خطة شارون للفصل: انسحاب مقابل ضم

 محاولة جديدة لفرض املاءات إسرائيل على الفلسطينيين

ماجد كيالي

نتيجة إخفاقه في جلب الأمن والاستقرار والازدهار الاقتصادي للإسرائيليين، وبعد فشله في كسر إرادة الفلسطينيين وفرض املاءاته السياسية عليهم، ولتدارك التدهور في صورة إسرائيل على الساحة الدولية، أعلن شارون، في خطاب ألقاه في مؤتمر "هرتسليا" (الخميس الماضي)، عن خطته السياسية لفك الارتباط مع الفلسطينيين، من طرف واحد، من خلال عزلهم في كانتونات متفرقة، وضم الكتل الاستيطانية الكبيرة إلى إسرائيل، وترك الفلسطينيين لتدبر أحوالهم، في أقل مساحة ممكنة من أراضيهم، تحت شعار: "نحن هنا وأنتم هناك"، حتى ولو كان ثمن ذلك إقامة دولة فلسطينية. فبعد هذه الإجراءات، وفي 50 في المئة من مساحة الضفة وغزة، لم يعد شارون يبالي إذا كان الفلسطينيون سيقيمون دولة أو إمبراطورية، بحسب تعبيره.

الجدير بالذكر أن شارون كان يرفض في السابق أية خطوات أحادية الجانب، بدعوى أنها ستعتبر تشجيعا للفلسطينيين على العنف و"الإرهاب" (بمصطلحاته)، وبدعوى أنهم سيعتقدون حينها أن ما لم يستطيعوا انتزاعه من إسرائيل بالمفاوضات استطاعوا أخذه بالانتفاضة. كما أن شارون كان يعارض خطط الفصل لأنه من دعاة "أرض إسرائيل الكاملة"، ولأنه كان يرى في الفصل انتهاكا لركيزة أساسية من ركائز الصهيونية التقليدية.

أما ما دعا شارون، إلى تغيير مواقفه في هذه المرحلة، وتبني خطة الخطوات الأحادية أو خطة الفصل فهي مجموعة من العوامل، لعل أهمها:

1 ـ سعيه إلى التملص من عملية التسوية من جهة، وفرض املاءات التسوية على الفلسطينيين، بالمواصفات الإسرائيلية، من جهة ثانية، لا سيما في الظروف الدولية والإقليمية الراهنة.

2 ـ التخلص من التبعات الأمنية والاقتصادية والسياسية والأخلاقية، للسيطرة على الفلسطينيين، لا سيما بعد أن بات حوالي 75 بالمئة من الإسرائيليين يؤيدون هذا الانفصال، بالتسوية أو من دونها.

3 ـ تصاعد المخاوف من الخطر الديمغرافي، الناجم عن زيادة نسبة الفلسطينيين بالقياس للإسرائيليين. وبالنظر لتعذر تمرير حلول من نوع "الترانسفير" فإن الحل الوحيد بالنسبة للإسرائيليين، لتلافي خطر تحول إسرائيل إلى دولة ثنائية القومية، أو ربما إلى دولة الأغلبية العربية، إنما يتمثل بالانفصال عن الفلسطينيين، وهو ما بات يشكل إجماعا لدى مختلف أطراف الطيف السياسي الإسرائيلي، من اليمين واليسار. والفرق هنا بين هذه التيارات إنما يكمن في مساحة الأراضي التي يمكن أن تتركها إسرائيل للفلسطينيين، وفي كيفية التعامل مع القضايا الأخرى: المستوطنات والقدس واللاجئين وشؤون السيادة.

4ـ الالتفاف على التفاعلات الحاصلة في الحلبة السياسية الإسرائيلية، الناشئة عن وثيقتي " جنيف" ونسيبة ـ أيالون، والناجمة أيضا عن انتعاش اليسار الإسرائيلي، بعد إخفاق سياسات اليمين في مختلف المجالات الداخلية والخارجية؛ والتي يؤكدها تراجع نسبة التأييد لشارون إلى 48 بالمئة، بين الإسرائيليين، بعد أن كانت وصلت في مراحل سابقة إلى 75 بالمئة. ويبدو أن شارون بات أمام واقع تحول في مزاج الإسرائيليين، فثمة 75 بالمئة منهم يؤيدون إجراء المفاوضات مع الفلسطينيين و65 في المائة يؤيدون إقامة دولة فلسطينية في إطار المفاوضات (منهم 63 بالمئة من ناخبي الليكود)، و60 في المائة يوافقون على إخلاء مستوطنات غزة، و58 في المائة يوافقون على إخلاء مستوطنات نائية ومعزولة في الضفة. (هآرتس 9/12). أيضا ثمة تراجع في التأييد لشارون فثمة 50 في المائة من الإسرائيليين أعربوا عن عدم ثقتهم به، و54 بالمئة أعربوا عن تطلعهم لقيام حكومة ائتلافية من الليكود وشينوي والعمل بدلا من الحكومة الحالية، التي تضم الليكود وأحزاب اليمين المتطرف وشينوي. (يديعوت أحرونوت 12/12)

5 ـ التدهور في مكانة إسرائيل على الصعيد الدولي، إذ أنه ثمة 60 بالمئة من الأوروبيين ونصف الأمريكيين باتوا يعتقدون أن إسرائيل أكثر دولة تشكل خطرا على الأمن الدولي. وإسرائيل باتت تظهر في العالم على صورة دولة استعمارية عنصرية تفرض سيطرتها على شعب أخر بوسائل القوة. وفي هذا الإطار، يعتقد ناحوم برنييع بأن اتجاه شارون نحو الحسم السياسي هو نتاج "التدهور الذي تشهده مكانة إسرائيل على الحلبة الدولية، وليس نتاج السياسة الداخلية. لقد أدرك أنه من الأجدر به المخاطرة، والقيام بخطوة، بل وربما السقوط على سيفه، على أن يرى مكانة حكومته ودولته تنقرض حتى الموت".

