحصول على جنسية دولة أخرى. إذ بيّن استطلاع للرأي، أجري في إسرائيل، بأن حوالي ثلثي الإسرائيليين يريدون الاستحصال على جواز سفر لأطفالهم. أما جوازات السفر التي يحبذ الإسرائيليون الحصول عليها فهي: الأمريكي 42 في المئة. إحدى الدول الأوروبية ولا سيما بريطانيا 9 في المئة، اوستراليا 5 بالمئة. وفقط 21 في المئة من الإسرائيليين أعلنوا أنهم بشكل عام غير معنيين بالحصول على جواز سفر أجنبي لأطفالهم. علما أنه ثمة عدة مئات الألوف من الإسرائيليين يحملون جنسية دولة أخرى.

والنتيجة أن إسرائيل وبعد أكثر من نصف قرن على إنشائها، ومع كل الحوافز التي تقدمها للمهاجرين، لم تستقطب سوى 38 في المئة من يهود العالم (من 13 مليون نسمة)، ما يعني أنها فشلت في تجسيد حلم الصهيونية، أي جعل نفسها وطنا لأغلبية اليهود في العالم. كما أخفقت في اعتبار نفسها مركزا ليهود العالم، فهي باتت أحد مراكزهم، مع وجود التجمع اليهودي الكبير في الولايات المتحدة.

ويقلّل المحلل يارون لندن من أهمية جاذبية الفكرة الصهيونية للهجرة إلى إسرائيل، فبرأيه "يهود قليلون جاءوا بسبب توقهم إلى ارض الآباء والأجداد..النظرية الصهيونية لا تؤثر إلا على من اغتصبه الواقع الوحشي. قوة الرفض هي التي تنتج الصهيونية العملية وليس قوة الجذب". ويفسر موجات الهجرة الكبرى بثلاثة عوامل: شعور اليهود بالخطر في بلدانهم، وتعرضهم لأزمة اقتصادية، وانغلاق بوابات الدول الثرية في وجوههم. (يديعوت أحرونوت20/11)

وهكذا تبدو إسرائيل في وضع صعب بالنسبة للهجرة التي تشكل جوهر العقيدة الصهيونية، فاليهود في الخارج لا يأتون واليهود من الداخل يخرجون ولا يعودون. والخطير في الأمر أنه ثمة تدني في معدلات الزيادة الطبيعية للسكان اليهود (1.4 بالمئة)، مقابل معدلات تزايد عالية لدى الفلسطينيين (3 بالمئة)، الذي يشكلون 19 بالمئة من مواطني إسرائيل، في حين أنهم مع فلسطيني الضفة والقطاع يقتربون من نسبة التعادل مع اليهود، وهو ما ينذر مستقبلا ليس فقط بتقويض الأساس اليهودي لإسرائيل، عبر قيام دولة ثنائية القومية، وإنما أكثر من ذلك، أي تحول إسرائيل إلى دولة الأغلبية العربية، في حال واصلت إسرائيل احتلالها للضفة والقطاع وفي حال حافظت على كونها دولة ديمقراطية.

ويحذر أرنون سوفير الباحث الديمغرافي الإسرائيلي من هذا السيناريو الخطر، بقوله:" الفلسطينيون سيشكلون في العام 2020 أغلبية تقدر 58 بالمئة واليهود أقلية قدرها 42 بالمئة. فالعرب في إسرائيل سيبلغ عددهم 3 مليون، وفي الضفة والقطاع حوالي 5.8 مليون (بمجموع 8.8 مليون)، أما اليهود فلن يتجاوز عددهم 6.4 مليون". وبناء على ذلك يرى سوفير بأن دولة إسرائيل ستتعرض إلى خطر وجودي: "أنا قلق جدا. إذا لم نتخذ أي خطوة لمعالجة المشكلة فان دولتنا ستنتهي خلال 17 سنة وسيحدث انهيار".(هآرتس 17/7/2001)

ولعل هذا السيناريو هو الذي دفع شارون، في مؤتمر هرتسليا (أواسط هذا الشهر)، إلى التقليل من أهمية الأزمات السياسية والاقتصادية وحتى الأمنية، التي تواجهها إسرائيل، وقرع ناقوس الخطر الديمغرافي، بقوله: "الهجرة هي الغاية المركزية لدولة إسرائيل". وفي المؤتمر ناشد شارون أطراف الطيف السياسي الإسرائيلي بالتوحد لتحقيق استقرار صورة إسرائيل اليهودية والديموقراطية، كي تبقى دولة تستوعب الهجرات وتشكل مركزا روحيا وقوميا ليهود العالم.

وعلى أية حال فإن إسرائيل تبذل جهدا كبيرا لمواجهة هذا الخطر الديمغرافي، عبر تحسين علاقاتها بالتجمعات اليهودية في العالم، واستصدار التشريعات التي تشجع على الهجرة والتي تسهّل على النازحين منها العودة إليها، أو المشاركة في العمليات الانتخابية التي تجري فيها.

ولكن هذه العلاجات هي مجرد مسكنات ومحاولة هروب من المشكلة الحقيقية الناجمة عن الاحتلال والسيطرة على شعب أخر وعجز أمام عقدة الجغرافيا والديمغرافيا. وبحسب يوآف كيرن: "إذا لم نتوصل إلى تسوية سياسية، فسوف يكون تحت السيطرة الإسرائيلية فلسطينيون أكثر من اليهود. إذا ما دفنا رؤوسنا في الرمل، فان ذلك لا يمكن أن يوقف الساعة الرملية الديمغرافية..إن المهاجرين لن يقدموا إلى إسرائيل كي يموتوا داخل حافلات الباصات المتفجرة وفي النوادي..المناطق "الفلسطينية" ليست كنزا استراتيجيا – بل قنبلة ديمغرافية موقوتة. يجب عليه (شارون) أن يدرك ذلك، لا من اجل الفلسطينيين بل من اجلنا".(معاريف 26/6/2003) ويقول أوري درومي (مدير في معهد الديمقراطية الإسرائيلية بالقدس): لخيارات في الشرق الأوسط ليست بين الجيد والسيئ، بل بين السيئ والأسوأ. وفقدان الطبيعة اليهودية لإسرائيل أو ديمقراطيتها، يعد أسوأ السيناريوهات المحتملة. على إسرائيل أن لا تنتظر إلى الأبد..عليها أن تتصرف بمفردها، من طرف واحد".

وهكذا فالتحدي يتمثل في ما تختاره إسرائيل، فهل تختار الأرض، أم تختار التخلي عن كونها دولة يهودية؟ والإجابة على هذا السؤال بالنسبة للإسرائيليين لم يعد ترفا أو مجرد تمرين نظري إنه حقيقة يواجهونها في كل يوم.