6 ـ يرى شارون بأن مثل هذه الخطوات، يمكن أن تلبي مطالب الإدارة الأمريكية (التي باتت تضغط عليه للخروج من الوضع الحالي)، بالتسهيل على حياة الفلسطينيين وتفكيك بعض المستوطنات (لا سيما في قطاع غزة) وتعديل بعض مسارات الجدار الفاصل؛ خصوصا بعد أن باتت خطة "خريطة الطريق" قرارا ووفق عليه بالإجماع في مجلس الأمن الدولي. واللافت أن الإدارة الأمريكية كانت تعارض خطة الفصل والخطوات الأحادية التي كان شارون يعتزم الإعلان عنها. ولكنها عادت وتراجعت عن هذا الموقف بعد أن ضمّن شارون خطابه في "هرتسليا" عبارات يوحي فيها بالتزامه خطة "خريطة الطريق" وبهدف الدولتين ووقف بناء المستوطنات؛ برغم كل ما جاء في هذا الخطاب من حديث عن ضم مستوطنات لإسرائيل ومن إصرار على الاستمرار في بناء جدار الفصل العنصري، وهي خطوات تفرض الأمر الواقع من طرف معين على الطرف الأخر، وهو ما يتعارض مع عملية التسوية التي تدعي الولايات المتحدة رعايتها!

ويجمل بن كسبيت العوامل التي حضت شارون على طرح هذه الخطة بقوله: "الاستطلاعات تنهار، الثقة الجماهيرية تتحطم، شارون - الثعلب السياسي العتيق والذكي - يرى الأرقام. كما انه يقرأ خطط السلام البديلة، من جنيف حتى نسيبة، ويفهم أن الزخم يعمل ضده. وها هو باول بات مؤيدا لجنيف، وأوروبا تحيي ايالون. هذه الخطة الجديدة يفترض بها أن تخلق طاقة شارونية مضادة".

على أية حال فإن خطة شارون هذه تلقى معارضة قوية في الحلبة السياسية الإسرائيلية، من اليمين واليسار. فاليمين، مثلا، يحذر من أن شارون يتجه للتفريط بالمستوطنات والتنازل عن "أرض إسرائيل الكاملة" وأنه يخضع للفلسطينيين بمنحهم جائزة الدولة الفلسطينية. أما بالنسبة للخطر الديمغرافي فهؤلاء لا يبالون به لاعتقادهم بأن اليسار يبالغ به لترويع الإسرائيليين. وبرأي اليمين المتطرف فإن إسرائيل ليست معنية بمنح الفلسطينيين، في الأراضي المحتلة، هوية إسرائيلية، حفاظا منها على طابعها اليهودي، وأنها قادرة على حل هذه المعضلة من خلال التعاون مع الأردن، أو ربما من خلال تمكين الفلسطينيين من إدارة أوضاعهم بأنفسهم، على أقل رقعة ممكنة وفي اقل قدر من إمكانيات السيادة. بل إن بعض هؤلاء (مثلا نتنياهو وليبرمان وايتام) يعتقدون بأن الخطر الديمغرافي الذي تواجهه إسرائيل إنما هو ينبع من مواطنيها العرب (في إسرائيل)، الذين يشكلون 20 بالمئة من عدد السكان فيها، وأن على إسرائيل العمل على حل هذه المعضلة من خلال تشجيع اليهود على الهجرة إليها، ومن خلال التخلي على بعض التجمعات العربية في إسرائيل مقابل ضم إسرائيل للمستوطنات (تبادل سكان!).

أما اليسار الإسرائيلي، فهو يعتقد بدوره بأنه لا يجوز السير في الخطوات الأحادية، إلا في نهاية المطاف، وضمن حدود الخط الأخضر مع بعض التعديلات. وثمة من يعتقد بضرورة تبني مقوله رابين: "استئناف المفاوضات وكأنه لا يوجد عنف والتعامل مع العنف وكأنه لا يوجد مفاوضات". ويرى هؤلاء بأن إسرائيل معنية بوجود شريك لأن ذلك أفضل لها في التعامل مع الفلسطينيين. كما لا يتشجع اليسار من الخطوات الأحادية لأنها ستعتبر، من وجهة النظر الدولية، محاولة من إسرائيل للالتفاف على عملية التسوية، وإملاء من طرف واحد، لا سيما أن الفلسطينيين سيرفضونها وسيعززون الكفاح ضدها. وبحسب زئيف شيف فإنه "في الوضع الذي لا يتواجد فيه على الجانب الثاني من الحدود جهة سياسية معترف بها وذات صلاحية تعترف بهذه الخطوة، كجزء من الطريق نحو الحل الشامل، فإن من شأن العملية من جانب واحد أن تفقد مغزاها. وفي غياب مثل هذا الاعتراف، ستفقد إسرائيل كل مزاياها الكامنة ظاهرياً في العملية أحادية الجانب..خطوات الضم من جانب واحد لن تؤد إلا إلى تأجيج نار النزاع".

بكل الأحوال فإن خطة شارون هذه ستلقى معارضة ليس من قبل الفلسطينيين، فقط، ولا من قبل اليسار الإسرائيلي، فحسب، إذ إنها ستلقى معارضة كبيرة، أيضا، من داخل حزبه الليكود ومن أوساط اليمين الإسرائيلي. لذا من الصعب تصور نجاح هذه الخطة، ومع ذلك فإنها مدماك جديد في محاولات إسرائيل فرض املاءاتها على الفلسطينيين، وتكريس واقع الاحتلال المباشر وغير المباشر.